الرئيسية / ثقافي / الشيخ دحمان بن عاشور.. عملاق الطرب الأندلسي
elmaouid

الشيخ دحمان بن عاشور.. عملاق الطرب الأندلسي

يتغاضى الجزائريون عن الكثير من الأسماء العظيمة لعمالقة الطرب الأندلسي، فأغلب الناس تقتصر معرفتهم على أسماء مغنين حاليين، في حين أنهم لا يعرفون من شكلوا مدارس فريدة من نوعها في فنهم وصنعوا التميز

في الأداء، وضمنوا لهذا التراث السيرورة والبقاء، وإن سمعوا عنهم، لم يستمعوا لأعمالهم، من بين هؤلاء، الشيخ دحمان بن عاشور.

 

ولد عبد الرحمان بن عاشور، الملقب بدحمان – وهو تصغير لاسم عبد الرحمن في اللغة الدارجة الجزائرية – في الـ 11 مارس من سنة 1912 بمنطقة أولاد يعيش بمدينة البليدة في أسرة أصيلة، وجهت ابنها لحفظ كتاب الله والمعارف الأولية للغة العربية بالمدرسة القرآنية، غير أن الظروف المعيشية أجبرته على مغادرة الكتاب والتخلي عن الدراسة في سبيل العمل، وقد امتهن الحلاقة قبل أن يكتشف ميوله الفني ونبوغه الموسيقي، حيث أن حبه الشديد للموسيقى والفن استولى على كل وقته وشغل جل اهتمامه بعد ذلك.

انتقل دحمان بن عاشور في مرحلة شبابه رفقة والديه إلى الجزائر العاصمة وبالضبط في شارع زاما، وفي محل الحلاقة الذي كان دحمان يعمل فيه استهل مشواره الفني، حيث كان في البداية يعزف على آلة الماندولين يرافقه في عزفه أحد أصدقائه الذي يدعى “علي ميلي” الذي تخرج من إحدى أفضل المدارس الفنية الكلاسيكية، وفي سنة 1931 تم اكتشاف مواهبه وصوته الجميل من طرف جمعية بليديان للموسيقى الأدبية والتي كانت تحت رئاسة شريف بن شرشالي، ولقد تعرف دحمان، من خلال هذه الجمعية على موسيقيين كبار، سبقوه في تعلم الموسيقى، فكانوا أكثر خبرة منه ومن بين هؤلاء الحاج مجبور الذي أصبح فيما بعد عازف كمان في فرقة دحمان بن عاشور.

بعد اتقانه للعزف على آلة الكمان في أوركسترا خليل وأوركسترا بوعلام ستاميرو، تفوق دحمان على كل أقرانه من شباب دفعته واستمر في النشاط الفني مع فرقة الودادية، وذلك منذ تأسيسها سنة 1934، وكانت تحت قيادة الموسيقار محي الدين لكحل، فوسّع بن عاشور معارفه الموسيقية، إذ تعلم آنذاك كل النوبات والإيقاعات وأنواعها والأشعار وأساليبها وأنواع البحور الشعرية وعلم العروض والشعر الملحون وأوزانه.

كانت أجمل تجاربه الموسيقية التي أذاعت صيته خارج البلد، في حدود سنة 1940، وكان ذلك حين ظفر بفرصة المشاركة مع عدد من الفنانين في مهرجان العرش الذي أقيم بالمغرب قي سنة 1939، حيث بدأت موسيقاه منذ ذلك الحين تتعدى الجزائر إلى البلدان الشقيقة ثم إلى فرنسا، كما انضم في سنة 1946 إلى أوركسترا محمد فخارجي، هذا الأخير الذي مكنه من الإطلاع بصفة أعمق على الموسيقى الأندلسية وعلى مختلف طبوعها ونوباتها الجزائرية منها ونظيراتها في غيرها من دول المغرب العربي.

وشهد لدحمان بن عاشور، كبار معاصريه بولعه المنقطع النظير في الموسيقى وإجادته العزف على كل الآلات الموسيقية المعتمدة في الجوق الأندلسي، الوترية منها والنفخية وحتى الإيقاعية، ويحسن أداء مختلف الطبوع الموسيقية التراثية للصنعة ولا سيما طابعي العروبي والحوزي، وقد تكونت فرقته الموسيقية من كل من: الحاج مجبور عازفا على آلة الكمان، بن شوبان في آلة المندولين، باراباس على آلة الناي (الفحل بالدارجة)، وبابا عمر على الدف.

كان آخر حفل للفنان الراحل، دحمان بن عاشور، شهر جويلية من سنة 1976 في الجزائر العاصمة، ووافته المنية بعد ذلك بأشهر، وبالضبط في الـ 15 من سبتمبر 1976 في مسقط رأسه البليدة.

محمد عبد النور