الرئيسية / ملفات / جيجل.. معانقتها لزرقة البحر واخضرار الطبيعة نصباها جوهرة الشرق الجزائري

جيجل.. معانقتها لزرقة البحر واخضرار الطبيعة نصباها جوهرة الشرق الجزائري

 ارتبط اسم مدينة  جيجل دائما بالبحر، وهي تعد من أهم المناطق السياحية في بلدنا، نظرا للطبيعة الخلابة التي حباها بها رب العالمين، فهي واجهة سياحية بامتياز تسلب القلوب من أول نظرة،

تمازجت فيها زرقة البحر بجبالها وغاباتها الغناء، وتنوعت فيها الثقافات والأماكن؛ فمن الشطوط الرملية إلى الصخرية إلى الكهوف الحجرية التي تغوص بنا في عمق التاريخ وتدل على الوجود المبكر للإنسان في هذه المناطق بل حتى منحوتات عصر الديناصورات، كل هذا جعل من جيجل وجهة سياحية بامتياز خاصة بالنسبة لسكان المناطق القريبة منها والأجانب الذين سحرتهم فلم ينسوا سحرها، فهي منطقة ألهبت الأفئدة وتغنى بها الشعراء والفنانون وكانت مرفأ مهما منذ القدم، توفرت فيها كل الشروط لتكون الوجهة السياحية الأولى في الجزائر خاصة في ما يسمى السياحة البحرية.

  جيجل ..جوهرة الجزائر العريقة

تحتل ولاية جيجل موقعا استراتيجيا في الشمال الشرقي للجزائر 400 كلم شرق العاصمة، ملتقى عدة حضارات ولا تزال العديد من المنمنمات الأثرية شاهدة على ما خلّفه الرومان والفينيقيون والقرطاجيون وغيرهم، بصورة تجعل “جيجل” المتربعة على مساحة قدرها 398 2 كلم، والمطلة على البحر الأبيض المتوسط شمالا بشريط ساحلي يمتد على مسافة 120 كلم، غنية بالأحداث التاريخية وملحمة حية لأحد أهم روافد الذاكرة الجمعية الجزائرية، فمن هنا مر الفينيقيون، الرومان، الوندال والقرطاجيون، ومن هنا تعيش التاريخ من جديد من المرحلة الفينيقية إلى المرحلة الرومانية إلى نهاية الحضارة الإسلامية، بحيث تجد الخاصية التاريخية لكل منطقة، تجعلك تحلم وتتخيل كيف كانت الحياة في تلك المراحل.

وينحدر إسم المدينة، من لفظ “إيجيلجيلي” وهو تعبير يجد جذوره في الحقبة التاريخية إلى زمن تواجد الرومان، بل إلى الفينيقيين الأوائل، الذين أشاروا في مخطوطاتهم، إلى وجود شبه جزيرة على الساحل الشمالي الشرقي للجزائر، كان يطلق عليها مسمى “جيل جيل” نسبة إلى حيز صخري مستدير، وقد تغير اسم”جيجل” بتعاقب مراحل التاريخ، فتحولت من إيجيلجيلي إلى جيجيلي وفي الأخير جيجل.

 جبال هائلة وكهوف مدهشة

 تتميز جيجل بجبالها وكهوفها المدهشة وغاباتها  الكثيفة التي  تشكل بخضرتها مع زرقة مياه البحر مشهدا خلابا وتزخر بمعالم أثرية كثيرة تجعل منها مقصدا لآلاف السياح الذين يفدون إليها حيث يجدون المرافق والخدمات السياحية المتميزة. ومن معالمها الكورنيش البحري المطل على مناظر غاية في الروعة، العوانة حيث  جريان البحر ينقلك إلى المناطق الساحرة والصخر الأسود الذي يسمح بتكامل الجسد بالفكر من خلال النباتات المغروسة وسيمفونية الطيور الموجودة.

 مــدينــة البــحــر والــجمــال

 من يدخل ولاية جيجل ولا يزور معالمها السياحية كمن لم يزرها أصلا، ونظرا لقيام السلطات المحلية بإعداد مطويات ولافتات في الشوارع الرئيسية حول أهم النقاط السياحية والشواطئ الساحرة، فإن العائلات التي تأتي لتكتشف عاصمة الكورنيش عادة ما تبدأ جولتها من الناحية الشرقية انطلاقا  من شاطئ ”بن بلعيد” ببلدية خيري، مرورا بشواطئ ”سيدي عبد العزيز” و”صخرة البلح” و”المزاير” و”تاسوست”، وصولا إلى ”كتامة” والخليج الصغير الذي يعتبر مسبحا طبيعيا، وكذا شاطئ المنار الكبير بموقعه الخلاب والمحاذي للمنارة الكبيرة وحكايتها مع التاريخ وأسطورة حجرة ”لالة خديجة ومريم” القابعة في البحر على بعد حوالي خمسة كيلومترات من اليابسة، لتعبر قمة الملكة ”مزغيطان” الشقيقة التوأم لـ ”يما غوراية” ببجاية والتي رفضت الزواج من أمراء وملوك فينيقيين في القرن الرابع أو الخامس قبل الميلاد، وحكايتها مع الحصان الذهبي المزعوم التي تحتفظ الذاكرة الشعبية بالكثير منها، لتعرج العائلات بعدها على حديقة الحيوانات بـ ”كسير” والتي تستقبل أزيد من ألفي زائر يوميا وكذا شاطئ ”برج بليدة” الذي يتوفر على مخيم دولي للشباب ومسرح في الهواء الطلق يعود للحقبة الرومانية.

أما بـ”العوانة” فإن المناظر الطبيعية تستدعي من الزائر التوقف بها لالتقاط صور تذكارية والتمتع بمنظر الجزر الموجودة في عرض البحر سيما ”جزيرة الأحلام”، والتي غالبا ما تستقل العائلات ”قوارب بحرية” لزيارتها، والشيء نفسه يقال عن جزيرة ”الصخر الأسود”،  وعند مخرج ”العوانة” تنطلق رحلة زوار جيجل على مستوى الكورنيش بحيث يجد الوافد عليه عينا بها مياه عذبة ومكانا رائعا للاستراحة خاص بالعائلات ينام تحت سفح جبل العوانة بخضرته الداكنة، وتكون الرحلة مع منعرجات الكورنيش على مستوى الطريق الوطني رقم 43 الرابط بين جيجل وبجاية، وقد ينال الدوار من الأشخاص الذين يخافون المنعرجات، إلا أن التصاق زرقة البحر بشموخ جبال ”بوحنش” الخضراء تزيل الدوار وآلام الرأس والمعدة وتأخذ الزائر بعيدا عن الضجيج ليتمعن في إبداع الخالق، وبعدها تستقبل منطقة ”أفتيس” الزوار بشواطئها الخلابة ورمالها الحمراء ومئات المخيمات المتناثرة هنا وهناك، ويكون بذلك الزائر قد دخل إقليم الحظيرة الوطنية ”تازة” التي تنفرد بمناظر مذهلة وغريبة في الوقت نفسه على طول تسعة كيلومترات وعلى مساحة 3807 هكتار، كما يتواجد بها طائر ”كاسر الجوز الهندي” وهو الذي فضل غابات ”البابور” على بقاع العالم.

وبعدها تطل على الزائر مغارة ”غار الباز” المتواجدة بمنعرج خطير يصعب التوقف به لسائقي السيارات، وهو عبارة عن متحف يعود لحقبة ما قبل التاريخ ارتأت السلطات المحلية تحويله  من ملجأ للأبقار والحيوانات البرية إلى هيكل تربوي وسياحي يضم مجسمات للإنسان الحجري والحيوانات الضخمة كالديناصورات والخفافيش وغيرها،  بعدها يجد الوافد مباشرة عجائب عاصمة الكورنيش المتمثلة في المغارة العجيبة والتي اكتشفت سنة 1917 ويجبر جمالها الزائر على التزام الطابور للدخول، نظرا للتوافد الكبير الذي تعرفه.

 ومن أعلى واد ”دار الواد” يتراءى شاطئ الكهوف العجيبة في شكل هلالي وقد اكتظ بالعائلات بعدما قامت السلطات المحلية بتهيئة الطريق وإنجاز العديد من العيون العمومية،  وكذا تهيئة كل مداخله. وفي أعلى الشاطئ نجد الحديقة الغابية في الهواء الطلق حيث تفضل العائلات تناول وجبات الغداء وملاطفة القردة التي تصطف على طول الطريق، وزاد مشروع إنجاز نفق الكهوف العجيبة من فضول الزوار للتوقف طويلا والتقاط صور تذكارية، بعدها يواصل الزائر رحلته السريعة باتجاه مدينة زيامة منصورية حيث الشواطئ الجميلة منها المفتوحة أمام المصطافين كـ ”الولجة” و”التربة الحمراء”.

 30 دينارا لمشاهدة كأس العالم وتمثال الحرية بأمريكا وبرج بيزا بإيطاليا

 تمثل المغارة العجيبة بزيامة منصورية  أحد أهم المعالم الأثرية والسياحية في الجزائر، إضافة إلى كهوف أوقاس ببجاية، وبني عاد بتلمسان، هذه الكهوف تزداد شهرتها من سنة لأخرى وطنيا ودوليا، حيث تعرف يوميا توافدا كبيرا للزوار ، فيها نوازل تشبه آلات عزف إفريقية تصدر أصواتا شجية، تمثال الحرية بأمريكا، وكأس العالم.. أهم ما يميز مغارة الكهوف العجيبة، التي تقع غرب عاصمة ولاية جيجل بحوالي 35 كلم، وبالضبط بمحاذاة “دار الواد” في الزاوية المقابلة لنفس الشاطئ، وقد اكتشفت سنة 1917 من طرف عمال الجسور والطرقات أثناء قيامهم بشق الطريق الوطني رقم 43 الرابط بين جيجل وبجاية، وهو يتوسط الكورنيش الجيجلي على مسافة 25 كلم، مما اضطرهم إلى ثقب نفق أدى إلى ظهور هذه المغارة التي تشكل ظاهرة عجيبة في شكل معلم طبيعي أثري وسياحي، ومن غرائب هذه المغارة احتواؤها على أشكال غريبة مجسدة في الطبيعة عبر العالم، تشكلت بفعل ظاهرة تسرب مياه الأمطار المحملة بالكلس والأملاح المعدنية مشكلة بذلك نوازل وصواعد وأشكالا مختلفة، من بينها تمثال الحرية بأمريكا، كأس العالم، برج بيزا بإيطاليا، قصر الكريملين بموسكو، البوذا، سمكة مجمدة، ضرسة كبيرة بجذور، اسم الجلالة “الله” بالعربية، شكل جنين في بطن أمه، الأرجل الأربعة للجمل، القردة الثلاثة التي تمثل رمز الحكمة، وغيرها من الأشكال التي أبدعها الخالق، والتي تشكلت بواسطة الترسبات الكلسية داخل المغارة بفضل مياه الأمطار التي تكون محملة بمختلف المعادن خاصة وأن التذكرة لا يتعدى ثمنها 30 دج، تسمح بمشاهدة هذه العجائب التي  تعود إلى أزيد من 2000 قرن.

ومن عجائب وغرائب هذه المغارة أيضا نمو هذه النوازل والصواعد، بحسب ما أثبته الخبراء، بمعدل 01 سم في القرن، وأن درجة الحرارة داخل المغارة ثابتة طيلة فصول السنة، وهي تحمل ترقيم ولاية جيجل أي 18 درجة.. في حين تبلغ درجة الرطوبة 60 فما فوق.

 جيجل قبلة العرسان الجدد

 جيجل الأرض العذراء الطيبة التي ألهمت العديد من الشعراء، عرفت توافد وهروب مئات العرسان الجدد لقضاء شهر العسل، الباحثين عن  الهدوء والأمن، اللذين تعرفهما عاصمة الكتاميين، بحيث أسر لنا العديد من مسؤولي الفنادق القليلة الموجودة بمدينة جيجل أن كل الغرف محجوزة مسبقا طيلة شهري جوان وجويلية، وأغلب الزبائن من العرسان الجدد من مختلف ولايات الوطن، سيما الداخلية والجنوبية وكذا الشمالية كعنابة، سكيكدة، القالة، وهران، باتنة، بسكرة. وهذا رغم غلاء الأسعار التي يتراوح سعر غرفتها بين 4500 دج و6800 دج لشخصين، وهذا بسبب نقص الهيالكل السياحية رغم فتح فندق برباروس، وكذا الجزيرة ومركز التسلية ”اميرة” بتاسوست بطاقة أزيد من 800 سرير لكيموش الطاهر إضافة لمخيم ”عمار بولمعيز” بالمزاير.

وأثناء حديثنا مع عزيز، وهو شاب كان رفقة عروسه واللذين اختارا جيجيل قبلتهم لقضاء شهر العسل أبدى دهشته للمعالم السياحية التي تتوفر عليها جيجل من كهوف عجيبة، غار الباز، المنار الكبير، آثار الرابطة، ضريح مزغيطان وغيرها، وكذا جمال ونظافة عاصمة الولاية وشواطئها، والأكثر من هذا، يضيف عزيز، ”جيجل تعتبر الأكثر أمنا في الجزائر، حيث لم أشاهد أي اعتداء أو سلوكات شاذة أو سرقات منذ قدومي، وهذا هو العامل الأساسي والهام في قضاء أي عطلة”.

  الصناعات والأكلات التقليدية .. وقصة المحافظة على التراث

 وأنت تزور جيجل وبالضبط عند نزولك بالمجمع السياحي الصخر الأسود والحظيرة الوطنية لتازة وغيرها من المواقع التي تتزين ككل مرة بحلة جميلة، حيث تتزين بأروع المنتجات الصناعية التقليدية المحلية من جراتٍ وأوان فخارية أبدعتها أنامل الحرفيين، فهي تتعدى المائتين جرة وآنية فخارية من مختلف الأحجام والأشكال، وهو ترابط كبير بين السياحة والصناعات التقليدية، زيادة على تواجد مختلف الحيوانات الحقيقية مثل الطيور، وتلك التي جعلت للزينة جاءت في أشكال زخرفية مثل الأسد والغزلان، الوقوف عند هذه الأشكال يأخذنا إلى فترة كان الرجل البدائي يلاحظ مظاهر الطبيعة وما يطرأ عليها من تغيرات منتظمة، أو مفاجئة، كما أن شكل هذه الحيوانات يضرب في أعماق التاريخ، حيث تعانق الخيال الصيني القديم الذي كون مجموعة من الحيوانات الخرافية مثل “الأسد الخرافي” والتنين والعنقاء، ومع الزمن تحولت هذه الحيوانات إلى رموز، وتحولت هذه الرموز إلى وحدات زخرفية غطت كل شيء وشاعت في حياة الناس.

هذا وبالإضافة إلى الصناعة التقليدية التي تعرف بها مدينة “جيجل” فإن هذه الأخيرة تشتهر كذلك بالأطباق التقليدية لسكان مدينة جيجل القدامى هو طبق ”البويشة” الذي تعده العائلات مع قدوم عيد ”عاشوراء” من كل سنة، وهو طبق لا يحضر إلا مرة واحدة في السنة، تستعمل فيه كمية من السميد الخشن ومن التمر الأصفر والملح وزيت الزيتون، حيث يتم وضع التمر، منزوع النوى، مع العجين في طنجرة كبيرة بعد وضع أحجار صغيرة في قاع الطنجرة لتفادي الاحتراق، وتركها على نار هادئة من 5 إلى 7 ساعات، بعدها يوضع هذا الخليط المطبوخ داخل أحشاء مجففة للخروف أو الجدي، الذي تم نحره في عيد الأضحى، ليتم تقديمه لأفراد العائلة والضيوف يوم عاشوراء.

وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن هذا الطبق تركي الأصل، حيث كان جنود القائدين عروج وخير الدين برباروس  يعتمدون عليه، خلال الغارات البحرية على العدو في عرض البحر الأبيض المتوسط، كما تفيد المعلومات بأن هذا الطبق بإمكانه تقوية جسم الإنسان لما يضم من مقويات بروتينية وفيتامينات إلى غاية 3 أيام أي أن طبق البويشة يقاوم الجوع لأزيد من 3 أيام.

 صيغة الإيواء لدى الساكن تنعش السياحة في جيجل

 تعرف ظاهرة كراء الخواص لمنازلهم لفائدة السياح الذين يقصدون جيجل  لقضاء عطلتهم الصيفية واكتشاف مناظرها الطبيعية المتنوعة الخلابة في ولاية جيجل أحسن وسيلة لتدارك العجز الرهيب المسجل في مجال الإيواء لاسيما في خلال موسم الاصطياف، وفي هذا الصدد أشار مدير السياحة أن الولاية لا تزال تعاني من قلة الحظيرة الفندقية ومراكز الإيواء مقارنة بالعدد الهائل من الزوار، إلا أن هذا الشيء – يقول منصور- لا يشكل عائقا أمام الزوار، لأن طبيعة الطلب على الولاية يشمل بالدرجة الأولى السياحة العائلية التي عادة ما تشمل مجموعة من الأفراد الذين يفوق عددهم في غالب الأحيان خمسة أفراد، فالفندق -يضيف- بالنسبة لهذه الفئة يتطلب مصاريف كبيرة، الشيء الذي يجعل الكثير منهم يفضل كراء الشقق لدى سكان الولاية.