الرئيسية / ملفات / الشعب الصحراوي: “ما أُخذ بالقوة يُسترجع بمثلها وأحسن مثال الثورة الجزائرية”…الجزائر استضافتنا بأراضيها ووفرت لنا كل ما يلزم حتى المواد الغذائية وغيرها

الشعب الصحراوي: “ما أُخذ بالقوة يُسترجع بمثلها وأحسن مثال الثورة الجزائرية”…الجزائر استضافتنا بأراضيها ووفرت لنا كل ما يلزم حتى المواد الغذائية وغيرها

على بعد مئات الكيلومترات من ولاية تندوف الجزائرية تقع مخيمات اللاجئين الصحراويين، المعروفة بحرارتها الشديدة صيفا، وبرودتها القارسة شتاء، هناك يعيش أكثر من 220 ألف لاجئ صحراوي هروبا من بطش المستعمر المغربي وانتهاكاته التي تطال الصحراويين، وتحمل هذه المخيمات أسماء لمدن تقع في الأراضي الصحراوية تنقسم في مجملها إلى 4 ولايات هي العيون، أوسرد، السمارة، الداخلة… ، وجهتنا كانت صوب ولاية الداخلة جنوب شرق تندوف لتغطية المؤتمر الإستثنائي  لجبهة

 

“البوليساريو” الذي خَلص بانتخاب ابراهيم غالي أمينا عاما للجبهة ورئيسا للجمهورية الصحراوية الغربية، لكن لم نود تفويت فرصة تواجدنا هناك إلا وننقل كل كبيرة وصغيرة عن يوميات الشعب الصحراوي، معاناتاهم وعاداتهم وتقاليدهم.

 

الانطلاقة من مطار هواري بومدين باتجاه تندوف

بعد أن اجتمعت جميع الوفود المقرر أن تشد الرحال بتتجاه مخيمات اللاجئين الصحراويين بالقاعة الشرفية لمطار هواري بومدين، التي أصبحت بمثابة “حمام” نظرا للعدد الهائل للوفود الماكثة في القاعة، والقادمة من كل ربوع العالم التي أبت مقاسمة الشعب الصحراوي اختيار رئيسهم الجديد، كانت الساعة تشير إلى تمام الخامسة والنصف مساء، موعد ركوب الطائرة، لتتقدم الوفود الرسمية أولا، المكونة من الوزراء ورؤساء الأحزاب والصحفيين وتليها الوفود غير الرسمية، لتنطلق بعدها الطائرة باتجاه مطار تندوف الداخلي في حدود الساعة السادسة إلا ربع.

                               

سيارات رباعية الدفع في انتظار الوفود والوجهة ولاية الداخلة

بعد حوالي ساعتين من السفر، حطت طائرة الخطوط الجوية الجزائرية بمطار تندوف في ظروف حسنة، والملاحظ هناك أنه بمجرد فتح أبواب الطائرة تسرب هواء حار ليس كالذي اعتدناه في الشمال، وبعد نزولنا من الطائرة ومكوثنا بقاعة الانتظار لبضع ساعات، نقلتنا حافلات وسيارات رباعية الدفع تابعة لجبهة “البوليساريو” ليلا إلى مخيم اللاجئين الصحراويين بولاية الداخلة.

 

الوصول وسط استقبال حار والظلام الدامس يسود المخيم

4 ساعات تقريبا قضيناها في السير من تندوف إلى مخيم الداخلة حتى وصلنا المكان المنشود، الذي انتظره البعض بلهفة قصد اكتشاف مخيمات اللاجئين لأول مرة في حياته وكيفية العيش هناك، استقبلتنا العائلات الصحراوية كالأبطال والبسمة بارزة على وجوههم، رغم الظروف الصعبة التي يعيشونها… “مرحبا بأشقائنا من الجزائر، مرحبا بأحفاد مليون ونصف مليون شهيد، مرحبا بمن دافع عن القضية الصحراوية وما يزال، مرحبا بكل الوفود”، لنتبادل بعدها أطراف الحديث مع أشقائنا الصحراويين، كانت الساعة تشير إلى الثانية فجرا، وأول ما شدّ انتباهنا هو عدم توفر الإنارة في المخيم بالرغم من توفر الكهرباء، وبعد استفسارنا أكد لنا أحد الصحراويين أن المشكل يعود لتباطؤ عملية ربط المخيم بأعمدة الإنارة.

 

عائلات صحراوية تفتح لنا خيمها وبيوتها كفنادق لتفترش هي العراء

تساءلت أين سنقضي أيامنا هناك، هل في الفندق؟ أو إقامة مخصصة للضيوف؟ أم خيم معدة للزائرين والأجانب؟ لكن الواقع لم يثبت لا هذا ولا ذاك، حيث تم توجيه كل مجموعة منا مكونة من 5 إلى 6 أفراد للإقامة لدى عائلة صحراوية… “أنقية مبارك موسى” هو اسم العائلة التي نقيم لديها مدة مكوثنا بولاية الداخلة، لتقترب منا ربة العائلة، وتقودنا صوب بيتها الذي يبعد حوالي 150 متر عن مكان الاستقبال، لتبدأ رحلة أخرى لكن هذه المرة على الأقدام، ولم نجد أضواء تنير لنا الطريق سوى أضواء هواتفنا النقالة، حتى وصلنا إلى المكان المنشود، لنجد أفراد العائلة مرحبين بنا “أنتم في منزلكم، اطلبوا ما تريدون، نحن في خدمتكم… “دخلنا البيت المبني من الطوب والمكون من غرفتين ومطبخ والمزود بالكهرباء والمبرد، لتتكفل بعدها ربة البيت بكل متطلباتنا من طعام وأفرشة، لنخلد بعدها للنوم، لكن المفاجأة هو ترك كل أفراد العائلة للبيت تحت تصرفنا، ليفترشو العراء.

بزوغ الفجر يبرز المأساة التي عاشها الصحراويون في أكتوبر الماضي

بما أننا وصلنا المخيم ليلا ونظرا لعدم توفر الإنارة، لم نستطع معرفة ما يدور حولنا داخل المخيم… استيقظنا مباشرة مع بزوغ الفجر، لنكتشف حقيقة ما خلفته الأمطار التي تساقطت لمدة تزيد عن 10 أيام على مخيمات اللاجئين في الخامس عشر أكتوبر من سنة 2015 والتي جعلت من السكنات المبنية من الطوب أنقاضا وركاما، فالبعض منها مهدم كليا والأخرى جزئيا، وتوفر الخيم أكثر من السكنات الطوبية في المخيم يؤكد أن المنطقة منكوبة تماما بالرغم من تواجد بعض السكنات الطوبية التي تم إعادة إعمارها، سألت أحد سكان المخيم المدعو “محمد” أب لـ 4 أطفال كيف عاش اللاجئون الصحراويون تلك الأيام العسيرة التي تضاف إلى سلسلة معاناتهم، حيث أكد هذا الأخير بحسرة أنهم عاشوا مأساة حقيقية، ولم يسبق أن واجهوا كارثة طبيعية بهذا الحجم، غير أنه أكد لنا عدم وقوع قتلى جراء انهيار الأكواخ الطوبية، كاشفا أن كل عائلة تملك كوخا طوبيا وخيمة، لذلك لجأ الصحراويون إلى الخيم، ما أنقذ حياة الكثير منهم.

وخلال إقامتنا هناك يتضح جليا أنه يتم حاليا إعادة إعمار ما دمرته السيول نظرا لحبات الطوب المبعثرة من هنا وهناك، سألت “محمد” لماذا لا تعتمدون في تشييد بناءاتكم على البيوت الإسمنتية المتينة التي تقيكم من الأمطار؟، ليرد أن أسعار مواد البناء هي السبب الوحيد، خاصة وأن جل اللاجئين فقراء، فكيف يستطيعون بناء بيت من الإسمنت يكلفهم الملايين؟

وكشف لنا محدثنا أن بيوتهم مصنوعة من الطين “الطوب” تغطيها صفائح معدنية مصنوعة من مادة الزنك الذي يزيد من الحرارة داخل البيوت، وما يميزها عن باقي البيوت تواجد نوافذ صغيرة أسفل الجهات الأربع للجدران عكس ما هو معروف لدى أهل الشمال، وأكد لنا “محمد” أن هذه الطريقة تسمح بتهوية البيت بشكل كثيف.

 

فترة الظهيرة لا صوت يعلو فيه فوق “نهيق الحمير” و”صياح الديك”

بعد تجولنا في مخيم الداخلة صباحا لبضع ساعات، عدنا إلى مكان إقامتنا لتناول الغذاء، وبعد أن أخذنا قسطا من الراحة، كانت الساعة تشير إلى الثانية زوالا، والحرارة تفوق الـ 55 درجة، قررنا مغادرة البيت، لنتفاجأ بخلاء المخيم من البشر تماما، انتابنا شعور وكأننا لوحدنا في هذا المخيم، فالمكان هناك هادئ لا صوت فيه يعلو عن نهيق الحمير وصياح الديك، وهي الحيوانات التي يربيها الصحراويون إضافة إلى الماعز.

وكشف الشاب “أمين” صاحب 19 سنة الذي التقيته صدفة كان يزود الحيوانات بالماء الشروب، عن سبب خلاء المكان، حيث أوضح أن الصحراويين لهم أوقات محددة للنوم والأكل والسهر، فمثلا  -يضيف أمين – من الساعة الواحدة زوالا إلى غاية الخامسة مساء لا يمكث أحد خارج الخيم أو البيت نظرا للحرارة الشديدة والأعراض التي قد تسببها، وينام الصحراويون في حدود الساعة العاشرة ليلا وتستطيع أن تمتد إلى منتصف الليل خاصة إذا اجتمع الصحراويون على أكواب الشاي المعد على الجمر في حين وقت الاستيقاظ من النوم يكون مع بزوغ الفجر.

 

هكذا تجلب العائلات المؤونة الخاصة بها

للجمهورية الصحراوية منظمة هلال أحمر داخل مخيمات اللاجئين الصحراويين، وتمتلك المنظمة جميع المعلومات الوافية والكافية عن العائلات القابعة بالمخيمات وعدد أفرادها حتى يتسنى لها أخذ المؤونة من زيت وسكر وقهوة وأرز وغيرها من البقول واللوازم اليومية للطهي وحتى قارورات الغاز تقدم مجانا للعائلات القاطنة بالمخيم، وعندما يأتي الموعد عند آخر كل شهر يتجمع المواطنون أمام المؤسسة، وقال أحد العاملين بمنظمة الهلال الأحمر “أنتم تعلمون جيدا أن الشعب الصحراوي الساكن بالمخيمات يستمد قوته اليومية من خلال ما تجود به المنظمات الأجنبية والدول الداعمة وأكثرها بلد الجزائر الذي استضافنا بأراضيه ووفر لنا كل ما يلزم حتى المواد الغذائية وغيرها.

 

الشعب الصحراوي “محافظ” والمرأة رمز الصمود وقوام التحدي

لا يختلف معك من زار مخيمات اللاجئين الصحراويين، أن المرأة الصحراوية تعد ركيزة البيت واللبنة الأساس فيه ولها دور كبير في المجتمع، لا تكل ولا تمل من العمل الذي لم يقتصر على أشغال المنزل وتربية الناشئة فقط، بل هي من توفر حاجيات المنزل وهي من تسهر على إطعام الحيوانات ومن تملء الماء في القارورات من البئر وهي من تستقبل الضيوف في غياب الرجل الذي يغيب في الكثير من الأحيان نظرا لارتباطه مع الجيش الصحراوي أو الشرطة لحفظ الأمن على حدود المخيمات، كل هذا دون استغناء المرأة الصحراوية عن الدين ولباس العفة والحياء، فهي حريصة على تأدية صلاتها في الوقت المحدد، كما يرى الزائر إلى المخيمات أن السمة الغالبة في أهله هو الطابع المحافظ، فهم أهل حياء، إلى جانب طبعهم الاجتماعي والتواضع والجود

والكرم الذي يفيض من أغلبهم.

 

 

“مريفيسة” و”مارو واللحم”… الأطباق الرئيسية التي تتفنّن المرأة الصحراوية في تحضيرها

لم تترك ربة بيت عائلة “أنقية مبارك موسى” مطبخها المتواضع إلا و قدمت لنا أشهى وألذ الأطباق الرئيسية المعروفة لدى الشعب الصحراوي، وكانت تتكفل بكل متطلباتنا، من طعام وشراب، وكذلك إعداد الشاي على الجمر، ومن أشكال كرم اللاجئين الصحراويين أنهم يحرصون على أن يقدموا لضيوفهم أفضل ما لديهم من طعام وأشهى المأكولات، حتى تحسبهم أغنياء…. “مريفيسة” هي أحد الأطباق التي قدمتها لنا ربة البيت، وقالت معدة الأكلة إن طريقة تحضيرها تتسم ببساطتها لتوفر مكوناتها داخل كل بيت صحراوي، وتتكون من خبز الفطير الذي يتم تفتيته لقطع صغيرة، ثم يسقى بمرق لحم الإبل الذي يحتفظ به بعد إعداد أطباق رئيسية مكونة من لحم الإبل.

وكشفت لنا محدثتنا عن الأطباق الرئيسية أو “فطور العيالات” كما يصطلح عليه أهل الجنوب، فبالإضافة إلى “مريفيسة” توجد أكلة “مارو واللحم” التي يتم إعدادها من خلال وضع لحم الإبل داخل قدر خاص مع قليل من الزيت والملح والماء، بعد أن ينضج اللحم ينزع من القدر ويوضع الأرز ليطبخ في مرق لحم الإبل ليتشرب نكهته المميزة.

 

العطلة في إسبانيا أنست الطفل “عبد الرحمان” معاناته في المخيمات

“عبد الرحمان” هو الإبن الأصغر للعائلة التي استقبلتنا في منزلها، يدرس سنة خامسة إبتدائي، متفوق في دراسته ويحلم أن يكون طبيبا في المستقبل، كما يجيد اللغة الإسبانية بطلاقة، ونحن نتبادل أطراف الحديث أكد لي أنه مواظب على أداء صلاته في وقتها، سألته كيف يقضي عطلته في المخيم بما أنهم في عطلة، ليرد “لا عطلة هنا بالمخيم، لا يوجد أي شيئ أقوم به، سوى الذهاب لشراء بعض المستلزمات لعائلتي، أو ملء المياه من البئر، أو إطعام الحيوانات في بعض الأحيان لكن أنتظر بشغف الذهاب لإسبانيا لأقضي عطلتي هناك” لأسأله مجددا: كيف يمكنك الذهاب إلى إسبانيا ومن يتحمل مصاريف نقلك؟ ليرد هو الآخر “قضيت 5 عطل صيفية بإسبانيا وأتمنى أن تكون هذه المرة السادسة”، موضحا لي أن “هناك برنامج ترعاه الحكومة الصحراوية، بالتنسيق مع منظمات إسبانية، من أجل استقبال العائلات الإسبانية للتلاميذ الصحراويين خلال العطلة الصيفية، وتتكفل كل عائلة إسبانية بتكاليف النقل والإقامة لكل طفل صحراوي”. وعن الوضع الحالي الذي تعرفه القضية الصحراوية يتفاءل “عبد الرحمان” بأن الفرج قريب، مؤكدا أن “الاحتلال زائل لا محالة ولا بديل لنا سوى تحرير الوطن لننعم بالسلام والحياة الكريمة”.

 

الإسبانية اللغة الأجنبية الأولى المتداولة بين الصحراويين

خلال إقامتنا بمخيمات اللاجئين وجدنا أن اللغة الإسبانية هي اللغة الأجنبية الأولى المتداولة بين الصحراويين، تليها اللغة الإنجليزية، لكنك لا تكاد تجد بينهم من يعرف اللغة الفرنسية، أما اللغة الرسمية فهي العربية، لكن اللهجة الحسانية هي الأكثر تداولا بين الصحراويين، وهي لهجة محلية منتشرة أيضا في موريتانيا، وتعتبر خليطا بين كلمات ذات أصول عربية وكلمات إسبانية وأخرى أمازيغية على حد قول بعض الصحراويين، ولكن أزيد من 70 % من كلمات الحسانية ذات أصول عربية.

 

 

“ستبزغ شمس الحرية على ربوع الصحراء الغربية عاجلا أم أجلا”

خلال إقامتنا بمخيمات اللاجئين الصحراويين لمدة 3 أيام، تبادلت “الموعد اليومي” أطراف الحديث مع جميع الفئات العمرية المستقرة هناك، أطفال شباب وشيوخ، نساء وبنات، واتضح لنا أن الشعب الصحراوي متحمس للعودة لأراضيه التي حرموا منها

ومن خياراتها بسبب الاحتلال المغربي، بل أكثر من ذلك، فإن أغلب الصحراويين مؤمنون أن الفرج والاستقلال سيأتيهم في القريب العاجل، للتمتع بالحرية على غرار شعوب العالم، يقول أحدهم “نحن مستعدون لدفع الغالي والنفيس وأرواحنا فداء للوطن”، وقال آخر “أنا من الطلبة الصحراويين الذين درسوا في الخارج وقد تعلمنا كثيرا من تجارب الدول والثورات الأخرى كالثورة الجزائرية العظيمة التي طبقت مقولة ما أخذ بالقوة لا يسترجع إلا بالقوة”، فالكثير منهم يرى أن الكفاح خير وسيلة لاسترجاع حقهم المسلوب، وحتى حكومة الصحراء الغربية مستعدة لذلك إذا لم تنفع الطرق السلمية مع المغرب، وهي الرسالة التي وجهها الأمين العام الجديد لجبهة البوليساريو إبراهيم غالي الذي صرح خلال انتخابه أمينا عاما للبوليساريو أن “الصحراء الغربية مستعدة للتعاون مع المغرب لاستغلال فرص الحل، وإن لم تكن، فإما نعيش أحرارا أو شهداء مع قوافل الأبرار”، و هو يوضح عزم الصحراء الغربية على افتكاك استقلالها بكل الأساليب للعيش الكريم دون استبداد أو انتهاك.