الرئيسية / حوارات / تكرار سيناريو الثمانينات أمر مستبعد

تكرار سيناريو الثمانينات أمر مستبعد

وضع حد للمساس بالمؤسسات السيادية قرار شجاع من الحكومة

قال الدكتور محمد حداد الخبير الاقتصادي والأستاذ بجامعة الجزائر” 3″ كلية الاقتصاد والتسيير والعلوم التجارية،

 

بأن التنازل عن بعض الأسهم في المؤسسات الوطنية كسوناطراك وسونلغاز بالدينار الرمزي وإعطاء صلاحية التعديل لوزير المالية كان سيكون خطأ كبيرا لمجابهة آثار الأزمة المالية على الاقتصاد الجزائري، مثمنا الاستدراك والقرار الشجاع الذي قامت به الحكومة الجزائرية وما جاء في مسودة تعديل الدستور التي حسمت الموقف ووضعت حدا للمساس بالمؤسسات السيادية.

أشار الدكتور محمد حداد الخبير الاقتصادي في حوار خاص لـ”الموعد اليومي” بأن الاستدانة الخارجية التي طرحت مؤخرا وتم الحديث عنها تعتبر “سيفا ذا حدين”، إما أن تؤدي إلى ترشيد عجلة التنمية الاقتصادية في القطاع الإنتاجي أو تؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم وحصول ركود اقتصادي بالجزائر، موضحا بأنه إذا كانت الاستدانة المسموح بها الآن بعد 6 سنوات موجهة إلى القطاع الاستهلاكي وشراء السلم الاجتماعي ورغد العيش الكريم، ستؤدي حتما إلى تثبيط الادخار المحلي وبالتالي تراجع الاستثمارات المحلية وتباطؤ النشاط الاقتصادي وزيادة الاستيراد وارتفاع معدلات التضخم، باعتبار أن دخول العملة الصعبة بدون زيادة في الناتج المحلي الخام سيؤدي  إلى الارتفاع في الأسعار وعرقلة مسار التنمية ولهذا من الخطأ -بحسبه- أن تعتمد الحكومة على الاستدانة للمشاريع الاستهلاكية .

* سياسة ترشيد النفقات عملية محببة  تؤدي إلى تنشيط الإنتاج المحلي

وأوضح الدكتور محمد حداد بأنه يجب أن توجه الاستدانة -إن كان لابد منها طبعا- إلى القطاع الإنتاجي الذي يمكن أن يصدر منه منتجاته، وبالتالي إذا كانت المؤسسات تطالب الاستدانة الخارجية هي مؤسسات إنتاجية تعمل على تصدير المنتجات بقيمة مضافة معتبرة يمكن من خلال هذه القيمة أن تدر عملة صعبة وأن تسدد الديون من خلالها وتحقق الأرباح شيء جميل، أما إذا كانت عكس ذلك فهذا سيرهن مستقبل التنمية في الاقتصاد الجزائري ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

كما أوضح محمد حداد بأن الجزائر كانت أقل تأثيرا بالنسبة لدول العالم فيما يخص الأزمة المالية العالمية لأنها والدول النامية، أقل ولوجا للعولمة المالية، مضيفا بأن التأثير في الجزائر كان بالنسبة لتراجع الطلب على النفط وبالتالي تراجع المداخيل بالإضافة الى انخفاض قيمة الدولار، ما أدى إلى تراجع سعر الصرف وفقدان البلاد حوالي 300 مليون دولار في إطار عملية حسابية في حساب سعر الصرف.

وأشار حداد إلى أن ايرادات الخزينة العمومية الجزائرية 98بالمائة منها عبارة عن ايرادات نفطية او جبائية نفطية، والآن مع انهيار كبير في أسعار النفط أدى ذلك لفقدان الجزائر سنة 2015 تقريبا 30 مليار دولار، الشيء الذي يمثل “انتكاسة كبيرة جدا” لإيرادات الحكومة الجزائرية .

ويعتقد المتحدث أن الإجراءات المتخذة ستكون ربما في تعويض ومحاولة تخطي الأزمة باعتبار أن أسعار النفط تحدد بعوامل خارجية لا تتحكم فيها الحكومة الجزائرية سواء أكانت متغيرات خاصة بمستوى النشاط الاقتصادي العالمي أو كانت بمستوى الإنتاج خارج منظمة “أوبك” أو عن طريق متغيرات جيو سياسية على مستوى الشرق الأوسط أو الدول العالمية .

كما يعتقد  المتحدث ذاته بأن الإجراءات لن تؤتي أكلها في الوقت الحالي وهي إجراءات استباقية في ظل التراجع الرهيب في أسعار النفط وأن سياسة التقشف وترشيد النفقات عن طريق التركيز فقط على السلع الأساسية خاصة بالنسبة لسياسة ضبط الواردات هي عملية محببة لو تؤدي إلى تنشيط الإنتاج المحلي خاصة في بعض السلع .

* السياحة قطاع واعد في “سد الفجوة” الناتجة عن تراجع أسعار النفط

وأضاف المتحدث أنه إذا كانت فاتورة الجزائر في 2014 لدينا حوالي 10مليون دولار من “المايوناز” مثلا هذا سيؤدي بنا إلى محاولة دفع المؤسسات المصغرة والمتوسطة إلى إنتاج هذه المواد ومنع استيرادها رغم إمضاء الجزائر لاتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ومحاولة دخولها في المنظمة العالمية للتجارة، وبالتالي هذه الوضعية تتطلب منا القيام بإجراءات صارمة وشديدة الحزم من أجل ترشيد نفقات وإيرادات الجزائر من خلال تنويع الاقتصاد الجزائري ومحاولة بعث الروح من جديد في قطاع السياحة الذي يدر بالنسبة للجزائر تقريبا 6مليارات دولار، ويعد كقطاع واعد في الحلول العاجلة التي يمكن أن يعتمد عليها البلد في سد الفجوة الناتجة عن تراجع أسعار النفط، فضلا عن محاولة ضبط الاقتصاد الموازي وزيادة مداخيل الضرائب باعتبار أن  رسمنة الاقتصاد الموازي يعادل 500 مليار دينار ما يقارب 05 مليارات دولار، الشيء الذي يمثل متنفسا آخر وعاجلا تستخدمه الحكومة لسد الفجوة المذكورة.

ونبه المتحدث للجانب الفلاحي المهم للمساعدة على الخروج من المشاكل الاقتصادية التي تواجهها الجزائر، حيث أكد أن القطاع المذكور لديه شبه تغطية مهمة في ما تعلق بالمنتجات الفلاحية التي يمكن أن تعتمد عليها الحكومة الجزائرية في تصديرها نحو الدول الأوروبية التي تلقى فيها راوجا كبيرا وذلك من خلال تكييف وتسهيل إجراءات التصدير وربط الشراكة مع الدول خاصة الدول العربية والصحراوية .

كما نبه الى ضرورة رسمنة الاقتصاد الموازي بما يتماشى وزرع الثقافة الضريبية عند المستثمريين، ومن ثم إدخال الاموال الموجودة على مستوى أرباب العمل على اعتبار أن قيمة الضرائب تعادل 05 مليارات دولار وهو مبلغ لا يستهان به .

* الحكومة أمام فرصة لإعادة بعث عجلة التنمية الاقتصادية

من جهة أخرى اعتبر محدثنا أن الزيادات الأخيرة في البنزين والمحروقات والكهرباء في إطار قانون المالية 2016 لا يمكن أن تعوض الخسائر الناتجة عن انخفاض أسعار البترول، داعيا إلى تحرير هذه الأسعار باعتبار أن الحكومة الآن في إطار سياسة ترشيد النفقات تعمل على إعادة إعطاء الدعم للمواد الأساسية لمن يستحقها أي الدعم المباشر .

وتحفظ محدثنا من استفادة الاغنياء بالجزائر من الكهرباء والبنزين والماء بالدينار الرمزي، واصفا ذلك بالخطأ، داعيا الى تعميم الاسعار بالنسبة للمواد الاساسية لكل الطبقات لأنه -بحسبه- يثقل كاهل الحكومة الجزائرية والخزينة العمومية على وجه الخصوص، لأن الاحتياطات النفطية ضعيفة وقليلة نظرا للمقولة القائلة : إنه حتى وإن ترتفع الاسعار لا يمكن أن ترتفع إلى مستوى اكثر من 60 دولارا، وبالتالي يؤدي ذلك إلى ارهاق الخزينة العمومية خاصة وأن أسعار كثيرة مدعمة تدعيما كبيرا من الحكومة التي تريد إعطاء الدعم المباشر للفقير والمحتاج الذي يستفيد من هذا الدعم مائة بالمائة، أما الاغنياء فيرفضون أن يدفعوا مستحقات هذه السلع .

* الجزائر ليست في أزمة وإنما المؤشرات الاقتصادية والأسباب تدفع لذلك

وفي سياق ذي صلة استبعد محدثنا  تكرار سيناريو الثمانينات في ظل تزايد مخاوف من طول الازمة المالية، مؤكدا أن تراجع الايرادات يشابه تراجع ايرادات سنة 1986 لأن ايرادات الجزائر في تلك الفترة قاربت 8 مليارات الى 9مليارات دولار بعدما كانت 40مليارا لكن أوجه التشابه مستحيلة خاصة مع اختلاف مؤشرات النمو .

واشار الدكتور حداد أن معدل التضخم في 86 كان 8 بالمائة ومعدل النمو 0،6 والبطالة كانت حوالي 10بالمائة، أما الآن فلدينا معدل النمو ما بين 4 الى 5 بالمائة بمعنى اكثر 10مرات من الفترة المذكورة ومعدل البطالة منخفض خاصة أن عديمي الشهادات قارب 3 بالمائة في وقت كان احتياطي الصرف في 86 حوالي 8مليارات دولار بينما احتياطي الصرف الان 150مليار دولار بالإضافة الى أن معدل التضخم الان 2الى 3بالمائة .

وشدد الدكتور حداد أن الحكومة امام فرصة لإعادة بعث عجلة التنمية من جديد لأن الجزائر ليست في ازمة وإنما المؤشرات الاقتصادية والأسباب تدفع للذهاب الى الازمة ان لم نبحث عن الحلول العاجلة.