الرئيسية / الشريعة و الحياة / التوبة ليست كلماتٍ

التوبة ليست كلماتٍ

 

التوبة ليست كلماتٍ تُقَالُ باللسان كما يظنها كثيرٌ من الناس، فهناك طوائفُ من عباد الله تعالى عاشوا على توبة اللسان فقط بالتصريح بأنهم تابوا، ويظنون أنهم قد رستْ بهم مراكبُ الإيمان على سواحل السلامة منذ أزمان، وما أسهلها من توبةٍ! تلك التي قال تائبها بلسانه: “تبتُ إلى الله”، وإذا تابعتَ أفعاله وجدتَها مثل ما كان من سابق الأيام، فهي توبةٌ غير مقرونةٍ بتغيير حالٍ، ورقةِ قلبٍ، وصلاح نفسٍ، وعُلُوِّ همةٍ في الطاعات، إنما هي كلماتٌ قالها وما زال قلبه عاقدَ النيةِ على اجتراح المعاصي، أو التقصير في العمل الصالح، وربما يلوم غيرَه على اقتراف الذنب ويدْعوه للتوبة، قال الله تعالى ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ” التحريم: 8، فما التوبة النصوح؟ ولِمَ سمِّيت بذلك؟. وعن سر التسمية بالنصوح، فقد ذكر الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: “وأصل التوبة النصوح من الخلوص، يقال: هذا عسلٌ ناصحٌ، إذا خلص من الشمع، وقيل: هي مأخوذة من النصاحةِ، وهي الخياطة، وفي أخذها منها وجهان: أحدهما: لأنها توبةٌ قد أحكمت طاعته وأوثقتها، كما يحكم الخياطُ الثوبَ بخياطته ويوثقه، والثاني: لأنها قد جمعتْ بينه وبين أولياء الله وألصقته بهم، كما يجمع الخياط الثوب ويلصق بعضه ببعض”. فالنصوح هنا بمعنى الخلوص من الذنب، وفوق ذلك يَردُّ المظالمَ التي لا يتسبَّبُ ردُّها في فتنةٍ. هذه هي التوبة المنشودة والمرجوة من كل مسلمٍ، ليحقق عين يقين معناها، لا أن يقول في اليوم عشرات المرات: تبت ورجعت إلى الله، وهو لم يقف على شروطها المحكمة، التي تصفها بأنها توبةٌ نصوحٌ، إن هذا لم يتب بعدُ إلى ربه بعمله. إن كل المسلمين مدعوُّون لهذه التوبة، اسمع إلى قوله تعالى ” وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”  النور: 31، جميعًا إلى رضا الله بلا إبطاءٍ سائرون في طريق التوبة، الكبار والصغار، والرجال والنساء، والطائعون والعاصون، إنها دعوةٌ مفروضةٌ على الجميع، حتى الأنبياء المعصومين؛ وذلك لأن التوبة في الإسلام خلقٌ كريم، مع أنها حاجةٌ ماسةٌ، وعلاجٌ ناجعٌ لكل من ألَمَّ بذنبٍ، أو اجترح معصية.