الرئيسية / ملفات / جبل مرجاجو بولاية وهران.. ثروة غابية وموقع تاريخي يشجع السياحة الإيكولوجية 

ثروة غابية وموقع تاريخي يشجع السياحة الإيكولوجية 

جبل مرجاجو بولاية وهران.. ثروة غابية وموقع تاريخي يشجع السياحة الإيكولوجية 

– فسيفساء طبيعية على مدار الفصول

يقف جبل “مرجاجو” الشهير المنتصب على قمة مدينة وهران، قبالة البحر مناغيا الاخضرار وسط بانوراما فريدة يندر أن تجدها في مكان آخر، هذا الجبل الذي يُعد من المواقع التاريخية والسياحية الشهيرة في المنطقة، فهو يمنح السائح فرصة الاستمتاع بشساعة البحر وزرقته وتزاوجه مع اخضرار الطبيعة المنعشة ربيعا، وبياض الثلج ونقاوته شتاءً، في منظر بانورامي خلاب لجمال عاصمة غرب البلد، وجامعا لفسيفساء الطبيعة الساحرة.

يبلغ ارتفاع جبل مرجاجو 429.3م، وهو يقف شامخا فوق مدينة من أعرق المدن الجزائرية وأقدمها، حاملا العديد من المباني الضاربة في عمق التاريخ، والتي بقيت شاهدة على تاريخ مدينة الباهية على مر السنين.

 

سلسلة جبلية وثروة نباتية متنوعة

وتحتوي سلسلة “مرجاجو” الجبلية على كم كبير من النباتات، فإلى جانب نبات “الدوم” المنتشر بكثرة هناك، نجد نبات “القرنفل” و”الأقحوان”، “السنديان الأخضر”، “الزان “، وأشجار الصنوبر، إضافة إلى الإجاص الشائك والصبار الشوكي، التي تشكل العناصر الأساسية في رسم الصورة النباتية لهذا الجبل الذي هو عبارة عن سلسلة جبلية ممتدة عبر بلديات وهران وعين الترك وبوتليليس.

 

40 مغارة ضاربة في عمق التاريخ

كما يحتوي جبل “مرجاجو” الضخم على قرابة 40 مغارة يعود تاريخها إلى مائة ألف سنة قبل الميلاد، وتحتوي هذه المغارات بدورها على قسط وافر من الفطريات ونبات الصنوبر.

من “إيدور” إلى “مرجاجو” تغيّر الاسم وبقي الجبل شامخا

نُسجت الكثير من القصص والأساطير حول الاسم الذي يحمله هذا الجبل، حيث تقول الروايات الشفهية إنه كان يعرف باسم “هيدور” في القرن الثالث الميلادي ليتحول بعد ذلك إلى مرجاجو إبان الاحتلال الإسباني لمدينة وهران دون تقديم أي شرح لمعناه.

كما تتردد على ألسنة البعض أن اسم مرجاجو اشتق من اسم “شيخ المرجى” الذي كان رئيس قبيلة معروفة بوهران في زمن بعيد، وسخّر هذا الشيخ أهل قبيلته والحيوانات و”قرابي المياه” لتشييد حصن “سونتا كروز” مع الإسبان بأعلى قمة الجبل.

لكن الباحث في الآثار “أورابح ماسينيسا” أشار إلى أنّ جبل مرجاجو الشاهق الذي يبلغ ارتفاع قمته 429.3 متر عن سطح البحر، عُرف باسم “إيدور” في القرن الثالث عشر الميلادي ليتحول بعد ذلك إلى مرجاجو أثناء الاحتلال الإسباني لمدينة وهران، حيث يُرجّح الباحث أورابح أن يكون أصل التسمية مستوحى من الكلمة الإسبانية “مرخاخو” وتعني نبات “الدوم”، وهو النبات الأكثر انتشارا بالجبل المذكور.

 

جبل مرجاجو… منبع للتراث الشعبي الوهراني

ولا تقتصر الحكايات الشعبية على قصص الأسماء الحقيقية لجبل مرجاجو، وإنما نُسجت حكايات أخرى عن مغاراته وغيرانه التي كان يقصدها شباب المنطقة لجمع الفطريات وبيعها في أسواق الأحياء الشعبية كسوق حي الدرب وسيدي الهواري والصنوبر المجاورة، أو من أجل جمع الحطب المتناثر هناك واستخدامه في طهي الخبز التقليدي الذي يُحضر من الدقيق ويطهى على النار، كما تشكل الزيارات لقبة الولي الصالح سيدي عبد القادر “مول المايدة” الموجود في الجبل إحدى العادات الشعبية التي ما زالت تحافظ عليها بعض الأسر الوهرانية، حيث تقام له الوعدات باعتباره “العين الحارسة” لجبل المرجاجو.

 

رداء أبيض شتاء وحلة خضراء ربيعا

وكغيرها من قمم الجزائر ومرتفعاتها الساحرة، يزدان جبل مرجاجو في فصل الشتاء برداء أبيض كالقطن نقي نقاوة الطبيعة هناك، ثم يتحول إلى جزيرة خضراء في موسم الربيع، تغري المتسلقين كما الحالمين والراغبين في اقتناص لحيظات استرخاء ومرح على ارتفاع مئات الأمتار عن سطح البحر.

 

مرجاجو.. منارة قادرة على تعزيز سياحة إيكولوجية

ولأنّ هذا الجبل الشامخ يمتلك خواصا غير عادية ويربط عديد البلديات ببعضها، يراه العديد من محبي الطبيعة والناشطين في جمعيات بيئية محلية، منارة قادرة على تعزيز سياحة إيكولوجية بوسعها تغيير وجه المنطقة، خصوصا مع امتلاك وهران لجزر “حبيباس”، “بلان” و”رشقون” الواقعة غرب الجزائر، والتي تنتظر تفعيلا لأرصدتها البيئية وارتقاء بتنوعها البيولوجي بعيدا عما يتهددها من مخاطر قد تضر بواقعها و مستقبلها .

ويستقطب مرجاجو آلاف الراغبين في استكشاف مراياه الأثرية كالحصن العتيق “سانتا كروز”، و”كنيسة العذراء” وبقايا “القرى البربرية” المتناثرة عبر السلسلة الجبلية وما تبقى من “طريق الحصن الروماني” والكهوف، كما تستهوي الحظيرة الطبيعية بأعالي مرجاجو، عشاق رياضتي المشي والدراجات.

ويحتضن هذا الموقع سنويا أكبر تظاهرة سياحية محلية تنظمها جمعية “الأفق الجميل” حيث يشارك فيها آلاف المواطنين من مختلف الفئات العمرية والشرائح الاجتماعية ويلتقي فيها محبو المعالم الأثرية والطبيعة في جولات على الأقدام، تتسارع وتيرتها خصوصا في مواسم العطل.

ويُشار إلى أنّ التظاهرات الدورية التي تقام بحصن “سانتا كروز” بأعلى قمة جبل مرجاجو، كعيد السردين ويوم الجبل وغيرهما من المناسبات التي تزخر بها المنطقة، والتي تسمح بتعزيز السياحة الإيكولوجية، طالما أنّ المكان يُصنّف كموقع جذاب لها.

 

حملات تشجير وتوعية المواطنين للحفاظ على هذه الثروة

وللحفاظ على هذه الثروة، تنظم محافظة الغابات مع كل حملة تشجير عمليات لغرس الأشجار على الجهة الممتدة من حي “الصنوبر” بعاصمة الولاية إلى مركب “الأندلسيات” غربا، فضلا عن توعية المواطنين حول أهمية الجبال ودورها الكبير في الحفاظ على التوازن البيئي بمشاركة الجمعيات ومحبي الطبيعة والسياحة الجبلية.

وقد استفادت هذه الجهة المتربعة على مساحة 1400 هكتار من عملية إعادة تشجير على مساحة 50 هكتارا من أشجار الصنوبر الحلبي بغرض الزيادة من الكثافة النباتية للجبل وحمايته من انجراف التربة وكذا أشغال تنقية وتطهير على مساحة 200 هكتار، فيما يجري إنجاز 20 هكتارا من الأشغال، حسب مسؤولي محافظة الغابات.

ونظمت نفس الهيئة، نهاية السنة الماضية، حملة لغرس ما بين 500 وألف شجرة من نفس الصنف وتواصلت لمدة ثلاثة أشهر، وذلك بمشاركة الجمعيات المحلية وعناصر الكشافة الإسلامية الجزائرية.

“مرجاجو” متحف مفتوح وقطب سياحي بامتياز

وتزدان أعالي جبل “مرجاجو” بمعالمه الأثرية التي تعود إلى حقب تاريخية مختلفة ولكنها تشترك في كونها غابرة وضاربة في التاريخ، ومن أبرزها حصن “سانتا كروز” و”كنيسة العذراء” وبقايا “القرى البربرية” المتناثرة عبر السلسلة الجبلية وما تبقى من “طريق الحصن الروماني” والكهوف، فضلا عن قرابة 40 مغارة يعود تاريخها إلى مائة ألف سنة قبل الميلاد.

وجعلت هذه القطع الأثرية التي تحمل أكثر من دلالة تاريخية من جبل “مرجاجو” قطبا سياحيا بامتياز وقبلة للزوار القادمين من داخل وخارج الوطن والذين يقضون لحظات في استنطاق تاريخ هذه المعالم، وقد زينت قمة جبل “مرجاجو” تلك الحظيرة الطبيعية التي أنشئت في سنة 1852 على مساحة 600 هكتار وممراتها المهيأة لهواة الطبيعة من ممارسة رياضتي المشي والدراجات، ويحتضن هذا الموقع سنويا أكبر تظاهرة سياحية محلية تنظمها جمعية “الأفق الجميل” بمناسبة إحياء شهر التراث، حيث يشارك فيها آلاف المواطنين من مختلف الفئات العمرية والشرائح الاجتماعية ويلتقي فيها محبو المعالم الأثرية والطبيعة في جولة على الأقدام تدوم أكثر من ساعة. ويساهم المصعد الهوائي في تنشيط الحركة السياحية بهذا الجبل لاسيما مع نهاية الأسبوع الذي يسجل إقبالا كبيرا للمواطنين طلبا للراحة والاستمتاع بطبيعته.

 

تقاطع محتويات الجبل مع متحف زبانة

وتبرز أهمية السياحة الإيكولوجية في وهران من خلال تقاطع ما يحتويه “مرجاجو” مع متحف “أحمد زبانة” الذي يتوفر على مجموعات تاريخية لها مكانة معتبرة نظرا لقيمتها الإيكولوجية والتاريخية، حيث تضم عينات محنّطة وعظمية، تم اقتناؤها إثر عمليات استكشافية منذ بدايات القرن التاسع عشر، بينها بعض الأنواع النادرة لسلاحف بحرية والثدييات كالفقمة وأسد البحر والفهود، فضلا عن الطيور، الزواحف، ومجموعات متنوعة من النباتات والحيوانات.

وتسعى محافظة الغابات المحلية على لسان مسؤوليها لإثراء جبل “مرجاجو” بالكثافة النباتية وإلباسه غطاء أخضرا عن طريق الإكثار من استزراع أشجار فستق الأطلس واليرقان والسنط والسرو، فضلا عن بلوط الفلين وأرز الأطلس، ما سمح خلال الفترة الماضية بغرس قرابة ألف شجرة، بالتزامن مع حملات زرع الوعي لدى مواطنيهم بحتمية تأمين الجبل ضدّ ظواهر غير صحية كالبناءات الفوضوية والصيد العشوائي ومحذور التلويث.

 

المختصون ينادون بضرورة حماية الجبل

وينادي متخصصون بضرورة حماية جبل مرجاجو، وتحسيس السكان أكثر فأكثر بضرورة الحفاظ على الفضاءات النباتية والحيوانية التي تلعب عدة وظائف بيئيا، اجتماعيا واقتصاديا، وذلك مرهون حسبهم بمعالجة الأحواض المنحدرة وتوسيع ثروات مرجاجو لتحقيق التوازن الإيكولوجي المرتجى.

وتشير بيانات المديرية العامة للغابات إلى تضرر 14 مليون هكتار بالانجراف في المناطق الجبلية، في حين أنّ 12 مليون هكتار معرضة لهذه الظاهرة على مستوى الأحواض المنحدرة مهددة بذلك السدود بالتوحل.

وزادت التغيرات المناخية، سيما السيول غير المنتظمة بجانب حرائق الغابات، من تدهور المناطق الجبلية إضافة إلى ممارسات غير سليمة كسوء استعمال الموارد الطبيعية وغياب مخطط تهيئة للفضاءات الجبلية، ما يؤثر على حوالي 1169 بلدية و1.2 مليون أسرة، في وقت يمكن لفعل اقتصادي إيكولوجي مستدام أن يستحدث أكثر من مليون منصب شغل ويضمن إعادة تأهيل أكثر من 8 ملايين هكتار.

لمياء بن دعاس