الرئيسية / ملفات / المقاهي في ثقافة الجزائري
elmaouid

المقاهي في ثقافة الجزائري

تعودنا في كل صباح قبل أن ترمي الشمس بخطوطها المضيئة على الأرض، أن نشاهد أعدادا كبيرة من الرجال يتجمعون في المقاهي لارتشاف أكواب القهوة والشاي، الأمر قد يبدو عاديا، لكن أن تظل المقاهي مملوءة طيلة اليوم، فهذا ما يدفع إلى التساؤل حول ظاهرة الجلوس بالمقاهي، هل هي عادة؟ أم هي قتل للوقت أم ماذا؟

تجولنا في بعض الشوارع في رحلة استطلاعية لمعرفة ما السبب الذي يدفع بالرجال والشباب إلى قضاء أكبر وقت في المقاهي أو قاعات الشاي ، فرصدنا لكم مجموعة من الآراء المختلفة.

 

لا تحلو القهوة وقراءة الجريدة إلا بالمقهى

 

يجمع معظم الشباب المستجوبين، أن السبب الرئيسي الذي يدفعهم إلى دخول المقاهي، هو ارتشاف فنجان القهوة المركز وقراءة الجريدة بالدرجة الأولى، حيث تعتبر المقاهي المكان المفضل لمعرفة المستجدات الحاصلة قبل الالتحاق بمنصب العمل، وفي هذا الخصوص يحدثنا (يوسف ) 30 سنة، موظف بقطاع الصحة، قائلا ” على الرغم من أني أشرب القهوة قبل الخروج من المنزل، إلا أن قهوة المقهى لديها نكهة لا نظير لها، بحيث أتوجه يوميا إلى المقهى الذي تعودت الجلوس فيه، أطلب قهوتي وأتصفح الجريدة ورقة بورقة، وعلى العموم، جلوسي في المقهى لا يتجاوز ساعة من الزمن بعدها ألتحق بمنصب عملي، وإن حدث وصادفت صديقا لي فإننا نطيل الجلوس للدردشة حول بعض المواضيع، ولا أخفي عليكم يكون ذلك على حساب عملي في كثير من الأحيان”.

 

المكان المفضل لعقد الصفقات وحل النزاعات

 

نسمع الكثير من الشباب يتحدثون إلى أصحابهم قائلين “كي نتلقاو في القهوة نتفاهمو” أو نسمع “جيب السلعة للقهوة نتفاهمو عليها” أو “نعطيك دراهمك فالقهوة” وغيرها… وتدل هذه التعابير أن المقهى في ثقافة الجزائري تعد أفضل مكان لإبرام العقود وحل النزاعات والتفاهم على أمور البيع والشراء، فهذا (محمد. ع) تاجر في الهواتف النقالة يحدثنا قائلا “أعتبر أن المقهى أحسن مكانا لبيع السلعة، فإلى جانب أني معروف فيه لكثرة ترددي عليه، فإن هذا الأخير يقصده العديد من الناس من شرائح عمرية مختلفة، وبالتالي تعد فرصة لأربط الكثير من العلاقات ولأبيع العديد من الأجهزة”.. حيث أكد لنا أن ما يبيعه في المقهى أكبر مما يبيعه في المحل بكثير. وهو الرأي نفسه الذي لمسناه عند عبد العالي  الذي قال “أنا شخصيا بعت سيارتي بعد أن اتفقت مع شخص لا أعرفه بالمقهى، سمعني صدفة وأنا أتحدث إلى زميل لي بخصوص بيع السيارة فجاء إلي وطلب مني أن أحدد سعر السيارة ليشتريها مني” .

بينما يعتبر البعض الآخر المقاهي المكان المناسب لمناقشة بعض المسائل العائلية، وذلك بشهادة بعض الأشخاص الذين تحدثنا إليهم حيث كشفوا لنا بأن بعض المتزوجين حديثا يهربون من المنازل عند وقوعهم في بعض الخلافات مع زوجاتهم ويعتمدون على أصحابهم لحل مشاكلهم، وذلك بالدردشة فيها على طاولة المقهى.

 

المقهى متنفس لمن لا عمل له

 

يعتبر البعض الآخر من شريحة الشباب المستجوب، بأن المقاهي تعد بمثابة المنزل الثاني لهم، خاصة في ظل البطالة، بحيث يتوجه إليها من لا يجد مكانا يذهب إليه من أجل قتل الوقت أو سد الفراغ، خاصة في فصل الشتاء، حيث تكتظ المقاهي إلى درجة دفعت بعض أصحابها إلى التقليل من عدد المقاعد والطاولات لاستيعاب أكبر عدد من الزبائن، هذا ما لمسناه ونحن نتحدث إلى حسان صاحب مقهى ، الذي قال “هناك عدد كبير من الشباب البطال الذي بمجرد أن يطلع النهار حتى يصطفوا أمام المقهى ليطلبوا فنجان قهوة أوشاي، ويظلوا واقفين أو جالسين إلى غاية منتصف النهار، بعدها ينصرفون لأخذ وجبة الغذاء ويعودون مساء، وهكذا دواليك، وهي وجوه أصبحت مألوفة بالنسبة لي” . بينما يرفض البعض الآخر من الرجال الدخول إلى المقهى من منطلق أنها أماكن غير صحية يكثر فيها الضجيج ودخان السجائر، خاصة إن كانت مغلقة، حيث تتحول القاعة إلى مكان معبق بالدخان، وهو ما حدثنا حوله سمير قائلا ” شخصيا لا أشرب القهوة ولا أدخن ولا أحب الدخول إلى المقاهي إلا مجبرا، فإن دعاني شخص ما لا أرفض، ولكن بالمقابل لا أطيل المكوث فيها لأني أكون غير مرتاح وأرى أن المقاهي هي أماكن غير صحية تتردد عليها كل الشرائح، كونها أقل ثمنا مقارنة مع قاعات الشاي الراقية كما أنها مزدحمة ويكثر فيها الكلام البذيء”

 

إطالة الجلوس في المقهى يلهي عن ذكر الله تعالى

 

رغبت في معرفة موقف الدين من شريحة الشباب الذين يطيلون الجلوس في المقاهي، بحيث تحولت هذه الظاهرة عند البعض إلى عادة لا يمكن التخلي عنها ولو على حساب بعض الأمور المهمة كالعمل أو العائلة، فحدثنا إمام بمسجد الحي ، قائلا ” بأن الدين الإسلامي لا يمنع بتاتا جلوس الرجل بالمقهى ولكن بشرط أن ينضبط بجملة من الضوابط الشرعية وعلى رأسها وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتجنب الحديث عن عيوب الناس واللغو وضرورة الابتعاد عن التلفظ بالكلام الفاحش كالسب وغيره، ناهيك عن أن الجلوس في المقهى ينبغي أن لا يلهي الرجل عن ذكر الله تعالى وعن القيام بأعماله ومسؤولياته تجاه أسرته”. ويضيف معلقا “وبما أن هذه الضوابط الشرعية قليلة في مجتمعنا لأن الكثير من الناس يجهلونها، ننصح المدمنين على الجلوس في المقاهي بأن لا يطيلوا الجلوس فيها لما في ذلك من مضيعة للوقت وإهدار للمسؤوليات”. وقد قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه “إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما “. وقيل” الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك”