الرئيسية / حوارات /  الفرنسيون رفضوا أن تكون الصحراء جزءا من الدولة الجزائرية القادمة

 الفرنسيون رفضوا أن تكون الصحراء جزءا من الدولة الجزائرية القادمة

فتح الدبلوماسي ووزير  الإعلام الأردني الأسبق  سمير مطاوع، بصدر رحب، ملف “مفاوضات إيفيان” حيث يعتبر الصحفي الوحيد من الجانب الجزائري الذي أتيحت له فرصة تغطية المفاوضات التاريخية ومعايشة “تجاذباتها” عن قرب وتجاوب في المقابلة الصحفية التي جمعته بـ”الموعد اليومي” مع اهم الاستفسارات والتساؤلات التي رافقت الملف حتى بعد 54 سنة من التوقيع على الاتفاقيات التي رسمت الطريق نحو

الاستقلال، كما لم يبخل ضيف الجزائر الذي استضافنا السبت بمقر إقامته بالتطرق إلى جوانب مسيرته وبعض المحطات والشخصيات الهامة التي توقف عندها.

 

تعاطى الإعلامي الأردني الأسبق سمير مطاوع مع ملف مفاوضات إيفيان التي شكلت حلقة هامة في مسيرته المهنية والشخصية، وأوضح في رده على السبب الذي جعل قيادة الثورة تختاره لتغطية المفاوضات المصيرية، أن هناك أسبابا كثيرة لاختياره من أجل تغطية مفاوضات إيفيان، وهي أولا تعاونه مع بعض الإخوة المناضلين الجزائريين الموجودين في أوربا كصحفي وإنسان مناصر ومؤيد للثورة، وثانيا إنه كصحفي اعتبره “تكريما” خصوصا وأنه الوحيد من جانب الوفد الجزائري الذي أتيحت له فرصة تغطية الحدث.

وأوضح سمير مطاوع أن قيادة الثورة ممثلة في جيش التحرير الوطني هي التي اتصلت به بواسطة أحد المناضلين العاملين في أوروبا كمكلف بجمع التبرعات للثورة الجزائرية وشراء بعض حاجيات جيش التحرير لتموينهم عبر ميناء طرابلس وبعض محطات الإمداد.

وأكد مطاوع أن هذا الشخص قدم نفسه باسم “يوسف بوذراع” وأنه لم يكن يعرفه مع جزمه بأن الاسم (نظامي) وليس اسمه الحقيقي، قبل أن يتابع بالقول إنه لم يشأ أن يحرجه بطلب اسمه كونه يعرف خطورة ذلك بالنظر إلى الرقابة التي كانت تفرضها الشرطة السرية الفرنسية لكن ما فهم منه أنه ضابط في جيش التحرير الوطني مكلف بالاتصال ولم يكن من الحكومة المؤقتة.

 

تم اختياري لتغطية المفاوضات لأني كنت مناصرا لثورة الجزائر

 

وأكد مطاوع في رده على سؤال بخصوص أهم النقاط التي علقت بباله في المفاوضات، أن موضوع الصحراء كان الاهم والمحطة الاصعب في المفاوضات، لأن الفرنسيين تشبثوا بعناد في الصحراء، ولم يريدوا أن تكون هذه الأخيرة جزءا من الدولة الجزائرية القادمة، واتخذوا موقفا متعنتا للغاية فيها، وقد واجه الوفد الجزائري صعوبة بالغة، لكنهم في النهاية نجحوا بفضل إصرارهم.

وكشف شاهدنا على مفاوضات إيفيان أن موضوع الصحراء لم يتحرك إلا بعد موقف معين اتخذه الجنرال ديغول في لحظة من اللحظات أدى إلى تسريع المفاوضات -قال إنه سجلها في مذكراته- . وحول إمكانية جس نبض تجاه المفاوضات خلال المداولات، قال إن “المفاوضات مرت بعدة مراحل وإنه لما بدأت في لبنان لم تكن الامور تتزحزح بسبب بعض المسائل لكن فيما بعد فهمت أن المفاوضين كانوا أكثر تساهلا في إيفيان بناء على تصريحات القادة الجزائريين”، مجددا قوله إن “الجنرال ديغول قام بإجراء جعل المفاوضات تتحرك بشكل أسهل”.

وبخصوص سؤال عن الطرف الذي كان يتحمل حجم الضغط الأكبر اثناء المفاوضات من خلال معاينته لكواليس الحدث، رد بالقول “أولا يجب أن تتذكر أن الضغط يرجع إلى حقيقة ما كان يفرزه الميدان وهذا ما يعتمد عليه كل طرف في المفاوضات، لكني لاحظت أنه في الفترة الاخيرة ظهر بوضوح أن الاخوة الجزائريين استطاعوا بغض النظر عن العذاب الهائل الذي تعرضوا له أن يرجحوا كفة الضغط لصالحهم” قبل أن يتابع إنه من خلالها استخلص أن هذا نتيجة لشيء حدث في الميدان.

وذكر صاحب التغطية الحصرية لمفاوضات إيفيان من الجانب الجزائري ، أنه حاول التقصي في الاحداث الميدانية غير أنه استعصى عليه فهم المسألة عملية بعملية، لكن في الوقت الذي يقول إنه لما سافر بالطائرة إلى منطقة الاوراس رفقة الرئيس بن بلة لتخليد ذكرى الشهيد مصطفى بن بولعيد، وكان برفقته شاب وقتئذ يدعى عبد الرحمن عجريد، فهم وقتها أن جيش التحرير كان يعتزم مهاجمة قاعدة جوية فرنسية هناك بعدد كبير من المناضلين، لكن بعد وشايتهم تم قصفهم بـ”النابالم” ويرى المتحدث أن هذه العملية قد تكون من الأسباب المرجحة في المفاوضات.

وأثنى وزير الإعلام الأردني الأسبق على قوة الشخصية لدى كل المناضلين الذين فاوضوا فرنسا في إيفيان، مشيرا بالخصوص إلى الكاريزما البارزة في شخصية رئيس الوفد والموقع على الاتفاقيات النهائية كريم بلقاسم قائلا: إنه كان “الاكثر عنادا من بينهم”، مضيفا أنه بالمقابل لم يستطع أن يرى أحدهم أكثر تساهلا أو مرونة من الآخر، لكن ما شد انتباهه أن كريم بلقاسم كان قاسيا وصارما وما كان يشعر به حقيقة أنه لم يكن كالآخرين.

وأوضح سمير مطاوع أنه لم يكن يحضر الجلسات داخل القاعة لكنه كان يتابعها من خلال التسريبات التي كانت تقدم له من قبل مناضلي جبهة التحرير الوطني وعلى وجه الخصوص المناضل محمد بجاوي الذي كان مستشارا قانونيا دوليا، وقال إن هذا الاخير كان الإكثر إيصالا وتوضيحا للمعلومات.

وحول ما إذا استشعر وجود ملامح بنود سرية لدى معايشته كواليس المفاوضات لم يعلن عنها، قال إنه كان مرتبطا بجهتين إعلاميتين وقتها (الاسبوع العربي اللبنانية وإذاعة هولندا بالعربية) وأن الأمور والبنود التي كان يدرك أنها سرية لم يكن يتطرق إليها، موضحا أنه كان يملك تصورا بخصوصها وأنه لم يكن يقدم هذا النوع من المعلومات احتراما للمفاوضين حتى لا يكتشف فيما بعد أنها خاطئة أو أضرت بسير المحادثات، واردف يقول إنه كان يحجم عن كل شيء يشعر  أنه ضمن الأمور السرية، وأنه كان يفهم أن المعلومات التي لا تقدم له، لا ينبغي أن يتطرق اليها وبالتالي يكتفي بما قدم له.

 وذكر المتحدث أنه علم فيما بعد أن كل المعلومات التي كانت تقدم له هدفها أن تصل إلى السجناء الجزائريين، بعدما فهم من الرئيس أحمد بن بلة أن إذاعة هولندا بالعربية كانت الإذاعة العربية الوحيدة التي تلتقط على راديو السجن الاستعماري، مضيفا أنه كان يقدم تقارير إخبارية يوميا من دقيقة إلى 3 دقائق بحسب التفاصيل، وهذه الأخيرة تتضمن المحاور الرئيسية للمفاوضات لما ينتج عن اجتماعات ذلك اليوم.

وتجمع بين وزير الإعلام الأردني الأسبق بالرئيس أحمد بن بلة وكذا العقيد زبيري ذكريات هامة، لعل أبرزها الحادثة الطريفة التي عايشها رفقة القادة الجزائريين في 1963 بالاوراس لما اضطر القادة الجزائريون الذين كانوا على متن طائرة مروحية  إلى الاستعانة بحبل للنزول في ظل عدم وجود سلالم ، ما دفع الصحفي “القناص” وقتئذ إلى عدم تفويت الفرصة واستباقهم إلى النزول لالتقاط صور الزعماء الجزائريين ينزلون من الطائرة المروحية بواسطة الحبل الواحد بعد الآخر، وذكر المتحدث أنه احتفظ بالصور رغم العروض المغرية التي وصلت 10 آلاف باوند ، إكبارا بالجزائر ليعيدها إلى “أهلها” بعد أكثر من 50 سنة – كما قال.

 

“فخور ومعتزّ بمساهمتي في ثورة المليون ونصف المليون شهيد”

اعتبر الإعلامي الأردني الأسبق سمير مطاوع أن ما ساهم به خلال ثورة الجزائر المجيدة وما قدمه لها آنذاك يعتبر مجرد “نقطة في بحر” إلا أنه يبقى يشعر بالفخر والاعتزاز لأنه “ساهم في ثورة المليون ونصف المليون شهيد”، وأضاف مطاوع أن زيارته الحالية إلى الجزائر تشعره بالفخر وتجعله يشعر أنه لا يزال ينتمي عاطفيا وتاريخيا لهذه الثورة، شاكرا الرب على تكريمه بهذا الفضل.

 

“الربيع العربي ربيع أسود، وحركاته الإصلاحية سرقتها أطراف معينة وحرفتها عن مسارها”

وعن رأيه في ما أطلق عليه بالربيع العربي وتناول وسائل الإعلام له، أكد سمير مطاوع أن كلمة الربيع العربي “كلمة مصطنعة لا تمثل بصدق ما جرى وما يجري في الدول العربية” كما وصفه بـ”الربيع الأسود” نتيجة الدمار الذي ألحقه بالدول التي مسها، بالمقابل أقرّ مطاوع بأنه حقيقة هناك بعض البلدان العربية بحاجة إلى “إصلاح نظامها الاجتماعي والسياسي والثقافي” لأنها لا تزال “تدير أجهزة الدولة بعقلية الخمسينات والستينات” إلا أن هذه الحركات الإصلاحية التي قام بها الشباب “حُرفت عن مسارها وسُرقت من قبل أطراف معينة”، وشدد السفير الأردني الأسبق بهولندا أن ما يجري الآن “ليس إصلاحا وإنما تدمير الدول التي تهدد أمن إسرائيل وتشكل خطرا عليها” مستدلا كلامه بأنه “بعد خروج مصر باتفاقية كامب دايفد مع إسرائيل بقيت العراق وسوريا فقط من يشكلان خطرا على إسرائيل فجرى التخطيط على تدميرهما في حين تم تدمير ليبيا بحجة دعمها للجماعات الإرهابية العربية والإفريقية”.

 

“ضخ الأموال في حساب المؤسسات الإعلامية أبعدها عن أداء مهامها النبيلة”

أبدى الإعلامي ووزير الإعلام الأردني الأسبق سمير مطاوع عدم تفاؤله الكبير لواقع حرية الاعلام في أغلب البلدان العربية، وأوضح  أن الكثير من وسائل الاعلام العربية “أفسدها المال” معبرا عن قناعته وإيمانه بأنه “لما يضخ المال إلى مؤسسات الإعلام تفسد هذه الأخيره وتبعد عن أداء مهامها الأساسية والنبيلة”، وفيما يخص الجزائر أكد الإعلامي الأردني أنه لا يستطيع الحكم على التجربة الإعلامية وحرية الإعلام في الجزائر لأنه “ليس مطلعا بكثرة على تجربتها”.

 

 

“هكذا كانت تجربة كتابة قصة فيلم  “صراع في جرش” وهذه هي علاقتي بنزار قباني”

وفيما يخص تجربته في كتابة قصة أول فيلم أردني سنة 1957 الذي حمل عنوان “صراع في جرش” تحدث سمير مطاوع عن ظروف هذه التجربة، حيث أكد أنها “جاءت صدفة”، موضحا أنه في طفولته كان همه الوحيد أن يكون صحفيا لذلك كان بين الحين والآخر يكتب قصصا وشعرا، وفي أحد  الأيام تعرف على شخص أكد له أنه بحاجة إلى قصة لإنتاج فيلم أردني فقام باعطائه القصة التي كان قد كتبها مسبقا و”الصدف لعبت دورها وحوّلت القصة إلى فيلم”.

 وعاد سمير مطاوع إلى قصة الفيلم التي أكد أنها “كانت قصة حقيقية” حيث قال إنه كان له جار ألماني وله بنت جميلة وفي أحد الأيام خرجوا إلى مدينة جرش الأثرية وهناك جاءه أحد الشباب ونصحه بالهروب مع الفتاة لأن هناك شبابا يريدون اختطاف الفتاة منه، وعلى ضوء هذه الحادثة كتب القصة، كما أكد مطاوع أنه أثناء تصوير الفيلم “لم يكونوا يعرفون آنذاك الحيل السينمائية لذلك تم تصوير مشاهد حقيقية للمشاجرات والصراعات”.

وعن علاقته بالشاعر نزار قباني قال سمير مطاوع إنه صاحبه مدة 40 سنة وتعرف عليه سنة 1958 بمدريد وزارا أماكن عديدة هناك، كما كان نزار أيضا يتنقل إليه في بيته في لندن ويتبادلان الحديث والشعر والأدب، كما ذكر مطاوع حادثة دخول نزار إلى المستشفى قبل أن يقوم هو بالاتصال بالملك الأردني الحسين الذي اتصل بدوره بإدارة المستشفى للتكفل التام بمصاريف علاجه.