الرئيسية / ملفات / أكاذيب بحجة المزاح قد تؤدي إلى مصائب…سمكة أفريل.. أو عندما يصبح الكذب مستباحا
elmaouid

أكاذيب بحجة المزاح قد تؤدي إلى مصائب…سمكة أفريل.. أو عندما يصبح الكذب مستباحا

  أطل علينا شهر أفريل، الذي يرتبط بما يعرف بسمكة أفريل التي شاعت بين الجميع، حيث يستبيح الكل الكذب فيه من أجل إثارة أعصاب الناس وزرع الرعب فيهم أو ربما البهجة لاستقبال خبر سار سرعان ما يضمحل بعد أن يكشف ممارس اللعبة خيوط كذبة أو سمكة أفريل، وبالفعل يتفاعل الكل مع تلك اللعبة ذات الأصول الغربية المحضة.

تحدثت “الموعد اليومي” مع مجموعة من الشباب، فكانت آراؤهم بين مؤيد ومعارض خاصة إذا ما اتخذت اللعبة منحى سلبيا وأدت إلى كوارث صحية وإغماءات في حال تجاوز الطرف الكاذب لحدوده. قال السيد “سمير” حول هذا الموضوع إن تلك اللعبة تأخذ منحى إيجابيا إذا ما اتخذت جانب الفكاهة واللعب مع الطرف الآخر، لكن أن تصل إلى حد إغماء البعض والتأثير على صحتهم في حال استقبالهم لأخبار فجائية ومحزنة فذلك ما لا يتقبله عاقل، وقال إن الكثيرين ينحازون إلى ذلك المنحى السلبي مما يهدم المغزى الرئيسي من اللعبة التي تمارس من باب التسلية وقتل الروتين، من جهتها ترى الآنسة “إحسان” أنها تتحين شهر أفريل لممارسة طقوس اللعبة على صديقاتها ولإيقاعهن في فخاخ سمكة أفريل ومنهن من تخبرهن بأخبار سعيدة ومنهن من تخبرهن بأخبار تعيسة من باب المزاح وروح التنكيت، لتضيف في نفس السياق أنها لا تجد حرجا في أن تتسلى بتلك اللعبة مع صديقاتها لكن في الحدود المعقولة، خاصة وأنها تستعجل فضح الأمر في حال غضبت إحدى الصديقات من الخبر غير السار الواقع على مسامعها. أما السيدة “جميلة” فقالت إنها تتلقى دوما من صديقاتها تلك اللعبة الطريفة ولا تعدو أن تكون أخبارا سعيدة سرعان ما تتلاشى بعد كشف الخطة من طرف إحداهن فتتأسف كثيرا للأمر الحاصل إلا أنها تنفجر بالضحك مع صديقاتها ويعيشن أجواء سعيدة في ذلك اليوم، وهي ترفض وتعارض بعض من يتخذون من اللعبة سبيلا لإزعاج الناس وإحباط معنوياتهم وحتى التسبب في كوارث صحية.

ومن بين المواقف المحزنة تقول الآنسة “فريدة” إن ابنة خالتها تسببت لأمها بهبوط حاد في نسبة السكر وذلك عندما أخبرتها أن جميع أفراد عائلتها ماتوا في حريق شبّ بمنزلهم، أما “صونيا” فقصت لنا قصة طريفة حدثت لها في العام الماضي عندما كانت تلميذة في السنة النهائية من التعليم الثانوي لما أخبرتها زميلتها أن وزارة التربية أصدرت مرسوما تنفيذيا مفاده إلغاء كل المواد العلمية الصعبة من برامج الفصل الثالث ومنح شهادة البكالوريا حتى للمعدلات ما فوق التسعة “كنت فرحة يومها وقضيت 24 ساعة حتى أنني عبأت هاتفي بـ 200 دينار جزائري واتصلت بجميع زملائي وأخبرتهم بالأمر، وأقسمت على أنها الحقيقة لأن من أخبرني بالتعليمات الجديدة لوزارة التربية هي صديقة مقربة وأمها تعمل بنفس المؤسسة الحكومية إلا أنه في نهاية المطاف تبين بأنها مزحة بمناسبة حلول شهر أفريل، ليتحول بعد ذلك طعم سعادتي وسعادة أصدقائي إلى حزن كبير”.

أما “كريم” الذي تذكر الأيام الأولى من أفريل من عام 2005  قال مبتسما “ذاك اليوم لا أنساه طول حياتي، فقد تحطمت كليا بسبب كذبة أفريل وذلك عندما اتصلت بي خطيبتي وقالت لي إنها ستنفصل عني لأن رجلا آخرا جاءها وهو فرنسي الأصل ومتعلم أكثر مني وبالطبع ستقبل به، حتى وجدت نفسي تائها وحطمت كل ما كان أمامي من أواني منزلية ولم تنف الكذبة حتى اليوم التالي والحقيقة ما زلت غاضبا عليها حتى إلى يومنا هذا”.

 

أول أفريل للتخلص من المواقف الحرجة أيضا

والطريف في كذبة أفريل أنها تساوي بين العظماء والصعاليك وبين الأغنياء والفقراء، فقد حدث أن كان كارول ملك رومانيا يزور أحد متاحف عاصمة بلاده في أول أفريل فسبقه رسام مشهور ورسم على أرضية إحدى قاعات المتحف ورقة مالية أثرية من فئة كبيرة فلما رآها أمر أحد حراسه بالتقاطها، فانحنى الحارس على الأرض يحاول التقاط الورقة المالية الأثرية ولكن عبثا. وفي سنة أخرى رسم الفنان نفسه على أرض ذلك المتحف صورا لسجائر مشتعلة وجلس عن كثب يراقب الزائرين وهم يهرعون لالتقاط السجائر قبل أن تشعل نارها في الأرض الخشبية. وفي رومانيا أيضا وشعبها شغوف جدا بأكاذيب شهر أفريل حدث أن نشرت إحدى الصحف خبرا جاء فيه أن سقف إحدى محطات السكة الحديدية في العاصمة هوى على مئات من المسافرين قتل عشرات وأصاب المئات بإصابات خطرة. وقد سبب هذا الخبر المفزع الذي لم تتحر الصحيفة قبل نشره هرجا وذعرا شديدين وطالب المسؤولون بمحاكمة رئيس تحرير الصحيفة الذي تدارك الموقف بسرعة وبذكاء، فأصدر ملحقا كذب فيه الخبر وقال في تكذيبه كان يجب على المسؤولين قبل أن يطالبوا بمحاكمتي أن يدققوا في قراءة صدور العدد الذي نشر فيه هذا الخبر فقد كان في الأيام الأولى من أفريل.

 

كذبة أفريل والعودة إلى التقويم الروماني

تعددت الروايات التي تروي عن “سمكة أفريل” إلا أن معظمها تتفق أنها ترتبط بالتقويم الروماني، عندما جلس ملك فرنسا شارل التاسع على العرش عام 1560م، الذي كثرت في عهده الإضطرابات والحروب والفوضى في البلاد، وذلك لأن شارل التاسع كان كاذبا. وتاريخ الكذب يشير إلى أن عام 1560 كان معظم الناس غير متفقين على تقويم واحد للسنين والأشهر والأيام. وفي أول أفريل من كل عام كان الغربيون يحتفلون بعيد رأس السنة ويتبادلون الهدايا والتهاني، فما كان من شارل التاسع إلا أن أصدر مرسوماُ ملكياً يقضي بنقل رأس السنة إلى الأول من ديسمبر وكان الذين أيدوا التغيير يرسلون في أول أفريل إلى معارفهم هدايا كاذبة، فيضعون لهم في علب جميلة قطعا من الحلوى الممزوجة بالملح والخل أو يرسلون إليهم رسائل من أشخاص وهميين وكان الهدف هو إغاظة المتمسكين بالتقويم القديم ومن هنا ولدت كذبة أفريل وغزت العالم.

 

الإمام عبد الكريم:”لا يجوز ربط الجد بالهزل عن طريق ربط الكذب بالمزاح”

يرجع رجال الدين أسباب انتشار واستفحال كذبة أفريل في بلادنا إلى الانفتاح على عالم العولمة عبر الفضائيات المختلفة من جهة ونقص الثقافة الدينية من جهة أخرى مما يجعلهم لقمة سائغة لمعظم المؤثرات، مخلفين بذلك عواقب لا يحمد عقباها.

وأجمع رجال الدين على نبذ كذبة أفريل باعتبار أن الفعل يحمل في طياته الكذب الذي قد يتسبب في مصائب ولأن الكذب واحد من الموبقات في الدين الإسلامي وكان الرسول الكريم يصف أشر الناس بالكذّاب وهو الذي أطلق على مسيلمة الذي ادّعى النبوة صفة الكذاب عندما رد عليه كتابيا بعد أن بلغه مرسول مسيلمة يطلب منه الشراكة في النبوة، فكان رد الصادق الأمين حاسما جدا: “باسم الله الرحمان الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب أما بعد، فإن الأرض للّه يرثها من يشاء من عباده المتقين”. وأصبح لقب هذا المرتد مسيلمة الكذاب إلى غاية عهد الخليفة الراشد أبي بكر الصديق الذي حاربه في معركة اليمامة ووضع حدا لكذبه وزندقته، ليخرج بعد ذلك أهل الفتن من مختلف الطوائف يملأون الدنيا كذبا وبهتانا وهم الذين قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: “يكون في آخر الزمن دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباءكم فإيّاكم وإيّاهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم”.

وقد شدد الإمام عبد الكريم من تيزي وزو في اتصال لنا به على الآثار الوخيمة التي يخلفها التقليد للأجنبي في عاداته وتقاليده وأعياده، جراء ما تمليه علينا مختلف الفضائيات، ونقص الوازع الديني أو الثقافة الإسلامية، كما حذر من التجاوزات التي تحدث بسبب خدعة أفريل من الناحية المادية والمعنوية، كالتبليغ مثلا عن وجود حريق أو قنبلة في مكان معين فيثير ذلك تحرك السلطات المعنية ليكتشفوا في آخر المطاف أنها مكيدة وإشاعة ليس لها وجود، وغالبا ما يتجه المواطنون إلى الكذب بغية المزاح والترفيه عن النفس، لذا فإن التربية السليمة والعقيدة الإسلامية كما يقول الإمام عبد الكريم تنصح بعدم ربط الجد بالهزل عن طريق ربط الكذب بالمزاح وهو ما تدعو إليه كذبة أفريل، وبالطبع هذا خلق خطرا تربويا على الأفراد والمجتمع من خلال ما تشيعه من مفاهيم الترويع والتخويف ومن ثم الحقد والكراهية وقسوة القلب وسقوط المهابة وهذه كلها صفات مذمومة تربويا، وغير جائزة شرعا وكان للكاذب عاقبة غير حميدة في الدنيا وفي الآخرة. كما دعا ذات المتحدث إلى تكاثف جهود الجميع للتوعية بخطر الكذب والتحذير من عواقبه الوخيمة على الأفراد والمجتمعات، وعلى كل وسائل الإعلام أن توصل رسالة صادقة وواضحة للأسرة ولجميع قطاعات التربية والتعليم تبين للناس آثار الكذب ومخاطره الآنية والمستقبلية.