الرئيسية / دولي / التدخلات الفرنسية تؤجج الحروب في القارة السمراء…. الجيش الكاميروني يعترض طائرة فرنسية توزع الأسلحة على جماعة “بوكو حرام”
elmaouid

التدخلات الفرنسية تؤجج الحروب في القارة السمراء…. الجيش الكاميروني يعترض طائرة فرنسية توزع الأسلحة على جماعة “بوكو حرام”

كشفت العملية الأخيرة التي قام بها الجيش الكاميروني والتي اعترض فيها طائرة هليكوبتر فرنسية محملة بالأسلحة تعمل على توزيعها على جماعة بوكو حرام، إن التدخلات الفرنسية لا تزال متواصلة في القارة

السمراء خاصة وإفريقيا شكلت على الدوام أهمية إستراتيجية كبيرة بالنسبة للقوى الاستعمارية العظمى لما تملكه القارة من خيرات طبيعية ومواد أولية ولا سيما النفط الذي أصبح العنصر الحيوي المحرك للاقتصاد العالمي، كما تشير بعض التقارير إلى أن فرنسا تدخلت عسكريا في إفريقيا نحو خمسين مرة منذ عام 1960.

 قام الجيش الكاميروني باعتراض طائرة هليكوبتر فرنسية محملة بالأسلحة تعمل على توزيعها على جماعة بوكو حرام. وقال رئيس الحركة الشعبية الجديدة “باندا كاني”: “نقول للمواطنين الكاميرونيين إننا سنتمكن من مكافحة هذا الشكل الجديد من الإرهاب، لا يجب أن نكون خائفين لأننا أقوى من هذا، لذلك فعندما تتعرف على أساليب العدو فأنت الأقوى”.وأضاف “تعرفون أيضا أنه تم اعتقال إرهابيين فرنسيين في مصنع طوب بشمال البلاد يحملان متفجرات، كما تم اعتراض طائرة هليكوبتر على متنها أسلحة ومؤن ودولارات”.

وأكد المتحدث ذاته أن فرنسا سبق وأن قامت بهذه الممارسات في فترة بعد الانتخابات بكوت ديفوار. وأوضح الموقع الإفريقي إلى أن الجيش تمكن من اكتشاف حاوية مليئة بالأسلحة في ساحل دوالا، وقد تم توجيه الاتهامات إلى مسؤولين كامرونيين.

وفي السياق كان لفرنسا عبر التاريخ نشاط استعماري بارز في القارة الإفريقية حيث احتلت عددًا كبيرا من دول إفريقيا. لكن الدور الفرنسي في القارة الإفريقية تقلص أواخر القرن العشرين بعد أن نالت الدول الإفريقية التي كانت تابعة للاستعمار الفرنسي استقلالها وبعد التغيرات التي لحقت بالنظام الدولي مع نهاية الحرب الباردة والتي نتج عنها انفراد الولايات المتحدة بوضعية القوة العظمى والقطب الأوحد في ظل النظام العالمي الجديد. ولكن رغم هذه الظروف لم تتخل فرنسا عن أحلامها الاستعمارية في إفريقيا فقد استمرت بعد مرور أربعين عامًا على استقلال مستعمراتها القديمة في إفريقيا في منحها أهمية خاصة عبر بوابة المساعدة حيث لا تزال فرنسا إلى اليوم بأشكال مختلفة مباشرة أو عن طريق الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي وباقي المنظمات الدولية تمنح لهذه البلدان أكثر من ثلثي مساعدتها المقدرة بأكثر من خمسة مليارات من الدولارات سنويًا. إضافة إلى ذلك هناك 14 دولة إفريقية ملزمة من فرنسا من خلال اتفاق استعماري على وضع 85٪ من احتياطاتها الأجنبية في البنك المركزي الفرنسي تحت سيطرة الوزير الفرنسي للرقابة المالية. وحتى الآن مثلا توغو و13 دولة أخرى ملزمة بدفع ديون فترة الاستعمار الفرنسي لفرنسا. إن هذا يدفعنا باتجاه افتراض أن إفريقيا لم تتحرر بعد من الاستعمار الفرنسي بغض النظر عن شكل هذا الاستعمار.

يذكر أن فرنسا تحاول اليوم العودة إلى إفريقيا تحت راية مكافحة الإرهاب حيث أعلنت  في أواخر عام 2013 عن إعادة تنظيم قواتها العسكرية في الصحراء والساحل الغربي الإفريقي في مؤشر على تغيير في إستراتيجيتها العسكرية في القارة الإفريقية وعلى نحو يتيح تواجدًا إقليميًا أكثر قوة ردًا على تزايد التهديدات المتطرفة في تلك المنطقة وهو ما ظهرت بوادره في مالي وبعدها في إفريقيا الوسطى بعد التدخل العسكري على أراضيها في ظل أزمات سياسية كبيرة تعصف بالبلدين.

ولم تأت هذه الإستراتيجية الفرنسية فجأةً ففي عهد الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك دشنت الخارجية الفرنسية عام 1997 مشروعًا عرف باسم “مشروع إفريقيا” لإعادة تنظيم التواجد العسكري الفرنسي في القارة السمراء بحيث يضم خبراء ومستشارين أكثر مما يضم وحدات عاملة. أما فرنسوا هولاند الرئيس الفرنسي الحالي فقد أرسى تعديلا طفيفًا على مبدأ شيراك وعرف باسمه “مبدأ هولاند” ويقوم على فكرة التدخل الفرنسي المحدود استنادًا إلى تأييد دولي ومحلي بهدف ظاهري وهو الهدف الإنساني وآخر أساسي غير ظاهر وهو تحقيق أهداف فرنسا والحفاظ على مصالحها السياسية والاقتصادية لا سيما في مواجهة نفوذ الدول الكبرى الأخرى خاصة الولايات المتحدة والصين وهو ما يمكن أن ينطبق على حالة جمهورية إفريقيا الوسطى..

يشار أيضا إلى أن فرنسا استغلت حاجة بعض الأنظمة الإفريقية للمساعدات الغربية إضافة إلى خشيتها من تنامي النزاعات المتطرفة بدعم هذا التوجه الجديد في محاربة الإرهاب على الساحة الإفريقية إلا أن المساعي الفرنسية الظاهرية في حفظ الأمن الإفريقي تخفي نوايا جدية لعودة فرنسا إلى إفريقيا.ومقابل حصول الصين خلال حكم الرئيس السابق أمادو توماني توري في عام 2010 على حق التعدين عن اليورانيوم في شمال مالي.

وعليه فإن أحد الأهداف الكبرى للتدخل الفرنسي في مالي ربما يتمثل في قطع الطريق أمام تزايد النفوذ الصيني في إفريقيا. ومن هنا يمكن فهم سياسة هولاند التي تحارب الإرهاب في مالي وليبيا ومناطق أخرى وتدعمه في سوريا أنها تأتي من منطلق المصلحة الفرنسية في إفريقيا ، طبقا لتصريح وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس في 14 جانفي قال  فيه “لقد كانت المصالح الأساسية بالنسبة لنا ولأوروبا ولأفريقيا على المحك، لذلك كان علينا التحرك بسرعة”.

ويشير بعض المراقبين إلى أن شركة أريفا الفرنسية (Areva) ظلت على مدى قرون أربعة ماضية تهيمن على حقوق استغلال اليورانيوم في النيجر إلى أن قامت حكومة النيجر مؤخرا بمنح تراخيص للتنقيب لشركات هندية وصينية وأمريكية وكندية وأسترالية. وانطلاقا من مقولة فرنسوا ميتيران في بداية الخمسينات من القرن الماضي حين كان وزيرا لفرنسا ما وراء البحار في الجمهورية الرابعة “دون إفريقيا لن يكون لفرنسا تاريخ خلال القرن الواحد والعشرين ” يبدو أن الإستراتيجية الفرنسية الجديدة تقوم على صناعة تاريخ فرنسا الاستعماري من جديد.