الرئيسية / ملفات / الحوار.. الحلقة المفقودة داخل الأسر الجزائرية
elmaouid

الحوار.. الحلقة المفقودة داخل الأسر الجزائرية

 تؤكد العديد من الأبحاث على وجود أزمة اتصالية داخل الأسرة الجزائرية، وهو ما يرتبط بظهور أزمات نفسية وسلوكات عدوانية داخل الأسرة ومنها إلى المجتمع، خاصة وأن الاتصال تستمر أهميته مدى الحياة.

ويؤكد المختصون في علم النفس أن عجز الأطفال عن التعبير عن شعورهم أهم عنوان لغياب التواصل داخل أسرهم، حيث أن الاتصال هو الركيزة التي تحفظ توازن واستقرار الفرد والأسرة، كما يستحيل قيام الحياة الاجتماعية دون القيام بعمليات الاتصال

والتواصل، وقد أظهرت الدراسات أن الاتصال يبدأ من الحياة الجنينية ويتطور مع تطور الروابط الاجتماعية.

 

الأوامر.. لغة تواصل الأسر الجزائرية

يرجع استعمال العنف داخل الأسرة الجزائرية إلى وجود أزمة اتصالية، حيث تغلب لغة الأوامر لغة الحوار في الحياة اليومية، وهو ما يدل على أن عجز الأطفال في مجتمعنا عن التعبير عن شعورهم على خلاف أطفال في المجتمعات الأخرى يأتي من انعدام الاتصال داخل الأسرة الجزائرية، وهذا العجز يدل بوضوح على استعمال العنف بدل الحوار وعدم القدرة على الإصغاء إلى الآخرين خاصة المختلفين في الرأي، وتعتبر المختصة النفسية نسيمة مسعود أن مصدر هذه الأزمة يكمن في كون الاتصال داخل الأسرة الجزائرية يكمن في احتكار الأب للاتصال وإصدار الأوامر دون نقاش، فضلا عن احتكار وسائل الاعلام والاتصال الحديثة التي تسمح بتلقي الرسالة دون المشاركة.

 

غياب الحوار بوابة المشاكل

وحول هذا الموضوع، أظهرت دراسة ميدانية لمختصين في علم النفس أن اضطراب أنماط الوظائف الاتصالية مسؤول عن وجود المشكلات النفسية عند الطفل، وكشفت الدراسة أيضا أن بعض الأطفال الذين شملتهم الدراسة يعانون من الرسوب المدرسي، فرط الحركة، العدوانية والإضطرابات السيكوسوماتية، كما بينت الدراسة، التي اعتمدت على إجراء ثماني مقابلات مع كل أسرة لمعرفة كيفية الاتصال داخلها، أن الاتصال في ثلاث أسر، يتم عن طريق التشدد والتسلط، مما يسفر عن التمرد لمخالفة المعايير الموجودة. وفي ثلاث أسر أخرى، يعجز الوالدان عن وضع ضوابط تضبط سلوك الطفل بسبب الإفراط في التسامح والحرية الزائدة، فيما يتميز الاتصال في أسرتين أخريين بالخلط والارتباك والفشل.

 

التربية التقليدية تمنح الأب سلطة في إدارة الحوار

تمنح التربية التقليدية للأسرة الجزائرية السلطة للأب في إدارة الحوار داخل الأسرة مهما اختلفت المواضيع، حتى وإن تعلق الموضوع بالحياة الشخصية والقرارات المصيرية لأبنائه.

من جهة أخرى، فحتى وإن تعلق الأمر بالمشاكل التي ترتبط بأبنائهم بمختلف مستوياتهم العمرية كالمراهقين، فإنهم لا يولون لهم الاهتمام الكبير والرعاية الكافية والاستماع إلى انشغالاتهم التي ستصبح مع مرور الوقت مشاكل تضع الأولياء في مأزق كبير، وفي نفس إطار الموضوع، أكدت دراسة ميدانية مختصة في علم النفس، على نقص الاتصال في الأسرة الجزائرية على أساس أن الحوار قليل والعلاقة مع الأبناء غير مبنية على التبادل.

غياب تام للثقافة الاتصالية

ترجع أسباب قلة الحوار حسب معدي الدراسة، إلى غياب ثقافة الاتصال وتأثير التربية التقليدية التي تورث الخجل والتردد، وإلى جانب ذلك، يحول انخفاض المستوى التعليمي دون إدراك بعض الأولياء لأهمية الحوار، وفي نفس الوقت، تسلب وسائل الإعلام جزءا كبيرا من وقت بعض الأولياء وهناك أيضا عوامل أخرى تكرس قلة الإاصال في الوسط الأسري وتتمثل في الضغط المهني، المشاكل الإقتصادية والإجتماعية والصدمات المعيشية مثل الكوارث الطبيعية والأعمال الإرهابية، فهذه الأمور باجتماعها تؤدي إلى زيادة العصبية وعدم تحمل طول الحوار.

التحدث مع الأبناء يقضي على جل المشاكل

أثبتت الدراسات والبحوث التي أجريت في مجال الجماعات، عن أهمية الاتصال وتنشيطه بين مختلف أفراد الجماعة، ومن المعلوم أن أي جماعة من الجماعات لا يمكن أن تقوم بجهد مشترك لتحقيق أهداف مشتركة ما لم يقم بين أفراد الجماعة اتصال فعال وتبادل مثمر للمعلومات والخبرات والآراء

والاتجاهات وغيرها، __وتطبيق ذلك على الأسرة، في حين أن الأسرة التي تنشط فيها الاتصالات بين مختلف أفرادها والتي تتعدد فيها سبل الاتصال عادة ما تكون أسرة متماسكة وسعيدة، وعادة ما تذوب المشكلات داخلها أو تجد الأسرة لهذه المشكلات الحلول المناسبة في الوقت المناسب، ونعني بالاتصالات النشيطة داخل الأسرة، أن يجد كل فرد في الأسرة صغيراً كان أم كبيراً الفرصة للتعبير عن فكره ورأيه وأن يجد من بين أفراد الأسرة من يستمع إلى صعوباته ومشكلاته.

وفي هذا كله، يجب أن يشجع الآباء الأبناء على التعبير عن آرائهم ومعتقداتهم، وأن يضع الآباء في الاعتبار اختلاف زمان الأبناء وظروفهم عن زمانهم هم والظروف التي نشأ فيها هؤلاء الآباء، باعتبارها أخضعت الفرد الذي لديه مشكل معين إلى الحوار وبالتالي إيجاد الحل المناسب في الوقت المناسب قبل أن يتراكم ويخرج عن السيطرة، والتي في كثير من الأحيان أدت إلى تشتيت الأسر وإصابة الأطفال بمختلف الأمراض النفسية.

.. وللأطفال حق في الحوار

عندما تنقطع خطوط الاتصال بين الآباء والأبناء، يكون هذا بداية المشاكل، وتحذر مبادئ التربية الحديثة الآباء من التعامل مع أبنائهم بعقلية الحدود المغلوقة، التي ستخلق هوة نفسية وثقافية، وتحرم حق الأبناء توجيههم والاستماع إلى مشاكلهم ومتاعبهم وحسن الإنصات إلى كل ما يقولونه، ومد جسور الحوار معهم، وهو ما يخلق أرضية مشتركة مع الأبناء للتفاهم والنقاش وتبادل المعلومات في سائر ضروب المعرفة.

 كذلك يبقي الحوار قنوات الاتصال مفتوحة بين جميع أفراد الأسرة مما يؤدي إلى تمتين العلاقة الأسرية من جهة، وإلى تفتح شخصية الأبناء وقدرتهم على التكيف مع المتغيرات المجتمعية من جهة أخرى.