الرئيسية / منبر القراء / المرأة، تاريخ شوك وورد
elmaouid

المرأة، تاريخ شوك وورد

خرجت مع آدم من جنة النعيم إلى الأرض لتعمر وتهب لها مخلوقات يكون بينها السعادة والعذاب، الحب والكره، الاتحاد والفرقة، طاعة وعصيان، إيمان وكفر، حرب مع النفس وإبليس.

شجاعة، كريمة، صبورة في ساحة الدعوة لله مع كل الأنبياء والرسل، مطيعة، مؤمنة، نجحت في كل الامتحانات التي واجهتها من سيدنا آدم وإبراهيم إلى سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، هي صفحة بيضاء من أجل الله وصفحات أخرى من أجل الوطن.

 

كانت المجاهدة والممرضة والقائدة، توجه وتسير وتخطط وتطلق الرصاص وتداوي الجراح في الجبال والشعاب والأودية، هي هنا الأميرة الباسلة والشجاعة العظيمة وهناك الحاذقة الماهرة، تعرف مكمن الألم ودرجة الداء وسبيل الشفاء، حققت كل منازل الشرف وأخذت كل أوسمة الاحترام والتبجيل والافتخار.

عُرفت سيدة بيتها، أميرة عرشها، كاتبة تحكي خلجات النفس وتدون تاريخ المجد لأمتها وتروي قصص البطولات ولانتصارات لأمة فنت وأمة بزغت للوجود.

شاعرة تتغنى بالحب ومآثر الأجداد، تمجد السلم وترغب في الصلح والتسامح، تصدح بصوتها الشجي وكلامها الحلو من جميل البديع وروعة السبك ودقة التصوير، تظهر إشراقة النهار وعبوس الليل.

مسيرة كبيرة من أول الدفن والإهانة والعبودية جارية وأمة ومملوكة لا حق ولا قانون، إلى الضرب من المالك والواهب والموهوب، ضرب وتعذيب وقهر من هذا وذاك، من السيد والزوج والحارس، طالها ما طالها، عزلت وشردت وكانت آخر ما يوجد على أرض الله، لأنها عند هذا مصدر العار وعند الآخر مجرد آلة تنجب الرجال تلد القوي والعزيز وهي عند قوم تخلط الجنس والنسل فيذوب الدنيء بالشريف والحر الرفيع بالرق الوضيع، وعند قوم آخرين تكنس وتحلب وتجلب الحطب والماء وترعى الأغنام، تعمل كل ما تؤمر، مطيعة لا ترفع رأسها.

ذليلة تجلدها السياط وتلجمها الأعراف والعادات والمعتقدات، تحيا بين أيدي القوي العنيد لا الضعيف المنقاد، تتكلم حين يسكت وتسكت كي يتكلم، تحكمها أخلاق النساء والتربية الصالحة، فلا آه ولا أف ولا دموع التماسيح.

امرأة تُحب وتُحَب تَسْحر وتُسْحر، تملك الأبصار وتشد القلوب، تغنى بها وابتدع لها الكاتب (شاعرا وقاصا وخطيبا)، أجمل الو صوف وأرقى الكلمات وأقوى العبرات، سبق الخيال إلى أعلى مكامن الإحساس، صدقا وكذبا، فقال فيها أجمل القصائد ليقف عند أسمى الأوصاف في مشيّها وحركات جسمها ذاهبة وآتية عند الهجير والضحى وفي غسق الدجى هي المعشوقة المهفهفة البيضاء وهي طويلة النجاد، رفيعة العماد، جميلة تسلب الأنظار، تأخذ العقول، تاه الرجال لأجلها في البوادي والصحاري يقتفون الآثار على الرمال، في المرابع والديار.

ذاك تاريخ شوك، دماء ودموع، آهات وصراخ، عويل وصدى آلام، بلا حق في عقود من الزمن مضت، وفي عقود أخرى، حرة لها كرامة الإنسان مصانة الشرف والعرض والمال والطاعة، لا ظلم لا إهانة، موجودة في الحياة بالفكر والعقل والجسد، تنعم بالعدل والأمن كأم وزوجة وعاملة .

مسيرة الورود، تقليد، تمرد، غرور، فيها خرجت من غرفتها إلى عالم الأزقة الضيقة، أين الذئاب والأسود والثعالب، أجساد تنهش الأجساد، لحم غض، طري، نيئ وفاكهة ناضجة حلوة وحمامة أعجبت الصياد فأطلق سهامه وأبان شراكه، فلم تر الحفرة الغويرة ولم تسمع أصوات البكاء، تائهة بين هذا وذاك وعبد الحليم ما زال يغني قارئة الفنجان ويتنفس تحت الماء ونزار يحملها بين ذراعيه من جنة حمراء إلى جنة سوداء، وأفلامها المحبوبة مصاص النساء وامرأة تحت الطلب وعالم الخيال رقصة فوق جسد ناعم ….

من الشقروات إلى بنات البن والحليب، أسدل الستار على حكاية الحرية والتحرر والخروج من الزقاق إلى عالم أكثر طهر بل أكثر فظاعة وضياعا .

أيها الجسد الأبيض تنفس الآن، الأماكن صارت لك تحت الشجرة غنيت وودعت ليلك الطويل وفوق الجدار، كان الحبيب الغدار يكتب رسالته الأخيرة لتكون أنت البطل بين الورود الصفراء والبنفسجية والعطر الفواح، ستنهض قويا وتستيقظ بسلامة الشجعان، نعم لأنك اليوم تركب مراكب التقدم مهما كانت الخسائر ومهما كان الثمن، ستحمل باقات النعمان وهدية الاحترام من عالم السفور والانحلال، الورود التي تأخذها في انتصاراتك ذابلة بلا طعم ولا لون، الورود التي تكرمك فوق المنصات العالية ستأخذ منك الإنسانية والشرف والدين

وتظل تصرخ بين القمامة وتحت الأنقاض وتصرخ أيضا فوق الكراسي المتحركة، أريد المزيد، أريد الحرية، أين هي؟ أريد الحرية، هي كنزك المفقود تظل تصرخ، أريد الحرية، حتى يموت الغرور، ستظل تصرخ، أريد العدل، أريد أن أكون هناك في الأعلى بين السماء والأرض…