الرئيسية / ملفات / الشباب الجزائري… الكذب والنفاق لتغطية الواقع البسيط
elmaouid

الشباب الجزائري… الكذب والنفاق لتغطية الواقع البسيط

 … أشكالهم جميلة، ملابسهم فاخرة تعجب الناظر إليها، عطورهم فواحة تجذبك على بعد أمتار، يملكون أحدث أنواع الهواتف النقالة وآخر موديلات السيارات، وعندما تسمع كلامهم يخيل إليك أنك أمام أناس بلغوا من العلم، الأخلاق والخبرة في الحياة مبلغ القمة، لكن… وعند الخوض والتعمق معهم في أول نقاش، والاحتكاك بهم عن قرب، تجد أن كل الذي أثار انتباهك ما هو إلا عبارة عن فقاعات ما ابتغوا منها إلا تلميع صورهم بها،

ليذوقوا أنفسهم وبأنفسهم طعم الترف ويظهروا بأفضل مظهر للمجتمع.

 

بين إهمال الجوهر والولع بالمظهر

هم شباب وفتيات عاشقون مولعون بالمظاهر، إلى درجة مرضية، يقدمون الغالي والنفيس، ويبذلون قصار جهدهم، من أجل هدف واحد لا غير، هو تزيين وتقديم صورة لامعة وبراقة عن أنفسهم للآخرين… إلا أن المشكل يكمن في أن هذه الصورة، وفي غالب الأحيان لا تمت لحقيقتهم وواقعهم بأي صلة، لكن المهم بالنسبة إليهم هو أن يحصلوا على مكانة محترمة بين أقرانهم، وأن يوسعوا من دائرة معارفهم وعلاقاتهم.

وإن كان حب الظهور والتميز فطرة في الإنسان، كما أن ديننا يحث على الاهتمام بالنفس، والحرص على حسن المظهر، والعلاقات الطيبة مع الآخرين، لكن كل شيء يزيد عن حده سينقلب لا محالة إلى ضده، خاصة وأن هذا التهافت على مظاهر الترف التي تغزو مجتمعاتنا، ترتكز في الغالب على الشكليات، وتغفل الجوهر الذي يعطي للشخص قيمته الحقيقية، فضلا على أن الحرص على المظاهر من التكلف، وهو الأمر الذي يحمّل هؤلاء الأشخاص ما يفوق طاقتهم.

 

التصنع والتكلف، مظاهر ولا أجمل، طريق إلى الانحراف

 

“…شفتيها واش لابسة… سمعت كيفاش يهدر… هاذيك كافيا… شفتي دارهم… ” وغيرها كثير من الألفاظ والعبارات، التي نسمعها، بالإضافة إلى سلوكيات الهمز، اللمز، الكبر، والتفاخر التي نقف عليها لدى الكثيرين ممن نقابلهم في حياتنا اليومية، والتي تعكس أوضح صور التكلف، التصنع، أو ما يعرف عندنا بـ “الزوخ”، لا سيما وأنها وصلت بالبعض إلى حد الغرق في الديون، بيع الممتلكات الخاصة، وحتى سلك طريق الانحراف، مثل بيع المخدرات، وذلك لتسهيل الكسب السريع، وتوفير كل ما يحتاجونه لصنع تلك الهالة من الشكليات حولهم، تقليدا لغيرهم، دون أن ننسى الحديث باللغات الأجنبية، كونه يمثل أحد أهم معايير التحضر، الرقي، و”الفهامة” حسبهم، وفي مجتمعنا الجزائري تجاوز أصحاب المظاهر والشكليات الحديث باللغة الفرنسية، وأصبحت الإنجليزية أقوى حضورا في قواميسهم، في حين يعمد البعض إلى الحديث بالتركية، كونها تتماشى أكثر مع الموضة.

 

شباب ضائع في التفرقة بين صور الناس الحقيقية والصور الزائفة

ولأن هذه الظاهرة متفشية بشكل كبير بين فئة الشباب، الذي تمثل الجامعة أحد أهم أماكن تواجد مختلف شرائحه، كان لـ “الموعد اليومي” حديث مع مجموعة من الطلبة الجامعيين لاستطلاع آرائهم حول الموضوع، ومن طرائف ما سمعناه منهم، عبارة لأحد الطلبة، لخص فيها واقعهم اليومي بقوله “نحن نتعامل في حياتنا اليومية مع العديد من الناس والوجوه، وجميعهم يبدون في أحسن صورة، لكن هناك من تكون هذه الصورة الجميلة صورته الحقيقية، وهناك من يقدم “فوتوشوب”، والمشكل يكمن في صعوبة التفريق بين الصورتين”.

من جهتها، اعتبرت الطالبة “نجوى” أن السبب الرئيسي الكامن وراء انعدام الثقة بين أفراد المجتمع، في وقتنا الراهن، هو الانتشار الرهيب للمظاهر الزائفة، وتضيف أنه “لم يعد من السهل معرفة الصادق من الكاذب، ولا الغني من الفقير، لأن الجميع يظهرون بمظهر واحد، وينطقون بلسان واحد، للإيحاء بأنهم أبناء طبقة اجتماعية راقية، متناسين أن الرقي هو رقي الفكر والأخلاق”.

في حين أن الطالب “كريم” طرح في حديثه وجهة نظر أخرى، فهو يعتبر أن المظاهر الزائفة لا تقتصر على السيارة والألبسة، وغيرها من الأمور المادية بل تطال أيضا الجانب السلوكي للفرد، الذي يظهر من خلال كلامه وتصرفاته، بشخصية وطريقة تفكير تختلف تماما عن شخصيته وطريقة تفكيره، وتعقب “نسرين” أن البعض الآخر من أصحاب المظاهر الخادعة الذين تعاملت معهم في حياتها، كانوا يتظاهرون بأنهم في وضع سيء، وأنهم في حاجة إلى المساعدة، وتضيف أنهم وبعد أن يستفيدوا من خدماتك، أو مساعدتك المادية، يختفون لتكتشف أنهم خدعوك واستغلوك.

 

علماء الاجتماع: ثلاثية “الشعور بالنقص، قلة الثقة وعدم الرضا” وراء تفشي الظاهرة

يربط المختصون الاجتماعيون هذه الظاهرة بعوامل نفسية تتمثل أساسا في قلة الثقة بالنفس والشعور بالنقص وكذلك عدم الرضا بالحال ومحاولة تطويره فعليا لا تنميقه، وهي الأمور التي تدفع بالشخص إلى البحث عن أي شيء يعتقد أنه يعوض عليه ذلك النقص، ويلفت الأنظار إليه، ويظهره لدى الآخرين في صورة مثالية، كاملة ومتكاملة، وذلك من خلال ارتداء أغلى الألبسة، واقتناء أفخم السيارات، وأحدث الهواتف، وتصنّع أساليب الحديث والتعامل المتحضر، وادعاء الثقافة، وغيرها، رغم أن حقيقة وجوهر هؤلاء الأشخاص مغايرة لما يظهرونه.

من جهة أخرى، حذر علماء الاجتماع من تبعات هذه الظاهرة، وما قد تخلقه من ظواهر الانحراف الأخرى، لأن الأشخاص المهووسين بالمظاهر قد يسلكون أي طريق ودون التفكير في العواقب، من أجل توفير ما يعتقدون أنه سيصنع لهم مكانتهم بين الناس.

وأرجعوا في ذلك سبب تفشي الظاهرة إلى “البعد عن قيمنا الدينية، التي تحث على التوازن في تلبية احتياجات الفرد، بين احتياجات نفسه، جسمه، عقله، وروحه، كما تزرع فينا قيما مثل القناعة، وعدم تكليف أنفسنا أو غيرنا ما لا طاقة به، ومن جانب آخر يشدد ديننا الحنيف على أهمية أن تكون علاقاتنا الاجتماعية مبنية على التآخي، التعاون، التواضع، والإيثار، وليس الكبر، التفاخر، والخداع”.

وحسب المختصين، فإن لأنماط الحياة العصرية، دخل أيضا في بعض جوانب المشكل، فتنامي السلوك الاستهلاكي يجعل غالبية الناس، يركضون بشكل دائم وراء كل جديد يطرح في الأسواق، كما أن وظائف بعض الأشخاص ومناصبهم تفرض عليهم الالتزام بنمط لباس وتعامل معين، قد يبدو للآخرين متكلفا، ما يعني أن تلك المظاهر لا تكون خادعة في كل الحالات.