"أبو المهاجر دينار" مسجد يرفض السقوط...رغم الاهمال

أرمولي بلال باحث في التراث الثقافي: “هذا الصرح الإسلامي بحاجة الى ترميم جاد يليق بمكانته”

أرمولي بلال باحث في التراث الثقافي: “هذا الصرح الإسلامي بحاجة الى ترميم جاد يليق بمكانته”

* أول جامع بني في الجزائر يبقى صامدا ضد عوامل الزمن ومحاولات طمس هويته

“أقدم مسجد في الجزائر والثاني في المغرب العربي بحسب الروايات الأرجح، لم يحظى بالتفاتة جادة من المسئولين رغم المناشدات المتواصلة من المواطنين وباحثي الأثار والغيورين على رموز ما تبقى من عبق التاريخ الإسلامي في دولة الجزائر المسلمة”.

“المسجد الذي تم تصنيفه بعد استقلال الجزائر كموقع أثري في 1967، يتطلب بشكل عاجل صيانة وترميم جاد من طرف مؤسسات محترفة من أجل رد الاعتبار لهذا الصرح الإسلامي خاصة وأنه يشكل معلماً دينياً وتاريخياً وثقافياً مهماً للجزائر ويعبر عن هوية الجزائريين”.

“يمكن لهذا الصرح بقليل من الاعتناء أن يرفع فيه ذكر الله من جديد وتقام فيه الصلوات الخمس أو أن يتحول إلى مزار سياحي تاريخي يجذب الكثير من المهتمين بالعمارة الإسلامية خاصة وأن الحكومة أكدت انفتاحها وتشجيعها للسياحة الدينية في البلاد”.

 

في مدينة “ميلة” المحافِظة التي تبعد حوالي 500 كيلومترا شرق الجزائر العاصمة، “يترامى” أول مسجد بني في الجزائر والثاني في المغرب العربي، مسجد الفاتح الإسلامي “أبو المهاجر دينار” أو كما يسمى اليوم مسجد “سيدي غانم”، مسجد رغم أنه عانى بمرور الزمن الإهمال وطمس الهوية الا أنه يرفض السقوط ويبقى ثابتا شاهدا على تاريخ الجزائر وهويتها الإسلامية منتظرا مقابل ذلك “رد الاعتبار”.

 

ويعد مسجد “سيدي غانم” أول مسجد بني في الجزائر وثاني أقدم مسجد في دول المغرب العربي بعد مسجد القيروان في تونس، تعود قصته إلى الفتوحات الإسلامية التي عرفتها الجزائر في وقت مضى.

تم تشييد هذا المسجد، الذي أخذ تسميته نسبة إلى أحد أولياء الله الصالحين “سيدي غانم” الذين كانوا من رجالات العلم والمعرفة، والذي يسمى أيضا بـ”أبو المهاجر دينار” وهو صحابي جليل، قبل 13 قرنا، وتحديدا في عام 59 هجريا، الموافق لـ 678 ميلاديا، حسب ما كشفه للموعد اليومي أرمولي بلال باحث في التراث الثقافي وأستاذ في جامعة الجزائر 2.

وترتبط قصة بناء هذا المسجد بفترة الفتوحات الإسلامية التي عايشتها الجزائر في زمن بعيد عندما كان سكان المنطقة تحت الاحتلال البيزنطي ويدينون المسيحية، يقول الأستاذ أرمولي بلال الذي يروي في هذا الصدد كيف استطاع الصحابي الجليل أبو المهاجر دينار أن يكسب ود السكان المحليين بسياسته الحكيمة عكس سابقه عقبة بن نافع الذي حاول معهم بالقوة رغم طبيعتهم المزاجية الصعبة.

 

وصف المسجد

وبما أن لكل مسجد طابع هندسي، استعمل أول مسجد بني في الجزائر الذي يتربع على مساحة تفوق 800 متر مربع في بداية بناءه مواد، مثلما قال الباحث في التراث الثقافي للموعد اليومي، “هي في الأصل لكنيسة بيزنطية واتخذ شكلا هندسيا مميزا، حيث تم استعمال مختلف الأعمدة ذات تيجان مختلفة التي تعود الى الفترة الرومانية والبيزنطية”.

وبالنسبة للمنارة، أكد الأستاذ بلال أن المسجد كان يحتوي على منارة شاهقة تم تهديمها مع مرور الزمن وما مر به هذا المسجد من محاولات طمس هويته ابان فترة الاستعمار الفرنسي.

ويحتوي المسجد على أربع واجهات، الرئيسية تقع في الجهة الشرقية، وتطل على حيز فسيح، ويتوسطها المدخل الرئيسي، يؤدي إلى الصحن ومنه إلى بيت الصلاة”.

ويضم المسجد برجين، يمثلان الملاحق الجنوبية والشمالية، ومحور الدرجات الذي يحتوي على باب بارز، إضافة إلى ممر يؤدي إلى الطابق العلوي ببيت الصلاة، عبر ثلاث درجات، وطابق ثاني فوق المسجد وكذا حيزا ينفتح به بابان.

 

حقائق مغلوطة

وبخصوص تاريخ بناء هذا الصرح الإسلامي العظيم، تباينت التفسيرات المتعلقة بكيفية تشييده بين من يقول أنه شيّد على أنقاض كنيسة رومانية تسمى “البازيليكا”، ومن يقول أنه أقيم بمحاذاتها، غير أن الرواية الأرجح كما ذكر الأستاذ أرمولي تشير الى أن مسجد “سيدى غانم” شيد بمحاذات الكنيسة.

 

صمود أمام الاستعمار

وعاش المسجد أكبر سنوات اهماله ابان فترة الاستعمار الفرنسي، حيث حول إلى ثكنة لجيش الاستعمار الذي هدم وشوه كثيرا من معالمه ذات الطابع المعماري الإسلامي، منها منارته واستغلال حجارتها في بناء مرافق لها.

ووفق ما أكده الأستاذ في جامعة الجزائر 2، فقد قسم المسجد خلال هذه الفترة إلى قسمين، القسم العلوي خصص كمرتع لجنود الاحتلال الفرنسي، أما القسم السفلي فجعلته إدارة الاحتلال “اسطبلات للخنازير والأحصنة”.

 

صيحات مسجد

ولأن هذا المسجد لا يزال يعاني حتى اليوم الإهمال والاهتمام رغم بعض محاولات “رد الاعتبار”، ناشد أرمولي الجهات المختصة بسرعة التدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، معتبرا أنه يمكن لهذا الصرح بقليل من الاعتناء أن يرفع فيه ذكر الله من جديد وتقام فيه الصلوات الخمس أو أن يتحول مثلما قال إلى مزار سياحي تاريخي يجذب الكثير من المهتمين بالعمارة الإسلامية خاصة وأن الحكومة أكدت انفتاحها وتشجيعها للسياحة الدينية في البلاد.

بلال كشف أيضا أن “أبو مهاجر دينار” أقدم مسجد في الجزائر والثاني في المغرب العربي بحسب الروايات الأرجح، لم يحظى بالتفاتة جادة من المسئولين رغم المناشدات المتواصلة من المواطنين وباحثي الأثار والغيورين على رموز ما تبقى من عبق التاريخ الإسلامي في دولة الجزائر المسلمة.

 

غموض الترميم

ورغم أن المسجد شهد بعض محاولات التجديد خلال العقدين الأخيرين لكنها لم تكن على مستوى قيمة وقامة هذا المعلم الأثري الكبير، يقول الأستاذ بلال الذي أشار إلى عمليات ترميم سابقة أجرتها مديرية الثقافة سنوات 2009 و2012 على المسجد، لكن توقفت لأسباب مجهولة، قبل أن تبعث من جديد بداية السنة الجارية دون إعطاء مزيد من التفاصيل.

وأشار الأستاذ أن المسجد الذي تم تصنيفه بعد استقلال الجزائر كموقع أثري في 1967، يتطلب بشكل عاجل “صيانة وترميم جاد” من طرف مؤسسات محترفة من أجل رد الاعتبار لهذا الصرح الإسلامي خاصة وأنه يشكل معلماً دينياً وتاريخياً وثقافياً مهماً للجزائر ويعبر عن هوية الجزائريين.

وسواء كان هذا الاهمال متعمدًا أو غير متعمد، فإن ما يحدث لأول مسجد بني في الجزائر والثاني في المغرب العربي حلقة واحدة من مسلسل الإهمال واللامبالاة الذي يعاني منه التراث الإسلامي في الجزائر.

مصطفى عمران