أنوار من جامع الجزائر

الشباب وأَمَانَةَ التَّحْرِيرِ – الجزء الثاني والأخير-

الشباب وأَمَانَةَ التَّحْرِيرِ – الجزء الثاني والأخير-

مَعْشَرَ الشَّبَابِ: إِنَّ مَقْصَدَ التَّارِيخِ فِي الْقُرْآنِ يَقُومُ عَلَى التَّبَصُّرِ فِي مِيثَاقِ الِاسْتِخْلَافِ. يَقُولُ الْحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 14]. إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمِرْآةٌ يَنْظُرُ فِيهَا كُلُّ جِيلٍ؛ فَلَقَدْ كَانَ الْأَجْدَادُ خُلَفَاءَ حِينَمَا حَمَلُوا أَمَانَةَ التَّحْرِيرِ فَأَدَّوْهَا بِحَقِّهَا، وَهَا نَحْنُ الْيَوْمَ خُلَفَاءُ فِي أَمَانَةِ التَّعْمِيرِ، وَاللَّهُ يَنْظُرُ فِي أَعْمَالِنَا. مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: اعْلَمُوا أَنَّ شُكْرَ النِّعْمَةِ عَمَلِيًّا يَكُونُ بِثَلَاثٍ: أَوَّلُهَا: حِفْظُ كِيَانِ الْأُمَّةِ، بِأَنْ نَكُونَ لُحْمَةً وَاحِدَةً، نَصُونُ دِمَاءَ بَعْضِنَا، وَنَحْمِي وَحْدَةَ صَفِّنَا، فَلَا نَخُونُ أَمَانَةَ مَنْ وَحَّدُوا هَذِهِ الْأَرْضَ بِدِمَائِهِمْ. وَثَانِيهَا: صِيَانَةُ عُمْرَانِ الْبِلَادِ، بِأَنْ يَقُومَ كُلٌّ بِدَوْرِهِ بِإِتْقَانٍ؛ فَالطَّالِبُ وَفِيٌّ بِتَحْصِيلِ عِلْمِهِ، وَالْعَامِلُ وَفِيٌّ بِإِخْلَاصِهِ فِي صَنْعَتِهِ. وَثَالِثُهَا: تَوْرِيثُ الرِّسَالَةِ، بِأَنْ نَغْرِسَ فِي نُفُوسِ أَبْنَائِنَا أَنَّ هَذَا الْوَطَنَ أَمَانَةٌ تُؤَدَّى، لَا غَنِيمَةٌ تُقْتَسَمُ. معاشر الشَّبَابِ: هَذِهِ وَصَايَا مِن وحْيِ الذكْرى ودُروسِ التاريخِ فاحْفَظُوهَا:
أَوَّلًا – وَصِيَّةُ الْعِلْمِ: إِنَّ الْجَهْلَ وَالتَّبَعِيَّةَ الْفِكْرِيَّةَ هُمَا الْوَجْهُ الْآخَرُ لِلِاسْتِدمَارِ؛ فَلَا يَصِحُّ لِمَنْ وَرِثَ هَذِهِ التَّرِكَةَ الْجَلِيلَةَ أَنْ يَرْضَى بِالدُّونِ فِي مَيَادِينِ الْمَعْرِفَةِ. إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9]. فَاجْعَلُوا مِنْ دِرَاسَتِكُمْ وَتَمَكُّنِكُمْ مِنْ عُلُومِ الْعَصْرِ وَمَعَارِفِهِ مَعْرَكَةَ تَحْرِيرٍ جَدِيدَةً؛ لِتَكُونَ أُمَّتُكُمْ نِدًّا لِلْأُمَمِ فِي الِابْتِكَارِ وَالْإِنْتَاجِ.
ثَانِيًا – وَصِيَّةُ الْأَخْلَاقِ: إِنَّ ثَوْرَةَ نُوفَمْبِرَ مَا انْتَصَرَتْ إِلَّا بِالنَّزَاهَةِ وَالْعِفَّةِ وَنُكْرَانِ الذَّاتِ. وَإِنَّ أَكْبَرَ خِيَانَةٍ لِدَمِ الشُّهَدَاءِ هِيَ فَسَادُ الْأَخْلَاقِ وَالذِّمَمِ، أَوِ التَّوَاكُلُ، وَاسْتِبَاحَةُ الْأَمَانَاتِ.وصدق الشاعر العربي حين قال: إنّما الأمم الأخلاق مابقيت… فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
ثَالِثًا – وَصِيَّةُ الرُّوحِ وَالِانْتِمَاءِ: إِنَّ بَقَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَرْهُونٌ بِتَعَلُّقِ أَبْنَائِهَا بِقِيَمِ الْحَقِّ وَالدِّينِ. فَلَا تَسْتَلِبْ عُقُولَكُمْ رِيَاحُ التَّغْرِيبِ، وَكُونُوا مَنَارَةَ الْوَعْيِ، وَبُوصَلَةَ الْأَخْلَاقِ، وَاجْعَلُوا انْتِمَاءَكُمْ لِهَذِهِ الْأَرْضِ عَقِيدَةً وَسُلُوكًا.
اللَّهُمَّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، يَا مَنْ بِيَدِكَ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، نَسْأَلُكَ فِي هَذَا الْمَقَامِ الْمُبَارَكِ أَنْ تَتَغَمَّدَ شُهَدَاءَنَا بِوَاسِعِ رَحْمَتِكَ، وَأَنْ تَرْفَعَ دَرَجَاتِهِمْ فِي عِلِّيِّينَ، وَأَنْ تُجْزِيَ الْمُجَاهِدِينَ الْأَبْرَارَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْوَطَنِ خَيْرَ الْجَزَاءِ.اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا، سَخَاءً رَخَاءً، وَاحْفَظْ عَلَيْنَا وَحْدَتَنَا الَّتِي بِهَا عِزُّنا، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ الْمُخْلِصِينَ الْعَامِلِينَ لِخِدْمَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَوَفِّقْ وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَاجْعَلْهُمْ قُوَّةً لِلْحَقِّ وَعَوْنًا لِلْمَظْلُومِ. اللَّهُمَّ كُنْ لِإِخْوَانِنَا فِي فِلَسْطِينَ، اللَّهُمَّ انْصُرْهُمْ بِنَصْرِكَ الْمُؤَزَّرِ كَمَا صَبَرُوا عَلَى بَلَائِكَ، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَارْبِطْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَاجْعَلْ صَبْرَهُمُ السَّابِقَ فَرَجًا قَرِيبًا وَنَصْرًا عَزِيزًا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر