الرئيسية / منبر القراء / أبـــــــــتي
elmaouid

أبـــــــــتي

حين أعبر بوابة الذكرى، يعتريني الذهول والحسرة، فأغرق في دهماء كنت أعيشها ذات زمن، سنين معجونة بالعبرات والألم، إذ أتذكر شخصا كان و لا زال يدعى أبي، أو كما كنا نسميه- أنا وإخوتي-(بالدكتاتور) فالبسمة كانت لا تعرف لشفتيه سبيلا والحنان لا يعرف لقلبه دربا، فإذا بنا اليوم نتندر على كل هذا بمجلسنا وفي أفئدتنا غصة لا تمحوها الأيام ولا تزيلها السنون، قد كبرنا بلا حنان لا نجد دثارا دافئا حين برد المتاعب والمصاعب، وهو

في غفلة عنا خارج البيت ونحن نتململ ونكتوي بنار الحياة وأحبولة الشباب، فلم نكن نراه إلا نادرا، إذ كان يخرج من البيت صباحا ولا يعود إليه إلا و نحن نيام في مضاجعنا، كنا لا نجسر الاقتراب منه لسطوته وجبروته، فوقت طرقه للباب نتوقف عن الكلام أو الضحك فنحسب أن ألسنتنا قد خرست أو أنها لا تعرف غرف الكلم من جوف عقولنا في حضوره، حتى المرأة _أمي- التي عرفها وتزوجها وهو لم يتعد عقده الثاني عانت من كل ما كنا نعانيه، إذ لا تجرؤ على إبداء رأيها في أي شأن كان حتى حسبتها يوما أنها أمة لا أم جارية لا صاحبة بيت، كبرنا ولم نعش صغرنا و لم نذق طعم الطيش والنزق وهفوات الطفولة، كبرنا بتعاقب الزمن كأننا ولدنا كبارا ليس كباقي البشر، يمرون بمراحل الحياة الطبيعية العادية. صرنا اليوم والشيب يملأ رؤوسنا مثل الثلج في فصل القر وما نزال نحتاج إلى ذاك الحضن الذي لا يضاهيه حضن ننسى فيه الهموم والعثرات ندفن فيه الأتراح والأحزان، ما زلنا اليوم ونحن على مشارف القبر نأمل أن نطوق بذراعي والدي و نبكي بكاء الطفل الحزين، الذي كبر و ما يزال طفلا حزينا.

أبتي: (أحبك، وسأبقى كذلك، فالدم الذي يسري في شراييني هو دمك والاسم الذي أحمله هو اسمك، وسأبقى أدعو لك ربي في السراء والضراء كي يحفظك من كل سوء و يغفر لك ولي الذنوب والخطايا).