الرئيسية / ملفات / تبذيره من العائلات فرصة لكسب قوت البعض… بيع الخبز اليابس مصدر آخر للاسترزاق ومواجهة الفقر
elmaouid

تبذيره من العائلات فرصة لكسب قوت البعض… بيع الخبز اليابس مصدر آخر للاسترزاق ومواجهة الفقر

مستودعات تشغّل أطفالا ومراهقين في جمع بقايا “الكسرة”

تعرف تجارة بيع الخبز اليابس انتشارا لافتا، وأصبحت تشكل دخلا إضافيا للفقراء ومحدودي الدخل، حيث وجدت بعض العائلات طريقها لتوفير احتياجات أسرتها من خلال هذه التجارة التي توفر لهم مصروف الجيب، خصوصا مع الغلاء الفاحش للمواد الأساسية على غرار الخبز والحليب ومشتقاته، هذا بالنسبة للبعض، أما للبعض الآخر فقد تحولت هذه التجارة إلى مصدر ثراء.

لا يمكن أن تمر على حي اليوم دون أن تجد به شخصا أو اثنين يمتهنان هذه المهنة، أغلبهم يترددون على البوادي وعلى المناطق النائية أين يبيعون الخبز اليابس لمربي المواشي الذين يقبلون عليهم بكثرة لما له من أهمية في توفير الأكل لهذه الأخيرة، وتسهيل تسمينها حتى يكسب الموال من خلالها مبلغا معتبرا.

 

 

طاولة الخبز اليابس تبني فيلات وتكسب أصحابها سيارات آخر طراز

السيد “مختار” من ولاية البليدة عينة من تجار بدأوا من الصفر، وألحقتهم هذه التجارة بمنزلة الأثرياء ومع ذلك لم يتخلوا عنها، حكايته تعود بحسب ما سرده لـ “الموعد اليومي” لسنوات مضت عندما كان يسكن في بيت بسيط ببلدية باش جراح لا يتسع سوى لثلاثة أشخاص على أقصى تقدير رغم أنه أب لسبعة أطفال كان عمله متذبذبا، كل يوم يعمل في مجال معين، إلى أن اهتدى إلى هذه التجارة، يقول إنه كان يتقي الله منذ صغره في أمور الإسراف أين وجد والديه يحافظان على هذه المادة الأساسية، بدأت تجارته بعرض كمية منها بعدها بدأت بالتوسع بعد أن أصبح سكان الحي ينقلون إليه تقريبا بشكل يومي أكياس الخبز عوض رميها في القمامة، يقوم هو بعرضه على الشمس ليصبح يابسا أكثر ثم يتاجر به، بنقله إلى عدة مدن داخل وخارج العاصمة وبمرور الوقت أصبح له زبائن يقصدونه في مكان تجارته لأخذ ما يطلبونه، وفي حديثه عما جناه من هذه التجربة قال عمي مختار إنه بفضل هذه التجارة تمكن من شراء قطعة أرض بولاية البليدة شيّد بها فيلا من ثلاثة طوابق مع مساحات محاذية لها، حولها إلى حديقة غناء تدر سنويا كل أنواع الفواكه، كما اشترى سيارة له وسيارتين يركنان في مستودع منزله يستعملهما أبناؤه الذين مكنهم من اقتحام مجال التجارة في مجالات مختلفة، حسب عمي مختار دائما، فإنه بإمكانه اليوم توقيف نشاطه أو تغييره لأنه يمكن القول إنه أصبح ثريا، لكنه لن يقدم على ذلك ليس لأنها تجارة أكسبته أموالا فقط، بل تحولت إلى هواية وحب للحفاظ على نعمة الله معلقا على ذلك بالقول:”أنا حافظت على نعمة ربي وهو ما خيبنيش”.

وإذا كان عمي مختار اختار أن يزاول نشاطه في الشارع، فهناك من يقوم بالتنقل عبر المنازل بطرق الأبواب ويسألون أصحابها هل لديهم خبز يابس، وعادة ما يتوفر لهم الطلب وتقدم لهم هذه المادة في أكياس بلاستيكية، يقومون بتسويقها بعد ذلك خاصة عند مربي المواشي، وحول هذا ذكر رئيس الإتحاد الوطني للتجار بولنوار حاج الطاهر، أن هذا النوع من التجارة يجب الاعتراف به كنشاط تجاري ودعا إلى تقنينه حتى لا يكون مستقبلا مرادفا للفوضى، في الوقت الذي ذكر أن مزاولي هذا النشاط يحصلون على مقابل مالي يتراوح بين 400 و500 دينار على الكيس الواحد، وهي بذلك تجارة مربحة حسبه.

 

البياطرة يحذرون من تقديم الخبز اليابس للمواشي

حذرت النقابة الوطنية للبياطرة من مخاطر الخبز اليابس على المواشي، وأكد أحد ممثليها لـ “الموعد اليومي” أن عملية تحويل المواد لا تتم بطريقة طبيعية، ومع الوقت تقع للماشية مشاكل في المعدة وعسر الهضم، كما أن الحليب الذي تنتجه يكون ناقصا من حيث الجودة وليس في المستوى المطلوب، فتناول المواشي للخبز اليابس لوحده أو بنسبة كبيرة يشكل خطرا على حياتها، فإذا كان مقدّرا لها أن تعيش مثلا 10 سنوات، فإنها عندما تتناول هذا النوع من الخبز لا تعيش سوى 4 أو 5 سنوات، لأن التي تحلب كثيرا وتتابع الولادة تنقص لديها نسبة الكالسيوم، مما يشكل خطرا على حياتها، وبالتالي فإن الخبز اليابس يمكن أن يتسبب، في بعض الأحيان في موت المواشي، كما أن ظروف تخزين الخبز تطرح أيضا بعض المشاكل، فالذي يتعرض بكثرة للرطوبة يكون معرضا للطفيليات التي تفرز مادة سامة هي “الميكوطوكسين”، التي تصيب الماشية بتسمم حاد قد يؤدي إلى موتها في غضون 24 ساعة، إلا أن الخبز الذي يعرض لأشعة الشمس بقوة تزول منه الفطريات التي لها علاقة بالرطوبة، وبالتالي تبقى 80 بالمائة من المشاكل التي يطرحها الخبز مرتبطة أساسا بعسر الهضم والإسهال والتهاب معوي ناتج عن سوء الهضم قد تؤدي إلى الوفاة، إلا أن أغلب مربي الماشية لا يعتمدون الخبز اليابس وحده، بل يلجأون في غالب الأحيان إلى خلطه بالشعير أو الذرة أو النخالة.

 

“الكارانتيكا” و “شابلوغ “.. وجهة أخرى للخبز اليابس

يعتقد الكثير من الناس أن الخبز اليابس الذي يتم جمعه من المزابل وحاويات القمامة يوجه لتغذية المواشي وتسمينها، وإن كان هذا الاعتقاد يحمل جزء من الحقيقة إلا أن ما تبين من خلال هذا الاستطلاع هو أن بقايا الخبز التي يتم جمعها من مصادر مختلفة تجفف في ظروف سيئة وتباع إلى أصحاب مخازن يقومون بطحنها وتوجيهها لتحضير طبق “الكارانتيكا” وفتات الخبز “شابلوغ” حسب ما أكده لنا العديد من المواطنين.

جعلتنا الصدفة نلتقي بمحمد البالغ من العمر 17 سنة بينما كان في مهمة البحث عن بقايا الخبز المرماة هنا وهناك بالحاويات وفي مدخل البنايات، وقال لنا إنه يجمع الخبز

ويقوم بتجفيفه تحت أشعة الشمس ومن تم بيعه لأحد الأشخاص الذي يمر عليه كل أسبوع لنقل أكياس الخبز مقابل راتب أسبوعي يصل إلى 4800 دينار.

لم يكن يعلم محمد في البداية إلى أين يوجه الخبز اليابس، فقد كان يعلم أن صاحب الشاحنة يجمع كل أسبوع أطنان من هذه المادة من مجموعة من الشباب والأطفال وجدوا في هذه المهنة مصدرا للعيش والكسب.

وبعد علم محمد بوجود مخازن تجمع أطنان الخبز اليابس التي تجلب من المصدر المذكور وأيضا من المطاعم والفنادق والإقامات الجامعية وتقوم بطحنه بآلة خاصة ووضعه في أكياس كبيرة وإعادة بيعه. وتشغل هذه الورشات شبابا أعمارهم بين 16 و23 سنة يعملون في طحن الخبز اليابس.

 

أصحاب محلات “الكارانتيكا” ينفون استعمال خبز القمامات

من جهتهم، نفى بعض أصحاب محلات تحضير وبيع “الكارانتيكا” بالمدينة الجديدة بوهران والذين سألناهم عن حقيقة الوضع، استعمال الخبز اليابس في تحضير هذا الطبق الشعبي الواسع الاستهلاك، في حين ذكر البعض الآخر أنهم يستعملون كميات قليلة لا تتجاوز 400 غرام في صينية “الكارانتيكا” إلى جانب الحمص المطحون، وأفاد أحد باعة “الكارانتيكا” أن كميات قليلة من الخبز اليابس لن تؤثر على الذوق خاصة أمام غلاء الحمص الذي وصل إلى 360 دينارا للكيلوغرام الواحد، وعن مصدر الخبز أكد الباعة أنه نفس الخبز البائت والمتبقي لديهم، مؤكدين أنهم ليسوا على استعداد لخسارة زبائنهم باستعمال خبز القمامات -على حد قولهم-.