الرئيسية / ملفات / الصداقة… أين موقعها  في علاقات الجزائريين
elmaouid

الصداقة… أين موقعها  في علاقات الجزائريين

تعد الصداقة قيمة نبيلة، لطالما تحدث عنها الحكماء، وتغنى بها الشعراء، لكنها أصبحت في وقتنا الراهن شبه مفقودة في الحياة الاجتماعية للأفراد، كما أنها فقدت معناها الحقيقي لدى الكثيرين ممن يدعون أنهم أصدقاء، حيث تجردت من أهم خصالها كالصدق، الوفاء، والتضحية، وأصبحت المصالح هي الحكم الوحيد لأغلب علاقات الصداقة  بين الناس، سواء تعلق الأمر بصداقات الدراسة، العمل، وحتى علاقات الصداقة القائمة بين

الأقارب، وأفراد العائلة الواحدة، وهو مشكل أصبحنا نقف عليه في حياتنا وتعاملاتنا اليومية.

 

الصداقة، بين الأمس واليوم

 

لا يختلف اثنان على حاجة الإنسان في هذه الحياة إلى أصدقاء، يملأون عليه يومياته، يتبادل معهم الأسرار، يشاركونه لحظات النجاح والسعادة، ويقفون إلى جانبه ويقدمون له المساندة، في المواقف واللحظات الصعبة، وذلك حتى يتجلى المعنى الحقيقي لقيمة الصداقة في المجتمع، ولطالما كنا نسمع عن قصص تعكس أسمى صور الوفاء والصدق بين الأصحاب، في مجتمعنا الجزائري، ومن أسمى هذه الصور ما يحفظه التاريخ للمجاهدين والمناضلين، من رجال ونساء الجزائر، إبان ثورة التحرير المضفرة، حيث كان كل واحد يتحمل التعذيب الشديد، وقد تقتل أسرته أمام عينيه، نظير عدم خيانة الأصدقاء ورفقاء الدرب في مسيرة النضال، لكن التغيرات والتطورات التي عرفها مجتمعنا طالت الكثير من مميزاته وقيمه السائدة بما في ذلك قيمة الصداقة، حيث أصبحت علاقات الصداقة الحقيقية التي تراعي وتحتفظ بأسس العلاقة السليمة، ضربا من المفقود، وطغت الأنانية وإيثار المصالح، والتضحية ليس من أجل الأصدقاء بل بهم في سبيل تحقيق الأهداف الشخصية، كما أن الكثير من الأصدقاء لم يعودوا ذلك الناصح الذي يخشى على صديقه، بقدر ما أصبحوا المتسبب الأول في انحراف الصديق إلى ما لا تحمد عقباه، وهو الأمر الذي جعل الكثيرين في وقتنا الحالي يفضلون الانفراد، على مجالسة أصدقاء لا هدف لهم من الصداقة سوى خدمة مصالحهم، أو دفع الصديق إلى طريق الانحراف.

 

 

بعد أن فقدت معناها الاجتماعي، الصداقة اليوم تهدم أكثر مما تبني

 

 

وقد استطلعت “الموعد اليومي” آراء فئات مختلفة من المجتمع حول نظرتهم للصداقة، فكان رأي أمينة وهي طالبة جامعية أن الصداقة الحقيقية مفقودة جدا في مجتمعنا، ولم يعد الناس يعطون لهذه القيمة أي أهمية، بل بالعكس تماما من ذلك، أصبحت الصداقة فرصة يستغلها الجميع لقضاء المصالح حتى وإن كان ذلك على حساب الصديق، وتضيف أن في حياتها إنسانة واحدة ينطبق عليها اسم صديقة، بينما لا يتعدى الآخرون أن يكونوا مجرد أشخاص تعرفهم، و”الدليل على ذلك -كما تقول- أن الاتصالات التي تصل هاتفي كثيرة جدا أيام الدراسة لأن الجميع يسعون لقضاء مصالحهم، بينما في العطل أو إذا تغيبتُ لسبب ما لا أجد على الإطلاق من يتصل بي أو يسأل عني، أو حتى يقدم لي مساعدة إذا احتجت شيء”.

كما تقول مريم عن تجاربها، أنها تعرضت للخيانة من عدة فتيات كانت تظنهن صديقات، وهو الأمر الذي زاد تيقنها، من أن الصداقة الحقيقية أصبحت نادرة فعلا في مجتمعنا.

ويشارك أمينة في رأيها الحاج رزقي، الذي تحسر على الوضع الذي آلت إليه علاقات الصداقة في المجتمع، حيث يقول إن الصداقة في السابق كانت الأساس الذي تبنى عليه العلاقات بين الناس في المجتمع، وكان الكل يعطي لهذه العلاقة حقها وقيمتها، فمن المستحيل أن يغيب صديقك عن فرحك أو حزنك، ولا يمكن أن يخونك في يوم أو يبيع سرك، كما أنه إذا تغيب أحد عن بيته أو أصابه مكروه، فإن أصدقاءه، إلى جانب أقاربه، هم الذين يتكفلون بأسرته، إلى جانب المصاهرة التي تكون كثيرا بين الأصحاب، حيث يأبى الواحد منا، كما يقول الحاج، أن يزوج ابنته إلا لابن صديقه، ويضيف أن المحبة التي تجمعه بأصدقائه القدامى ما تزال قائمة إلى الآن، فرغم أن ظروف الحياة فرقت بينهم، إلا أنهم يلتقون من حين لآخر، كما أنهم يسألون عن بعضهم بشكل دائم، ويقول العم بشير أن ما يراه اليوم بين شبابنا لا يمت بصلة إلى الصداقة، فهي لا تتعدى أن تكون علاقات هدامة يستغل فيها كل طرف، الطرف الآخر ويجره إلى كل ما فيه مضرة للأخلاق والمال، والدين.

ومن جهتها تقول السيدة، زهيرة وهي ربة بيت ومعلمة سابقة، أنها حريصة جدا على متابعة علاقات الصداقة، التي يقيمها أبناؤها مع الآخرين، لأنها كما تقول تعلم جيدا أنه في وقتنا الراهن لا مكان للمحبة الصادقة في القلوب، وليس للصداقة المخلصة مكان في تعاملاتنا، وعليه فهي تخشى على أبنائها من الوقوع في فخ الخداع أو أن يتعرضوا للخيانة، ممن يدعون أنهم أصدقاؤهم، لذلك تحرص على التعرف على أصدقاء أبنائها وتنبههم دائما إلى عدم إفشاء أسرارهم لأحد مهما كانت العلاقة التي تجمعهم به، وعن علاقات الصداقة الخاصة بها، تقول إنها ما تزال تجمعها مع بعض صديقات الدراسة علاقة جيدة، أما زملاء العمل فلا تجمعها معهم أي صداقة، لأنها ترى فيهم الكثير من الأنانية وحب المصالح الشخصية.

 

العولمة…الظواهر الاجتماعية… صعوبة المعيشة ثلاثية عصفت  بمعاني الصداقة

 

 

أما المختصون الاجتماعيون، فيرجعون هذا التحول في مفهوم الصداقة لدى المجتمع الجزائري، إلى تأثيرات العولمة التي عصفت بالكثير من القيم التي تسود مجتمعاتنا، حيث أصبح كل فرد يسبق مصالحه الشخصية على كل الاعتبارات الأخرى، ويعطي الأولوية لأهدافه على حساب الآخرين، كما أن مختلف الظواهر والمشاكل الاجتماعية التي تعصف بالشباب، ومختلف الفئات الأخرى أدت إلى فقدان الثقة، هذا بالإضافة إلى صعوبة المعيشة، والتي جعلت كل فرد منشغلا بتأمين لقمة العيش لأسرته، ولم يعد بالإمكان التضحية بشيء من أجل الآخرين.

كما أن الحوادث التي يكثر تداولها في الإعلام والصحافة، عن قصص قتل شخص لصديقه، أو من خطفت صديقتها زوجها، وكلها قصص تعمل على تبديد الثقة في المجتمع، والتردد في إقامة أي علاقة صداقة مع الآخرين.