الرئيسية / ملفات / أحبط محاولات مكاتب الاستخبارات الاستعمارية “المالغ”.. العلبة السوداء لمخابرات الثورة…حقائق خفية من إنجازات “سي مبروك”
elmaouid

أحبط محاولات مكاتب الاستخبارات الاستعمارية “المالغ”.. العلبة السوداء لمخابرات الثورة…حقائق خفية من إنجازات “سي مبروك”

الجزائر- يعتقد الكثير أن نشأة جهاز المخابرات أثناء الثورة التحريرية كان بعد الإعلان عن قيام الحكومة المؤقتة في 1958 برئاسة فرحات عباس، لكن المراجع التاريخية تفيد بوجود نشاط سري لعديد  الثوار حتى قبل

اندلاع ثورة الفاتح نوفمبر 1954.

ولدى الحديث عن جهاز مخابرات الثورة “المالغ” الذي تم تأسيسه في سنة 1958 تحت تسمية وزارة التسليح والاتصالات العامة وهو أول جهاز مخابرات جزائري، يجب التسليم بالدور الذي لعبه عبد الحفيظ بوالصوف قبل ذلك من خلال مسيرته النضالية التي اتسمت في معظمها بالسرية.

وفي الحقيقة يعود نشاط عبد الحفيظ بوالصوف إلى سنوات قبل اندلاع الثورة التحريرية، حيث انخرط  في صفوف حزب الشعب بمدينة ميلة، وعمره لا يتجاوز 16 سنة، وأسّس بها خلايا تضم مجموعة كبيرة من مناضلي المدينة ومنهم لخضر بن طوبال وعنان دراجي، وكان بوالصوف يجتمع بالمناضلين بمنزله، الذي كان ملجأ لمختلف الوجوه الثورية والسياسية التي فجرت ثورة 1954. عند انضمامه إلى حزب الشعب الجزائري بقسنطينة، تعرّف على محمد بوضياف، العربي بن مهيدي وبن طوبال وغيرهم.

وعند إنشاء المنظمة الخاصة في 1947، أصبح أحد إطاراتها في الشمال القسنطيني مسؤولا عن دائرة سكيكدة، كان محل بحث من قبل الشرطة الاستعمارية بعد حل المنظمة الخاصة في 1950، فتحول إلى العمل السري وعاد إلى مسقط رأسه بفترة قصيرة، قبل أن تحوله قيادة حركة انتصار الحريات الديمقراطية في 1951 قائدا لها في وهران لمدة عام، وهناك ساهم في إنشاء اللجنة الثورية للوحدة والعمل.

ترأّس عام 1954 الاجتماع السري الأول في منزل إلياس دريش، والذي سبق الاجتماع التاريخي لمجموعة 22 التي كان ضمنها، عند اندلاع الثورة الجزائرية عين نائبا للعربي بن مهيدي بالمنطقة الخامسة وهران، مكلفّا بناحية تلمسان. وفي 5 نوفمبر خلف رمضان بن عبد المالك نائبا لقائد المنطقة العربي بن مهيدي، وبعد مؤتمر الصومام أصبح عضوا في المجلس الوطني للثورة الجزائرية، كما عين قائدا للولاية الخامسة برتبة عقيد، وبعدها في عام 1957 عين عضوا في لجنة التنسيق والتنفيذ بعد إعدام العربي بن مهيدي.

وقد كانت عملياته العسكرية في الولاية الخامسة قليلة، لكنها كانت دقيقة لا تخطئ أهدافها بالنظر إلى التواجد الاستعماري الكثيف في المنطقة، وقد استطاع بوالصوف نقل عملياته العسكرية إلى غاية آفلو التي طارد فيها عناصر بلونيس. بالمقابل وجّه جهوده في مجال الاستعلامات، وقبل تأسيسه جهاز مخابرات الثورة التحريرية عام 1958 أنشأ أول مركز تكوين أعوان الإشارة في 1956 وأول مدرسة للإطارات عام 1957، وكل هذا في سرية تامة، وأطلق على أول دفعة منها اسم شهيد المقصلة أحمد زبانة.

وقد تمكّن بوالصوف من جمع 8 مليارات فرنك فرنسي قديم إبان الثورة الجزائرية بفضل حنكته ودهائه، مقابل تجارته في الاستعلامات الدولية، حيث باع معلومات للولايات المتحدة، الاتحاد السوفييتي، الصين واليابان. وهذه المعلومات كانت تخص شؤوناً دولية لهذه البلدان مصلحة فيها، وهناك إحدى عملياته البارعة إذ أنّه كشف أحد عملاء المخابرات الأمريكية بالجزائر إبّان الثورة، وبعد استنطاقه تحصّل منه على معلومات مهمة تتعلق ببعض الوزراء العرب العملاء لهذه الوكالة، فأخبر حكوماتهم العربية بذلك وتأكّدت من صحة هذه المعلومات بعد تحقيقاتها حول الأشخاص المشار إليهم.

أما قصة سكرتيرة في الناتو، فهي واحدة من العمليات الناجحة لجهاز الاستعلامات الجزائرية في وقت الثورة الجزائرية، تمثّلت في تجنيد سكرتيرة فاتنة تعمل لدى جنرال كبير في حلف الناتو، وقد كان الهدف إيصال أجهزة اتصال حديثة لجهاز الإشارة لجيش التحرير الوطني بهدف الاتصال بين الوحدات، وقد تمكّن رجال عبد الحفيظ بوالصوف من الحصول على الأجهزة، وفي العديد من المرات التجسس على الاتصالات بين الوحدات الفرنسية واكتشاف الكثير من أسرار الجيش الفرنسي.

هذه العملية تمّت بعد عملية السفينة اليونانية وإعدام اليوناني الخائن، واستطاع أيضا تجنيد بعض الوزراء في الحكومة الفرنسية لصالح ثورة الجزائر، من بينهم ميشال دوبري الذي كان رئيس الوزراء في حكومة شارل ديغول ووزير الاقتصاد فوركاد، ووزير الفلاحة إيدغار بيزاني وشخصيات أخرى لها صلة بالحكومة، وأوناسيس المليونير اليوناني الذي تزوج فيما بعد بأرملة الرئيس الأمريكي الراحل جون كيندي.

 

“المالغ” جهاز استخباراتي بفروع داخل وخارج الوطن

وأحدثت الحكومة الجزائرية المؤقتة برئاسة فرحات عباس، في سنة 1958 بعد أربع سنوات من انطلاق ثورة التحرير، وزارة التسليح والاتصالات العامة وتعرف أيضا باسم “المالغ” ترأسها عبد الحفيظ بوالصوف وأسندت لها مهمة تسليح الثوار الجزائريين لمحاربة الاستعمار الفرنسي، حيث كلف جماعة من الضباط الشباب بمهمة تشكيل جهاز للاستعلامات الذي بقي ملحقا وتابعا تنظيميا للوزارة المذكورة حتى استقلال الجزائر.

هذا الدور امتد إلى مهام كثيرة ومتنوعة من بينها تأسيس نظام التسليح والاتصالات العامة وإنشاء الإعلام الثوري ونظام الشيفرة والتنصت على العدو والمخابرات المضادة التي كانت تعد العين الساهرة على سلامة الثورة واستمرارها، كما كان لها نشاط في الخارج خاصة في الدول الاشتراكية كالاتحاد السوفياتي والصين وفيتنام وكوبا للمساعدة والتسليح والدعم المالي.

كان يرأس الوزارة عبد الحفيظ بوالصوف وكانت تعتبر أول جهاز مخابرات جزائري كلف بمهمة الاستطلاع العسكري والتسليح والتنسيق بين قادة الولايات التاريخية العسكريين، كان لها عدة فروع داخل وخارج الوطن بالمغرب (وجدة) وليبيا أهمها مركز ديدوش بطرابلس في ليبيا.

من بين الضباط الذين كانوا في وزارة التسليح والاتصالات العامة: دفعة العربي بن مهيدي والتي كانت تضم: حجاج مليكة – ميري رشيدة – حميد غزالي – عبد السلام شلالي – بري مصطفئ – محمد سماش – خرزابي إسماعيل – عبد الله خالف (قاصدي مرباح) – عبد القادر خالف (كمال) – علي تونسي ( الغوثي) – نور الدين زرهوني (يزيد) – أحمد زرهوني (فرحات) – حاج غزوت (ناصر) – محمد لعلى (قدور) – عبد العزيز بوتفليقة (عبد القادر) – عبد الحميد تمار (عبد النور) – حسان بلجلطي (عبد الرزاق) – محمد بروان – بوعلام بسايح (لمين) -دحو ولد قابلية – بلمهمل حاج سليمان – محمد لمقامي.

وكانت مهام أول جهاز للتجسس والتجسس المضاد بقيادة عبد الحفيظ بوصوف (السي مبروك) ونائبه هواري بومدين وقد كلف بمهام صعبة للغاية خاصة في تلك الظروف؛ فبالإضافة إلى مهامه المعروفة أوكلت له مهمة تزويد الثورة بالأسلحة اللازمة، وتزويد وحدات جيش التحرير الوطني بالمعلومات حول قوات العدو، وكذا الأسلحة والمعدات الخاصة بالاتصال، وحماية الثورة من الاختراقات الداخلية والخارجية خاصة بعد عملية بلويت الرهيبة للمخابرات الفرنسية داخل وحدات جيش التحرير.

هذا إضافة إلى معرفة القوة الحقيقية للعدو ونشر الدعاية في صفوفه لتشتيته وهو ما  نجح فيه لحد بعيد حيث هرب عدد من أفراده وتم الاستفادة منهم من طرف المالغ إلى حد كبير والقيام بالتحريات حول المسؤولين العسكريين والسياسيين والقضاء على الخونة.

 

مراكز تدريب وهياكل ومديريات لمكافحة التجسس

ويعتبر العقيد عبد الحفيظ بوصوف (1926 / 1980)، بمثابة “العلبة السوداء” للثورة، وهو الذي لعب دورا بارزا في إنجاح مفاوضات إيفيان التي أفضت إلى حصول الجزائر على استقلالها، كما أنه اعتمد سياسة تسليح بلغت حد تصنيع قطع السلاح وتكوين طيارين وإيصال 6 طائرات هليكوبتر إلى المغرب في شكل قطع وتحت تسمية بضائع مختلفة عشية الاستقلال.

وتم تأسيس مدرسة لتدريب الإطارات (مدرسة الإطارات) l’école des cadres  كان دور هذه المدرسة هو تدريب الضباط وأول مركز لتدريب الإطارات كان بوجدة (المغرب) حيث تبرعت عائلتان ثريتان بمنازل وهما عائلة بوعبد الله وعائلة بن يخلف.

وكان لوزارة التسليح والاتصالات العامة (MALG ) عدة فروع هي:

– مركز ديدوش بطرابلس كان يضم عددا كبيرا من الضباط ويحتوي على عدة فروع (فرع للاستخبارات والتحليل – فرع للأرشيف – الإذاعة ) حيث كانت تطبخ فيه كل الأمور المتعلقة بالتحرك السياسي لجبهة التحرير الوطني، كما كان يقوم بتحليل تقارير العملاء من داخل وخارج الوطن ومن بين أهم فروع مركز ديدوش هو فرع اليقظة (la vigilance) الذي كانت مهمته هي حماية الثورة.

– مديرية الإشارة والشيفرة DTN بالفرنسية direction du transmission et du chifre : كان مركزها بوجدة (المغرب) قرب الحدود وكانت مهمة هذا المركز هو التنصت والإرسال اللاسلكي عن طريق المورس (باستعمال الشيفرة ) بالاتصال بوحدات جيش التحرير الوطني في الولايات التاريخية.

– مديرية اليقظة ومكافحة التجسسdierction de  la vigilance et le contre renseignement (DVCR):  وهو فرع  الاستخبارات وزرع العملاء في صفوف العدو والاستطلاع السياسي والعسكري.

– مديرية التوثيق والاستعلامات الخاصة بالمعلومات العسكرية: la direction de la documentation et de la recherche d’information militair  مهمة هذا الفرع هي الاستخبارات العسكرية ودعم جيش التحرير الوطني بالمعلومات.

– مديرية الاتصالات العامة المختصة مع الخلايا العسكرية la direction des liaisons générales: وكانت مهمة هذا الفرع هو التنسيق مع الخلايا العسكرية لجيش التحرير الوطني عبر الولايات التاريخية .

– مديرية الدعم اللوجستي والتجهيز: كان دور هذه المديرية هو تمويل الولايات التاريخية وتسليح جيش التحرير والإشراف على الجانب اللوجستي والمالي.

 

بوالصوف مدرسة علمت عناصرها كل الفنون

يقول رئيس جمعية قدماء “المالغ”، دحو ولد قابلية، التي تضم ما يقارب 800 منخرط وهو عدد المنتسبين إلى الوزارة سابقا والذين مازالوا على قيد الحياة، إن وزارة التسليح والاتصالات العامة، جمعت في الوزارة ما لم تجمعه وزارات أخرى، حيث كان تضم بين 2000 إلى 2500 عنصر كلهم كانوا مجاهدين في المناطق الداخلية تمت رسكلتهم، بالإضافة إلى الطلبة الذين جاءوا من الخارج وتم تكوينهم قبل الدخول ضمن وزارة التسليح، تم تقسيمهم إلى خمس مديريات.

ويضيف بأن أول مدرسة كانت مدرسة الضباط، تمدرس فيها كل من شريف بلقاسم، قاصدي مرباح، نور الدين يزيد زرهوني وعبد الحميد طمار، وكان مسؤول المدرسة آنذاك لعروسي خليفة، في وقت تكفل بالتدريس كل من بلعيد عبد السلام وعدد من المسؤولين الجزائريين، في جميع التخصصات، كما يخضع الضباط لتكوين عسكري يشرف عليه عبد الله عرباوي، وهو ما كون النواة الأولى للإطارات التي حركت نشاط المخابرات أثناء الثورة التحريرية، هذه الفئة من المجاهدين كانت مكلفة بالميدان العسكري لمعرفة النظام العسكري الفرنسي وإستراتيجيته، وكيفية تطوره ونقاط القوة والضعف لديه، في وقت كانت هيئة المخابرات المضادة تهتم بكل من يسعى للتدخل في شؤون البلاد أو المساس برجال الثورة.

وعن التسليح يضيف ولد قابلية؛ أنّ بوالصوف يعتبر مدرسة علمت عناصره كل الفنون، وسّع إطار العمل وبدأ يستعمل مهربي السلاح وتجار الأسلحة المغاربة والأجانب في الحصول على الأسلحة واعتمد كثيرا على الأجانب، بينهم بوخار الألماني الذي كان يعتبر نفسه جزائريا تجب عليه محاربة الفرنسيين”، وآخرين على غرار محمود الأرجنتيني الذي اختص في تصنيع الأسلحة ورومان الذي تكفل بتهريب اللفيف الأجنبي، بالإضافة إلى استغلال التقنيين الألمان في تكوين الإشارة، هذه الفئة -يقول ولد قابلية- كان التنظيم يثق فيها ولا يتخوف منها، حيث بقوا معهم إلى غاية العام 1962، فضلا عن كثير من الفرنسيين الذين كانوا يدعمون الثورة من أجل بلادهم، لأنّهم كانوا يعتبرون أنّ الاحتلال الفرنسي للجزائر خطأ وجب التخلص منه.