الرئيسية / ملفات / أمدوكال… قصور تحكي تاريخها وواحات تبهر أنظار زوارها

أمدوكال… قصور تحكي تاريخها وواحات تبهر أنظار زوارها

 حملت اسمها الأمازيغي الذي يحمل في طياته أسمى معاني الأخوة والصداقة، وبين قصورها وواحاتها تجسدت معاني هذا الاسم، إنها “امدوكال” إحدى أعرق بلديات عاصمة الأوراس باتنة،

و “امدوكال” اسم يعني الصحبة، هي محطتنا اليوم في رحلة استكشافنا لربوع بلادنا .

لا يمكن لنا ونحن في رحلة البحث والكشف عن المناطق السياحية الخفية من الوطن، إلا أن نزور “امدوكال”، تلك المنطقة التي تعيش مواقعها السياحية في صمت، صامدة أمام سكوت سكانها وسبات مسؤوليها، فـ “امدوكال” واحدة من أكثر المناطق الزاخرة بالمعالم التاريخية والتراثية والسياحية كتلك القصور العتيقة المصنفة ضمن المعالم الطبيعية والتراثية.

مدينة تخفي الكثير من الأسرار

“امدوكال” منطقة لا يعرفها البعض إلا أنها المدينة التي أنجبت عثمان عريوات وفضيلة الجزايرية، وكوكبة من علماء الدين كالشيخ حماني وغيرهم، لكن واقعها أكبر من ذلك بكثير، فهي بلدة تخفي الكثير من الأسرار تحتضنها القصور العتيقة للمدينة القديمة لـ “امدوكال”، لتكشف عنها أمام زوارها والراغبين في فهمها.

امدوكال… مدينة الأحباب العريقة

هي منطقة امدوكال العريقة، كانت تسمى في العهد الروماني “أكوا فيفا ” أي الماء الحي، وكانت تربطها طريق أخرى تؤدي إلى موقع روماني يسـمى “ادوا فلمن” يوجد بالقرب من عين التوتة.  تقع بلديتها- والتي يعني اسمها “بالأمازيغية ” الأحباب أو الأصحاب “كما تسمى بالرومانية” أكوا فيفا أي”الماء الحي “- في المنطقة الواقعة في أحضان الأوراس وجنوبي غرب سهل الحضنة في القسم الغربي الجنوبي من ولاية باتنة وتبعد عن العاصمة بـحوالي  380 كلم ، يحدها من الشرق والشمال والغرب الشمالي بلدية بيطام من الجنوب والجنوب الغربي بلدية طولقة (ولاية بسكرة ) وبذلك تعتبر مدينة حدودية لثلاث ولايات هي : باتنة، بسكرة والمسيلة.

بلدية امدوكال ذات مواقع سياحية جميلة حيث تقع بين التل والصحراء، فهي من حواضر الحضنة المترامية وهي في  الوقت نفسه واحة بمنطقة الحضنة، شرق الجزائر.. تبلغ مساحتها 17326 هكتار ، وعدد سكانها يفوق 10آلاف نسمة ، إلا أن أغلب سكانها هاجروا إلى العاصمة واستقروا بها منذ عشرات السنين. كما يطلق على مدينة امدوكال بوابة الصحراء نظرا لوقوعها بين منطقتي الأطلس الصحراوي والتلي.

… والقصور العتيقة حكاية أخرى

لم يبق في القرية القديمة لـ “امدوكال” إلا جدران تحكي حياة قبل أكثر من 50 سنة قبل أن تحل فيضانات بالبلدية في سنة 1969م، والتي خلفت خسائر كبيرة في الأملاك “الامدكاليون” أمام مصاعب الحياة وجور الاستعمار.

وتعتبر القصور من أقدم التجمعات العمرانية المتواجدة منذ حوالي 17 قرنا وتتركز في المنطقة الشرقية للمنطقة، فيها 5 أبوب منها باب النادر والرحبة، الحمرانية، وحوالي 667 مسكن أغلبها مهجورة وأخرى لم يتبق منها إلا جدران من طين مشدودة بجذوع أشجار الزيتون والنخيل تحاول الحفاظ على عراقة القصور وتنتظر التفاتة السلطات لترميمها.

من جبل سيدي مسعود، لوحة طبيعية للقصور والواحات

يقف جبل سيدي مسعود شامخا في استقبال زواره والقادمين إليه سيرا على الأقدام، هو الجبل المطل على واحات صنعت من نخيلها لوحة طبيعية أبهرت سياحها، كما أن “امدوكال”، ولهذا يحرص كل من زارها على التقاط صور تذكارية .

بلدية ضاربة في عمق التاريخ

تعتبر بلدية امدوكال من أقدم القرى والبلديات، وهي بوابة الصحراء ورد ذكرها  في الكثير من الكتب و بالأخص في كتاب “نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار ” للشيخ العلامة والرحالة سيدي الحسين بن محمد الورثيلاني والمعروف كتابه بـ”الرحلة الورتلانية ” الذي زارها وقدم عنها وعن سكانها بعض الخصائص، حيث قال

( ..وصلنا قرية امدوكال ..وقرية امدوكال فيها نخل ولم يكن ببلادنا نخل إلا فيها، وهي قرية كبيرة فيها جمعة وهو مسجد تقام فيه صلاة الجمعة لتجمع فيها المصلين من نواحي كثيرة، وعين كبيرة وعظيمة عند رأس البلد وأهل المنطقة يسمونها رأس العين ..فهذه القرية طيبة وأهلها فيهم الصلاح ومحلهم محل خير وعلم وحكم وفضل).

امدوكال، عمران يمزج الماضي بالحاضر

تعتبر مدينة امدوكال من أعرق المدن تاريخا لاسيما أنها تمتد الى عصر الرومان نظرا للآثار المتبقية من هذه الحضارة في ضواحي المدينة.

وتبين الدراسات أن تاريخ بنائها يعود إلى حوالي 17 قرنا خلت، سكنها العرب منذ فتحهم المغرب العربي لاسيما من بداية القرن الرابع الهجري حيث بدأت تتوالى قوافل قبائل العرب القادمة من المشرق العربي.

ويوجد ببلدية امدوكال – بحسب مصالح الآثار بتيمقاد- ثلاثة مواقع أثرية رومانية على شكل محميات في : جبل مشيب، النعيمية، والثالثة على بعد 800م شمال البلدية. وصنفت بلدية امدوكال وعينت كمركز بلدي بكامل المرافق الإدارية أثناء الفترة الاستعمارية وذلك في سنة 1946م وخلال الاستقلال وبعد فيضانات الأمطار التي حلت بالبلدية في سنة 1969م التي خلفت خسائر كبيرة في الأملاك والبنايات . وبعد الزيارة التاريخية لرئيس الجمهورية آنذاك الراحل” هواري بومدين” رحمه الله إلى عين المكان، وبقرار سياسي من السلطات العليا للبلد أمر بإنشاء القرية الجديدة لبلدية امدوكال المتواجدة كمركز للبلدية الآن. وتنقسم بلدية امدوكال حاليا – من الناحية العمرانية والجغرافية – إلى قسمين هما: القرية الجديدة التي يشهد لها عمران حضري وبنايات جديدة والتي تتوفر على مرافق المدينة من مستشفى ودكاكين وغيرها، والقرية القديمة بطرازها المعماري الإسلامي العتيق ومساجدها وبناياتها الأثرية القديمة التي تتوسط واحتها الجميلة التي تكثر فيها أشجار النخيل .

قلعة الجهاد والثوار

وأنت تدخل إلى متحف المجاهد الموجود في “امدوكال ” تشعر بالاعتزاز والافتخار لأنه أينما ذهبت تجد كل الجزائريين ضحوا بالنفس والنفيس من أجل الوطن، المتحف وما يحويه من صور وثائق تاريخية تشهد كفاح وجهاد الامدوكاليين من بداية الثورة المسلحة الى ما بعد استقلال الوطن، فقد لعبت بلدية امدوكال دورا رياديا أثناء الثورة التحريرية المباركة حيث كانت تنتمي إلى الولاية الأولى التاريخية أوراس النمامشة في بداية الثورة وبعد مؤتمر الصومام أصبحت تنتمي إلى الولاية السادسة التاريخية، كما قدمت بلدية امدوكال عددا كبيرا من الشهداء الأبطال فداء لهذا الوطن رحمه الله جميعا.

ونظرا للدور الكبير الذي لعبته امدوكال أثناء الثورة التحريرية وما سجله مجاهدوها من بطولات وما قدموا من تضحيات، فقد نظم بها أول احتفال وطني بعد توقيف القتال، نظمته قيادة الولاية السادسة التاريخية بقيادة العقيد محمد شعباني رحمه الله وذلك في 13أفريل 1962م احتفاء بعيد النصر ومقدمة تباشير للاستقلال الوطني القادم.

وحول هذا الموضوع وقف المجاهد الهادي احمد درواز احد ابرز مجاهدي المنطقة وقال عن هذا الحفل التاريخي وعن بلدية امدوكال : ” تعد بلدة امدوكال أول بلدة يدخلها جيش التحرير ليشارك الجماهير الشعبية فرحتهم بالنصر ويقطفوا ثمار تضحياتهم والانتصارات التي حققها الشعب الجزائري ضد جيوش البغي والعدوان، فكانت الفرحة عارمة والمدينة مزينة بالأعلام الوطنية وأقواس النصر ، وخرج الشعب عن بكرة أبيه نساء ورجالا، شبانا وشيبا للمشاركة في هذا اليوم الأغر من تاريخ الجزائر المستقلة، وشارك أهل البلدة حشد كبير من المواطنين جاءوا من كل حدب وصوب من الولاية ومن كل أنحاء الوطن لمشاهدة أبنائهم المجاهدين في زيهم العسكري واستعراضهم المنظم والجيد تحت زغاريد النسوة وصيحات الله أكبر وتحيا الجزائر ، ويحيا جيش التحرير الوطني، متبوعا بطلقات الرصاص تعبيرا عن الفرحة والابتهاج . كانت فعلا أياما خالدة في تاريخ الولاية ومنقوشة في ذاكرة شبابها وشيوخها لازالت تذكر إلى الآن ..”

مدينة تصنع التاريخ بمجاهديها وشهداء الاستقلال

لاشك أن استقلال الوطن كان من ورائه أناس ضحوا بأرواحهم حتى تعيش اليوم الجزائر بسلام، وامدوكال أعطت مجاهدين الذين شهدوا الاستقلال وكان لهم دور كبير خلال الثورة التحريرية المباركة نذكر من بينهم على سبيل المثال: المجاهد والرائد عمر صخري أحد قادة الولاية السادسة التاريخية والملازم الأول المجاهد الطاهر عيلان وعروش محمد المدعو الكمباطي الذي سجل التلفزيون عنه شريطا وثائقيا من إعداد الشاعر عمر البرناوي بعنوان “شهيد لم يمت” والملازم الأول محمد شنوفي والملازم خالد جباري . وغيرهم كثير.

مدينة العلم والعلماء

وأنت تتجول في مدينة امدوكال، تسمع الحديث عن علماء المنطقة، هم كثيرون، لهذا يطلق عليها مدينة العلم والعلماء، أما عن علمائها ومثقفيها فإننا نذكر على رأسهم الدكتور أحمد عروة المجاهد والكاتب والمفكر والأديب والطبيب ورئيس جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة الغني عن كل تعريف، والشيخ عبد القادر بن بليوز المدوكالي المتوفي بدمشق عام 1936م والشيخ الإمام حفيظ احمد العضو العامل بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين والشيخ والعالم والمجاهد الشهيد علي دلهوم  خريج جامع الزيتونة المعمور والمتحصل على شهادة التطويع منه، والشيخ حفيظ الزبير المفتي والمدرس والخطيب بجامع حفيظ أحمد ببلكور بالعاصمة، والعالم بقواعد النحو والمدرس بمساجد طولقة ببسكرة الشيخ جباب عبد القادر المدعو : سي قدور، والحافظ لكتاب الله ومدرس القرآن الكريم ومخططه ومصححه بيده الشيخ محمد دحماني المعروف بالطالب بن علية، والمجاهد الخطيب والإمام والمفتي محمد الصغير رزاز والإمام الشيخ صالح حمادي والشيخ الطالب بن العالية، والشيخ صالح بن محمد الزواوي الحسني المغربي المولود في امدوكال الذي اشتغل بالعلوم في القاهرة، كما جاور المدينة المنورة وغيرها والمتوفي في سنة 839هـ.

وعند تعريفه بالمنطقة أشار رئيس جمعية الثقافة والتراث التاريخي لبلدية امدوكال، ذكر أحد أبرز فناني المنطقة، نطق باسمه فابتسم الكل، جميع الجزائريين يعرفونه ولكنهم يجهلون أنه من مدينة امدوكال إنه الممثل المبدع في الفكاهة والدراما بطل فيلم بوعمامة “عثمان عريوات”.

ويذكر أن منطقة امدوكال شهدت العديد من من الأنشطة الوطنية الكبيرة التي نظمت بالبلدية في السنوات الأخير ة على غرار المهرجان الوطني الأول فنتازيا وسياحة في ماي 2003م ، المهرجان الوطني الثاني فنتازيا وسياحة في ماي 2004، الملتقى الوطني الثاني حول حيا ة ومآثر وفكر الدكتور احمد عروة في مارس 2008 م بالإضافة إلى إحياء اول احتفال وطني نظمته قيادة الولاية السادسة التاريخية في 13 افريل 1962 بامدوكال وهذا في 23 أفريل 2009م بحضور عدد كبير من مجاهدي الولاية السادسة التاريخية وبعض المسؤولين والأكاديميين والإعلاميين وغيرهم .

أمدوكال … عادات وتقاليد تضيف خصوصيات للمنطقة

يشتهر أهل المنطقة بمحافظتهم على تقاليدهم وعاداتهم التي وروثها عن أجدادهم، حيث لا يزال سكانها متمسكين بعاداتهم وتقاليدهم، خاصة بالنسبة للمرأة التي مازالت جد محافظة الى يومنا هذا، فهي لازلت ترتدي اللباس التقليدي الخاص بها والمسمى بالملحفة والقندورة ، والمرأة الامدوكالية تتميز بارتدائها للذهب وليس الفضة على عكس المرأة الباتنية الشاوية التي تفضل الفضة، ويرجع السبب في هذا إلى نسبة تعلق المرأة الأمدوكالية بالمرأة القسنطينية والعاصمية، ولأن أغلبية أهل المنطقة انتقلوا للعيش إما بقسنطينة والجزائر العاصمة لتكملة الدروس أو بحثا عن عمل، تواصل السيدة فاطمة حديثها عن المرأة في الماضي وتقول عنها إنها كانت دائما امرأة قوية وكافحت مع الرجل في الثورة، وكانت المجاهدة والشهيدة، الام والرجل في البيت الواحد، تقوم بالفلاحة وتوفر القوت لأولادها بنفسها، واليوم الأمدوكالية خرجت للتعليم ومواصلة الدراسات العليا والعمل لكن في إطار محتشم، فالمرأة الأمدوكالية متحفظة جدا.

وبالنسبة لحفل الزفاف أوضحت السيدة فاطمة أن الأعراس  لا تزال تقام مثل الماضي، المرأة تمشي قدما عند أهل بيتها وترتدي اللباس التقليدي ويقدم الطبق التقليدي والذي يتمثل في الكسكس بالحمص والزبيب دون أن يحتوي على الخضر، الطبق الذي حظينا أن نأكل منه خلال الزيارة بالإضافة الى طبق الشخشوخة الذي نال إعجاب الوفد الصحفي النشيط والمتحمس دائما إلى اكتشاف منطقة أخرى من مناطق الوطن.