الرئيسية / ثقافي / بلاوي الهواري.. لحن الحاضر في الماضي الغابر

بلاوي الهواري.. لحن الحاضر في الماضي الغابر

 ما يزال الفنان القدير والمخضرم بلاوي الهواري متمسكا بمواقفه الناقدة لكل ما يتعلق بالفن من ألحان وكلمات بعيدة عما رسمه هو وأقرانه من أعمدة الفن الجزائري من مسار مستقيم متواصل على مر الزمن وتعاقب الأجيال، لا سيما ما تعلق بالمنحى الذي يشهده الراي في الآونة الأخيرة.

 

بلاوي يبدي استياء واعتراضا على ما يصفه بالمنحى الـ “تجاري” الذي اتخذه الراي، خاصة وأن أغلب مغني هذا النوع الغنائي لا يمتلكون أي موهبة لكتابة كلمات أغانيهم الخاصة، في حين يجزم بلاوي الهواري أن “الفنان إن لم يقدر على كتابة كلمات أغانيه الخاصة بمفرده، فهو ليس فنانا كاملا”.

ويعتبر التنقيب في أرشيف عملاق الراي العتيق بحكمة كلماته وعمق ألحانه، رحلة توغل في أعماق تاريخ الأغنية الجزائرية، حيث انطلقت رحلة بلاوي الهواري الفنية في مطلع الأربعينيات من القرن الماضي، حين كان عمره عشرون سنة وقد بدأ كمغنيً في مقهى والده “محمد التازي” بالطحطاحة – وسط وهران – وحقق حينها أول نجاحاته بفضل أغنية “اسمع”: “اسمع.. اسمع.. زينك فتّان.. ما كانش كيفه في البلدان.. اسمع يا سيد الغزلان”. ثم توالت بعد ذلك النجاحات الخالدة إلى يومنا هذا عبر أعمال أخرى، على غرار “راني محيّر” التي أعاد أداءها المغني رشيد طه، العالمي حاليا، والأغنية الرائعة “المرسم” للشّيخ الميلود التي في مطلعها: “يا ذا المرسم عيد لي ما كان، وين المرو اللي قبيل هنا.. يا ذا المرسم زدت لي تشطان فيك أنا والريم تلاقينا.. ناس خوتي ولاوا لي عديان وعلى تاج الغيد كرهونا”.

وقد أعاد هذه الأغنية وتألق في أدائها كل من الراحل الشاب حسني، الشاب مامي وكذا الشاب خالد الذي غناها بمفرده ومع فرقة إسبانية في طبع الفلامنكو للمرة الثانية، وقد شكلت لكل من المغنين الثلاثة نجاحا فائقا.

وأضفى الشيخ بلاوي بصمته الشخصية على طابع الأغنية الجزائرية، وكان له نوعه الموسيقي الخاص كما ابتكر ربع المقام، وله في مسيرته الفنية ما يزيد عن الـ 500 أغنية، إلا أنه بالرغم من ذلك، بقي الأستاذ بلاوي الهواري متواضعا خلوقا رفيع الذوق حساس العاطفة، يكنّ الاحترام لسابقيه من الشيوخ وأقرانه أمثال صديقه الراحل أحمد وهبي، الذي يمدحه في كل مجلس ويغتنم كل فرصة للتذكير بمناقبه وذكرياته معه.

وإشتغل بلاوي لكسب رزقه بميناء وهران سنة 1942 إبان الحرب العالمية الثانية، وكان قد كوّن حينها أول فرقة موسيقية عصرية سنة 1943 بالضبط، وسجّل بعدها أول أسطوانة له “45 لفة” سنة 1949 مع شركة (Pathé Marconi) الفرنسية.

ومن أغلى أصدقاء بلاوي الهواري، الشّهيد أحمد زبانة 1926-1956، الذي يقول عنه: “كان، أحمد زبانة، صديق الطفولة، وكان بيننا قرب ينم على عمق الصداقة والمحبة التي كانت تجمعنا. وكان سماع خبر استشهاد الرجل على المقصلة صدمة مفجعة بالنسبة لي”، صدمة ألمته لتأليف أغنيته الشهيرة “زبانة” وهي من كلمات الشريف حماني، ويقول مطلعها: “يا ذبايلي أنا على زبانة”.

ويمضي الشيخ بلاوي الهواري حاليا أيامه بين إسعاد ذويه بطلّته وبين تذكر الماضي بسلوته، مذكرا بمفارقة حياته حيث ولد في نفس السنة التي شهدت ولادة رجال عظماء، على غرار فيديل كاسترو ويوسف شاهين وميشال فوكو، كما عاصر كبار شعراء ومغني الراي القدماء بوهران وسائر الغرب الجزائري وغنى في شتى أنحاء العالم حتى في اليابان أين أدى أغنية تراثية محلية عنوانها “ساكورا” وعمل منذ مطلع الستينيات قائداً للأوركسترا السمفونية للإذاعة والتلفزيون، ما يعني أنه فنان أكاديمي يتقن مبادئ الموسيقى من صولفاج وغيرها من دراسات معمقة في “الموزيكولوجي”.

ولا ننسى أن الفنان بلاوي الهواري هو فنان جدّد الموسيقى الجزائرية، حيث عزف ألحانا يخال لسامعها وكأنها من هذا العصر ولكنها قد سجلت في الـخمسينيات، كما يعتبر أيقونة موسيقية وفنية جزائرية ومغاربية بل حتى عالمية.

محمد عبد النور