الرئيسية / ملفات / المواطن ضحية الصراع الدائم بين “الطاكسيور” و”الكلوندستان”

المواطن ضحية الصراع الدائم بين “الطاكسيور” و”الكلوندستان”

الاتحادية الوطنية لسائقي سيارات الأجرة تستنجد بالوزارة الوصية

 

يعد “الطاكسيور” الملجأ الوحيد للمسافر الراغب في التنقل إلى أماكن معينة هروبا من اكتظاظ حافلات النقل العمومي وتأخرها في الوصول إلى المحطة بالإضافة إلى النقص الفادح الذي تعرفه هذه الوسيلة خصوصا في خطوط العاصمة وضواحيها، لكن الأمر لم يعد هكذا في الآونة الأخيرة حيث يقضي المواطن وقتا طويلا في الانتظار من أجل الظفر بسيارة أجرة تقله إلى الوجهة الراغب فيها وحتى وإن حالفه الحظ في ذلك يدخل في حوار طويل للمساومة على التسعيرة كون العديد من سائقي سيارات الأجرة أصبحوا يفضلون التعامل بطريقة “الكورسة”، عوضا عن العدّاد بسبب الانتشار الواسع للكلوندستان الذي أصبح يزاحم سائق الطاكسي في مهنته وقوت يومه.

وفي محاولة منا للتقرّب من عالم “الطاكسيات”  و”الكلوندستان” قمنا بجولة ميدانية في شوارع العاصمة وما جاورها على متن بعض سيارات الأجرة و”الكلوندستان” لمعرفة حقيقة المشاكل التي يعاني منها الطرفان ولتقصي آراء المواطنين حول هذه الوضعية.

ينفرد بالمهنة النبيلة والخبرة الاجتماعية المميزة

“الطاكسيور” والمسافر … قصة الثقة المتبادلة وشعار “الخدمة في الضمان والأمان”

لمسنا عند بعض سائقي سيارات الأجرة الذين ركبنا معهم عندما كنا بصدد تحضير هذا الموضوع، أن “الطاكسيور” يمتلك خبرة اجتماعية مميزة تجعله قادرا على تقمص أدوار عديدة كالمختص النفساني والمصلح الاجتماعي والمحلل السياسي وحتى الإمام الخطيب، وهذا راجع إلى احتكاكه الدائم بالعشرات من المسافرين كل يوم؛ فهو يتعرف على شخصيات عديدة وعقليات مختلفة ووجهات نظر كثيرة وذلك أثناء مشاركته في الحديث مع الزبائن في مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية وغيرها، لهذا يكتسب “الطاكسيور” هذه الخبرة خاصة عندما يكون قد قضى مدة طويلة وهو يمارس هذه المهنة، هذا ما لمحناه عندما قصدنا “طاكسيور” كان بصدد قراءة إحدى الجرائد اليومية وهو راكن سيارته بالأبيار، فطلبنا منه أن يوصلنا إلى البريد المركزي حيث استقبلنا السائق بابتسامة عريضة تخفي وراءها سعادته باصطحابنا كونه سيجني مبلغا ماليا معتبرا، ولا عجب في ذلك لأن هذا هو أساس عمله.

وقبل أن ننطلق صعد السيارة زبون كان قاصدا نفس وجهتنا، وفي الطريق دار بيننا حديث ثري اختصر المسافة وقلل من الشعور بالملل والقلق من ازدحام الطريق حيث بدأ “الطاكسيور” بالتحدث عن التغيرات التي حصلت في بعض الأحزاب والمواقف المختلفة لعدد من الشخصيات السياسية، وبدا بأنه على دراية بكل ما يحدث كأنه محلل سياسي ثم انتقل إلى الحديث عن الفريق الوطني عندما سمع إشهارا عنه في المذياع ليستغل السائق الفرصة ويتحول إلى محلل رياضي.

وبعد وصولنا إلى البريد المركزي أردنا معرفة آراء المواطنين في سائقي سيارات الأجرة فكانت إجاباتهم متشابهة حيث أجمع الجميع على أن “الطاكسيور” رجل محترم يؤدي مهنته بكل رحابة صدر وإخلاص حيث يشعر الزبون بالراحة والاطمئنان معه؛ فقد روى لنا “أحمد” أنه في أحد  الأوقات استقل سيارة أجرة وكان مهموما جدا نظرا لكثرة مشاكله العائلية لكنه وبمجرد التحدث مع السائق وجد عدة حلول لها زيادة على النصائح التي قدمها له “الطاكسيور”، وفي السياق نفسه حدثتنا “ليلى” وهي طالبة جامعية أنها وجدت الراحة والاطمئنان عندما قامت بطرح معاناتها للسائق الذي حاول مساعدتها والتخفيف عنها .

لطالما تميزت العلاقة التي تجمع سائقي سيارات الأجرة بزبائنهم بالثقة والارتياح نظرا لكون “الطاكسي” الوسيلة الأريح والأسهل عند المواطنين لأنها توفر الكثير من الوقت والجهد بحسب ما صرح لنا أغلب الذين التقيناهم في مختلف شوارع العاصمة كـ “بلال” شاب في العشرينيات الذي قال إنه يفضل “الطاكسي” على حافلات النقل العمومي لأنها توصله إلى حيث يريد وفي وقت قصير عكس الحافلات التي تضيع الوقت في التوقف عند كل محطة والانتظار فيها لدقائق عديدة.

من جهة أخرى اعتبرت “آمال” أن سيارات الأجرة هي الوسيلة الآمنة لها كونها تتعرض للعديد من المضايقات من طرف بعض المسافرين في حافلات النقل العمومي لهذا هي تفضل الطاكسي الذي تكون فيه مرتاحة وبعيدة عن التحرش والمعاكسات.

وفي  السياق نفسه يرى “محمد” أن المواطن الذي يعتمد في تنقلاته على الطاكسي يكون في مأمن من الاعتداءات والسرقة التي تطال المسافرين في الحافلات، وبالمقابل نجد أن سائقي سيارات الأجرة الذين يعملون دوما تحت شعار “خدمة المواطن بالضمان والأمان” يتميزون بإحساس كبير بالمسؤولية وصحوة الضمير لأن همهم الوحيد هو إيصال المسافر إلى وجهته مع خدمة جيدة واحترام كبير.

منهم من يعتمد عليها كمهنة أساسية والبعض الآخر إضافية

“الكلوندستان” يغزو الشوارع والمحطات

انتشرت ظاهرة “الكلوندستان” الذي أصبح يتواجد في كل مكان، أمام المستشفيات     والأسواق وعند كل محطة عارضا خدماته على الزبائن الذين أرقتهم وضعية حافلات النقل العمومي التي تشهد نقصا عدديا واكتظاظا كبيرا للمسافرين، لذا يرى العديد من المتنقلين أن مهنة “الكلوندستان” أصبحت شائعة جدا نظرا لاعتماد الزبائن الكبير على التنقل عن طريق سيارات “الكلوندستان”. فمن خلال الجولة الاستطلاعية التي قمنا بها ارتأينا التقرب أكثر من أصحاب هذه المهنة والتعرف عليهم فوجدنا أن العديد من مالكي السيارات حولوها إلى عمل أساسي خاص ومصدر رزق لإعالة أسرهم، خصوصا مع غلاء المعيشة والنقص الكبير لفرص العمل، لذا وجدنا أن أغلب “الكلوندستان” هم شباب منهم من ترك مقاعد الدراسة مبكرا ومنهم من أكمل دراسته ولم يوفق في العثور على عمل أو وظيفة فاعتمد على رخصة السياقة ليمارس هذه المهنة.

من جهة أخرى وجدنا أن البعض الآخر من سائقي هذه السيارات من المتقاعدين أو الذين يمارسون مهنة فيها أوقات فراغ، لذا يلجأ هؤلاء إلى الاستفادة من مورد مالي إضافي عن طريق تقديم خدمة النقل للمسافرين؛ فبحسب “محمد” وهو كلوندستان يمارس هذه المهنة منذ أكثر من ست سنوات والذي التقيناه بأحد شوارع العاصمة أنها تمثل له عمله الأساسي والدائم كونه لم يستطع الحصول على وظيفة أخرى وأكد لنا  أنه يجني أرباحا معتبرة نظرا لتوافد العديد من الزبائن عليه، ومنهم من يتصلون به عبر الهاتف ليقوم بإيصالهم إلى الأماكن التي يريدون بلوغها، في  السياق نفسه قال “حسين” موظف بإحدى المؤسسات الخاصة أن “الكلوندستان” مهنته الثانية يمارسها من أجل الحصول على مدخول آخر يمكنه من توفير المال الكافي للاستقرار والزواج.

“الكلوندستان” يزاحم “الطاكسيور” في قوت يومه

كان لنا حديث مع بعض زبائن “الكلوندستان” الذين صرحوا بأنهم غير منزعجين من وجود هذه المهنة باعتبار أن سائقي” الكلوندستان” يقدمون لهم خدمة التوصيل بتسعيرة أقل من التسعيرة التي يتعامل بها “الطاكسيور”، زيادة على هذا هم متواجدون في كل مكان عكس سائقي سيارات الأجرة الذين نجدهم فقط عند الأماكن المخصصة لهم، لذا لا يضطر المواطنون إلى التنقل إلى تلك الأماكن لركوب الطاكسي مادام هناك بديل عنها وهو” الكلوندستان “، وزيادة على هذا ذكر “علي” أحد الزبائن الأوفياء لهؤلاء السائقين، أنه يمكنه أن يتصل عن طريق الهاتف فقط  بـ “الكلوندستان” ويتفق معه عن المكان والزمان من أجل إيصاله إلى الوجهة المطلوبة، وهذا -بحسبه- يوفر له الكثير من العناء والوقت. من جهة أخرى عبر بعض المواطنين عن عدم رضاهم من انتشار هذه المهنة لأنهم لا يثقون بالسائقين كونهم غير شرعيين ولا يعملون بطريقة قانونية عكس سائقي الأجرة؛ “ففي حالة وقوع حادث ما- يقول أحد المواطنين-  لا يمكن للقانون حمايتي نظرا لتواجدي مع سائق غير شرعي لا يملك وثائق قانونية” والرأي نفسه  كان لبعض السيدات اللائي حاورنهن حيث أكدن عدم وثوقهن بـ “الكلوندستان”.

من جهتهم استنكر سائقو سيارات الأجرة بشدة الوضع السائد وقالوا إن السائقين غير الشرعيين يشاركونهم موردهم المالي الوحيد وقوت يومهم، فتخفيضهم لتكلفة الإيصال جعل العديد من المواطنين يفضلونهم على “الطاكسيور” الذي أصبح هو أيضا يعمل بطريقة “الكورسة ” بدلا من العدّاد حيث اتفق سائقو  الأجرة على شن حملة ضد السائقين غير الشرعيين الذين يسلبونهم زبائنهم وطالبوا السلطات المعنية باتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من انتشار هذه الظاهرة ومعاقبة هؤلاء السائقين.

الاتحادية الوطنية لسائقي سيارات الأجرة تندد بالوضع

عمل “الكلوندستان” غير شرعي ولا يخضع لأي قانون

استنكرت الاتحادية الوطنية لسائقي سيارات الأجرة  في مرات عديدة الانتشار الواسع للسائقين غير الشرعيين الذين أصبحوا يمارسون مهنتهم في ظل غياب الرقابة من السلطات المعنية التي يجب عليها وضع حد لهذه الممارسات باعتبار أن “الكلوندستان” سائق غير شرعي ولا يعمل في إطار القانون عكس سائقي سيارات الأجرة الذين يملكون وثائق قانونية ويدفعون الضرائب مقابل ممارسة مهنتهم وبالتالي هم المتضرر الأكبر من منافسة السائقين غير الشرعيين لهم، لهذا يجب الحفاظ على الإطار التنظيمي لهذا العمل وعدم السماح للدخلاء بالتواجد في هذه المهنة لكي لا تصبح المحطات ساحة حرب بين الطرفين.