الرئيسية / ثقافي / تحكي وقائع من سجون الاستعمار في الجزائر…. “حيث تركت روحي” ذاكرة الجلاد تحت وقع تعذيب الأسير المنتقم
elmaouid

تحكي وقائع من سجون الاستعمار في الجزائر…. “حيث تركت روحي” ذاكرة الجلاد تحت وقع تعذيب الأسير المنتقم

حظيت رواية “حيث تركت روحي” للفرنسي جيروم فيراري بشهرة هائلة في فرنسا منذ صدورها في 2010، وتوجت بعدة جوائز منها جائزة تلفزيون فرنسا لأفضل رواية. وتحكي هذه الرواية وقائع من سجون الاستعمار في

الجزائر، وجلسات التعذيب والإعدام، بعد سلسلة الاعتقالات اليومية ومسلسلات القمع التي عاشها الجزائريون طيلة مدة الاستعمار، وقد ترجمها محمد صالح الغامدي مؤخرا إلى العربية عن دار “مسكيلياتي” التونسية.

 

وترد في الرواية قصة الضابطين هوراس أندرياني وأندريه دوغورس وما شهداه في الجزائر من تعذيب، حين يتم إلقاء القبض على طاهر، أحد زعماء جبهة التحرير الوطني، ويتم إعدامه لاحقا، ورغم ما ألصقه به النظام الاستعماري من تهم وما رسمه عنه من صورة متوحشة، إلا أن النقيب دوغورس تأثر به وأعجب بشخصيته الشجاعة، هذا الإعجاب الذي تتفطن له حكومة المستعمر وتعرض ضابطها دوغورس بسببه للمحاكمة.

ويعتبر تعلق دوغورس بمجاهد قام بتفجير ملهى مثار استغراب حكومة الاستعمار والمجاهدين المعتقلين وحتى القارئ، لدرجة أن هذا الضابط يتملكه شعور بالخيبة حين لم يسأل طاهر عنه ولم يراسله قبل إعدامه.

ويتراوح زمن الرواية بين الخمسينات وسنوات الاستقلال والمستقبل، يحكي فيها أندرياني ودوغورس ما شهداه من بشاعة الحروب في الجزائر والهند الصينية… وعن الأثر النفسي لتلك الجرائم لديهما.

كما تطرح الرواية علاقة الضحية بالجلاد، وتأثير العدو السجين وسيطرته على جلاديه، فرغم كونهم كجلادين فقدوا عاطفة الانسانية وأحاسيس المروءة، إلا أنهم يبقون مهووسين بحب التعرف على مبادئ المعتقل ومدى صبره على أقصى درجات التعذيب والحرمان وشجاعته في تحمل ذلك.

وتأتي الرواية على لسان أندرياني، فهو الراوي الذي عاش ويلات الحرب وعايش آلام الآخرين، فهو يستحضر كل العذاب وكل المعذبين والمقتولين، “فهو يسترجع كتل اللحم البشرية التي شاهدها في المعارك وأقبية التعذيب، وكأنه قد اختزن بداخله كل تاريخ البشرية الأليم الذي يرويه للنقيب دوغورس وللقراء ولكل الأجيال المقبلة بالعالم، فهي معاناة الجندي بعد الحرب، من أمراض نفسية وكوابيس واستحضار للتفجيرات والصراخ والبكاء والرصاص، وكأنها جنون يتخبط الذاكرة بين هيستيريا الجلاد المتلذذ بالتعذيب وبين استفاقة الانسان الحي وقد تملكه تأنيب الضمير”.

ويصيب الضابطين الفرنسيين في الأخير الحنين إلى ماضيهما في الجيش، فتارة يفتخران بإنجازاتهما العسكرية ويمجدانها، ثم تطغى عليهما أعصابهما لما مارساه من عمليات التعذيب الشنعاء، بغض النظر عن تشاجرهما لمرات عديدة، فرغم كونهما صديقين اقتسما ذكريات الحرب إلا أن أندرياني بغض رفيقه بغضا شديدا بمجرد أن رأى اعجاب دوغروس بطاهر وأداء التحية العسكرية له، فالعلاقة بين الثلاثة لا يحددها الفوز أو الخسارة، أو النجاة والموت، فكل منهم أسير لما ارتكبه، خاصة وأن صور القتل والدماء وأكوام الجثث آلت إلى كوابيس أبدية علقت بذاكرتهم، وكأنها جحيم سعرت لمجرمي الحرب.. إنها ذاكرة الجلاد تحت تعذيب الأسير المنتقم.