عميد جامع الجزائر يبرز أهمية الرؤية الجامعة..

دار القرآن مشروع لتكوين باحث يجمع بين عمق التخصص ووحدة الرؤية

دار القرآن مشروع لتكوين باحث يجمع بين عمق التخصص ووحدة الرؤية

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، برزت الدعوة إلى إعادة بناء العلاقة بين مختلف الحقول العلمية، بما يعزز تكاملها في مواجهة التحديات المعاصرة، ويؤسس لرؤية معرفية تجمع بين الأصالة والانفتاح، وتخدم الإنسان والتنمية والحضارة.

قال عميد جامع الجزائر محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ في الملتقى الوطنيّ: “نحو التكامل المعرفيّ بين العلوم الكونيّة والعلوم الشرعيّة” إن الأزمة التي نواجهها لا تعود إلى أنّ المعرفة الإنسانيّة قد ضعفت؛ فهي اليوم أكثر اتّساعا من أيّ وقت مضى وليست لأنّ الإنسان أصبح أقلّ قدرة على الاكتشاف؛ فقد بلغ من التقدّم العلميّ مبلغا لم تعرفه البشريّة من قب لوأضاف بأن المعارف الإنسانية شهدت توسعًا غير مسبوق، غير أن هذا التطور رافقه تراجع في التواصل بين التخصصات العلمية، ما جعل كل مجال ينشغل بقضاياه الخاصة دون القدرة على الإحاطة الشاملة بالتحديات الإنسانية الكبرى. وأشار إلى أن هذا الواقع دفع كبرى الجامعات العالمية خلال العقود الأخيرة إلى تبني البرامج البينية والعابرة للتخصصات، إدراكًا منها بأن قضايا العصر لم تعد تستجيب للمقاربات العلمية المنعزلة. بالمقابل، قال إن الّذي يقرأ تاريخ الحضارة الإسلاميّة قراءة متأنّية، يكتشف أنّ العلماء لم يكونوا يجمعون بين العلوم رغبة في الموسوعيّة، لذاتها، وإنّما لأنّهم كانوا ينطلقون من تصوّر للمعرفة يختلف في أساسه؛ فلقد كانوا يرون أنّ الحقيقة واحدة، وإن تعدّدت طرق الوصول إليها، مضيفا” فالّذي أنزل الوحي هو الذي خلق الكون، والّذي سنَّ الشرائع هو الّذي أودع في الوجود سننه؛ ولذلك لم يكن النّظر في كتاب الله، والنّظر في خلق الله، مسارين متوازيين لا يلتقيان، وإنّما كانا وجهين لعمليّة معرفيّة واحدة، غايتها أن يعرف الإنسان ربّه، ويفهم عالمه، ويحسّن أداء رسالته في الاستخلاف والعمران”. وفي هذا الصدد، أكد محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ ان الّذي ميّز الحضارة الإسلاميّة لم يكن كثرة العلماء الموسوعيّين؛ بل ميّزها وجود فلسفة للمعرفة كانت تجعل التخصّصات المختلفة تتحاور داخل أفقٍ واحد، لا تتنازع فيه، ولا يتوهّم أحدها الاكتفاء بنفسه، والاستغناء عن غيره من التخصّصات. كما أكد أنه من الخطأ أن تفهم دعوتنا إلى التّكامل المعرفيّ على أنّها اعتراض على التخصّص؛ قائلا : “فالتخصّص من أعظم منجزات الجامعة الحديثة؛ وبه تطوّرت العلوم، وبه بلغت الإنسانيّة ما بلغته من الدقّة والإبداع. غير أنّ التخصّص يفقد رسالته، حين يتحوّل إلى عزلة، وحين يكتفي كلّ علم بلغته الخاصّة، حتّى يغيب عنه الإنسان الذي وُجدت العلوم جميعا لخدمته”. كما أكد بأن التحدّيات الكبرى الّتي تواجه عالم اليوم لا تدخل من باب كلّية واحدة، ولا تخرج من مختبر واحد: فالذّكاء الاصطناعيّ، والاقتصاد، والصّحة النفسيّة، والبيئة، والعمارة، والإعلام، والأمن، والأسرة.. كلّها قضايا تتشابك فيها الأبعاد العلميّة والأخلاقيّة والقانونيّة والإنسانيّة؛ ولا يمكن أيّ تخصّص، مهما يبلغ من الدقّة، أن يدّعي امتلاك الحقيقة كاملة. ولهذا، قال إنّ التّكامل الّذي ننشده ليس جمعا شكليّا بين تخصّصات متجاورة؛ وإنّما هو إعادة بناء العلاقة بينها، على أساس أنّ كلَّ علم يضيء جانبا من الحقيقة؛ وأنّ اكتمال الصّورة لا يتحقّق إلا بتكامل الأنظار، لا بتنازعها. وعن مشروع دار القرآن في جامع الجزائر، قال إنه لم يكن التّفكير في إنشاء هذه المؤسّسة قائما على إضافة تخصّصات جديدة إليها، وإنّما كان قائما على إعادة الاعتبار لفكرة كبرى، هي أنّ الجامعة الإسلاميّة ينبغي أن تستعيد وحدتها الفكريّة، دون أن تتخلّى عن التخصّص، وأن تنفتح على مناهج العصر، دون أن تفقد خصوصيّتها ومرجعيّتها. وأضاف “إنّنا لا نريد لدار القرآن أن تُخرِّج فقيها يجهل العالَمَ الذي يُفتي لسكّانه، ولا نريد مهندسا يجهل القيم الّتي ينبغي أن تضبط العمران، ولا اقتصاديّا يفصل الكفاءة عن العدالة، ولا نفسانيّا يغيب عنه البعد الروحيّ في فهم الإنسان؛ بل نريد أن نُسهم في تكوين الباحث الذي يدرك أنّ العلم ليس مجرّد معلومات متفرّقة، وإنّما هو مسؤوليّة؛ وأنّ المعرفة ليست سلطة، وإنّما هي أمانة؛ وأنّ الحضارات لا تنهض بكثرة التخصّصات وحدها، وإنّما بدقّتها وحسن انتظامها، داخل رؤية جامعة”. بالمقابل، دعا ذات المتحدث إلى بناء ثقافة جامعيّة جديدة، تُحسِن الإصغاء إلى منجزات العصر، وتُحسن، في الوقت نفسه، الإنصات إلى ما تختزنه حضارتنا من رؤى قادرة على بناء الحاضر، والإسهام في صناعة المستقبل. وختم بالقول: إن كان العالم اليوم يبحث عن جامعة تتجاوز حدود الأقسام والكليّات، فإنّ من واجبنا أن نُسهم في هذا النّقاش من موقعنا؛ لا بالتقليد، ولا بالانغلاق؛ وإنّما بالاجتهاد، مستلهمين تراثنا، منفتحين على عصرنا، مؤمنين بأنّ الحكمة ضالّة المؤمن، وأنّ الحقيقة لا يملكها علم واحد، وإنّما يتكامل النّاس في طلبها، كما يتكاملون في عمارة الأرض والسّعي.