الرئيسية / ملفات / حارسة المدينة وقصة الطهر السرمدي “يما قورايا” المقام الشامخ وحارسة المدينة

حارسة المدينة وقصة الطهر السرمدي “يما قورايا” المقام الشامخ وحارسة المدينة

 عبر بواب بجاية الشرقية، يشدك جبل شاهق يفترش قمته جسد امرأة مستلقية بشكل تبرز معه ملامح هيكل آدمي لامرأة دأبت على استقبال زوار بجاية… هي “يما قوراية” والاسم بالل

غة الأمازيغية ومعناه بالعربية “المحاربة”. 

قوراية.. محمية طبيعية صنفتها اليونيسكو سنة 2004

تعتبر قمة “يما قورايا” أهم جزء في الحظيرة الوطنية لقورايا، التي تمتد على مساحة كبيرة فوق مرتفع جبلي، تحتوي على ثروة غابية مهمة، وتنقسم محمية قورايا إلى ثلاث مناطق، على رأسها “كاب كاربون” ذو المرتفعات الصخرية التي تمثل ديكورا منحوتا يطل على زرقة البحر، وهو الثاني الأكبر في إفريقيا بعد الرأس الأخضر بجنوب إفريقيا ومنارته التي تعتبر من أكبر منارات العالم، وتطل المحمية على البحر الأبيض المتوسط، وهي مليئة بالشواطئ الخلابة والجبال الخضراء الواسعة والكثيفة النبات والوديان المنبعثة من جبال الأطلس التلي وتستقبل الحديقة ما مقداره 1.2 مليون نسمة سنويا من السواح والزوار من مختلف مناطق الوطن وحتى من الخارج، خصوصا خلال الصيف بسبب تواجدها على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، وقد صنفتها اليونيسكو محمية طبيعية عالمية سنة 2004.

ويأخذ جبل يما قورايا الذي استمدت منه الحديقة اسمها ويبلغ طوله 660 متر معظم مساحة المحمية، التي تتنوع بثرواتها النباتية والحيوانية بما في ذلك تواجد قرد المكاك البربري الذي يعتبر حيوانا محليا في هذه الحديقة، وابن آوى الذهبي الذي يتواجد في أرجاء حديقة قورايا.

تقع الحديقة في ولاية بجاية وتحدها من الشمال البحر الأبيض المتوسط، من الشمال الغربي ولاية تيزي وزو، من الشرق ولاية جيجل ومن الجنوب الشرقي ولاية سطيف، ومن الغرب ولاية البويرة، ومن الجنوب الغربي ولاية برج بوعريريج، وتبلغ مساحة الحديقة 2080 هكتار تأخذ المنحدرات والجبال أكثر من 100 هكتار والتي تتميز بوجود غطاء نباتي كثيف.

كما توجد بالمنطقة بحيرة تغطي مزّايا مساحة 2،5 هكتار، مع أعماق تتراوح بين 0.5 إلى 18م، والتي تشجع على نمو مجموعة متنوعة من النباتات وتطوير العوالق النباتية، وكان هذا الموقع القبلة الرئيسية للطيور المائية المهاجرة والمستقرة.

 قلعة “يما قورايا” أعلى مرتفع في الجبل

توجد على قمتها قلعة “يما قورايا” على ارتفاع 672 متر في أعلى الجبل الشامخ، ويعتبر هذا الحصن من أجمل المواقع السياحية التي يحج إليها السواح بالآلاف سنويا، خاصة إلى الضريح الموجود داخله والذي يُنسب إلى “يما قورايا”.

وغير بعيد من هناك توجد منطقة يُطلق عليها اسم مقبض “الأقاداس” وهو موقع مشهور تاريخيا بسبب نزول الإسبان سنة 1507م فيه، ويمثل هذا الموقع مكان تجمع الشبان من أجل السباحة في الخليج الذي يتميز بالحصى الملساء.

كما أن هناك قمة القردة في أعلى الجبل على ارتفاع 430 م التي هي شرفة مصنوعة من السيراميك والتي بنيت من طرف الفرنسيين والتي يمكن من خلالها  الاستمتاع بمنظر خلاب على البحر.

أما جزيرة بيزان فتقع على الساحل الغربي، وكانت هذه الجزيرة مكانا للاجتماع بين التجار من أوروبا مع القبائل القديمة لتبادل السلع.

كما يتواجد بالمنطقة المحمية ثلاثون نوعا من الثدييات بما في ذلك 5 حيوانات مائية وهي محمية بالقانون، كما يوجد في الحديقة كذلك قائمة من الأسماك وذلك بسبب دراسة أجريت على الساحل الجزائري والتي نشرت في مجلة “بيلاغوس”.

 “يما قورايا”… بين الأسطورة والواقع

“يما قورايا” حملت هذا الاسم كناية عن امرأة تتأرجح قصتها بين الأسطورة والواقع، يحكيها الجميع ويسمع عنها الجميع أيضا، في فضول كبير لاستكشاف المزيد من حكايات الأم الراقدة أعلى القلعة المبنية في أعلى القمة التي يحج إليها الكثيرون سنويا.

وحسب مجموعة من الحكايات الأمازيغية الضاربة في عمق التاريخ القديم قِدم الأمازيغ، فإن “يما قورايا” هي فتاة طاهرة نقية عفيفة شريفة سكنت في القديم المنطقة التي تحمل اليوم اسم بجاية، ومع مرور الزمن واشتهارها بأخلاقها العالية جرى تزويجها رغما عنها برجل لا تعرفه، فتضرعت إلى الله أن يخلّصها من ذاك العريس، واحتمت بقمة الجبل الذي يحمل إلى اليوم اسمها هروبا من قدرها المحتوم واستقرت به طويلا، فحمل الجبل اسمها وتحوّل هذا المرتفع الشاهق إلى مزار

مايزال الناس يتدافعون على زيارته منذ حقبة التواجد التركي بالجزائر منذ نحو خمسة قرون.

وهناك من يقول إن هذه الرواية لا تخضع لأدلة تؤكد عليها، خاصة وأن هناك الكثير من الروايات نسجها الخيال المحلي في بلورته لقصة “يما قورايا”، ومع انتقال الكلام من شخص إلى آخر، كثرت الحكايات عن “يما قورايا” حتى جعلت منها لغزا محيرا.

وهناك رواية أخرى تقول إن اسم “قورايا” ظهر عام 429 ميلادي، عندما احتل القائد الوندالي “جيمس ريق” مدينة سالداي وهو الاسم القديم لبجاية، وظهر على إثرها إسم قورايا الذي يعني باللغة الوندالية القديمة “الجبل الصغير”.

لكن هذا الاسم سرعان ما اختفى مع موجة الفتوحات الإسلامية للمغرب الأوسط، وبات الجبل المذكور معروفا باسم “أمسيون”، وهو ما أورده الشريف الإدريسي في كتابه “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” الذي صدر في القرن السادس الهجري، حيث قال الإدريسي: “مدينة بجاية تطل على البحر لكنها على حرف حجر ولها من الشمال جبل يسمى أمسيون”.

من جهتها، تذكر كتب التاريخ القليلة أن “يما قورايا” قاومت ما كان يعتبر آنذاك من قبل الأهالي العدو الصليبي المسيحي ببطولة فائقة إلى جانب الإخوة بارباروس، وفندت نتائج بحث هندسي تاريخي قام به المهندس الجزائري ذو الأصول الأمازيغية (مالك آيت حمودة) قبل سنة ما كان يتداول من قبل من أن الحصن الذي يتخذ اليوم مزاراً، لم يبنه الإسبان، بل شيده الفرنسيون على أنقاض زاوية “يما قوراية” التي هدمها المستعمر قبل استحواذه على الضريح في 12 أكتوبر 1833 لأهداف استراتيجية وعسكرية، وتحول الحصن في نظر الأمازيغ إلى “بيت للشيطان” وكان وراء سلسلة من الهجومات قام بها السكان لاسترجاع مكان صاحبته أهمها الهجوم الذي وقع في 6جوان 1836، حيث استشهد فيه ما يقارب 250 قبائلي.

 المحاربة التي ضاع ورعها في سوق المشعوذين فوق أعلى قمة جبلية

وبين الخيال والحقيقة ظلت تتأرجح حكاية “يما قورايا”، مثلما ظل شهيرا ليس بمنطقة القبائل فقط بل في الجزائر برمتها، هو اسم تتوارث حكاياه وقصصه وبطولاته الأجيال و”تحج” إليه في الصيف مثل الشتاء عشرات العائلات التي ما زالت “تؤمن” ببركات “يما قورايا” التي يلقبها البعض بالمرأة التقية المتعبدة تارة، ويصفها البعض الآخر بالمحاربة الثائرة تارة أخرى، وكل هذا لا يمنع أن تظل هذه المرأة التي تعد أول من يستقبلك وأنت تطأ أرض بجاية.

 قبلة السواح والوافدين من الفضوليين والراغبين في الاستكشاف

تتميز “يما قورايا” بمميزات عديدة على غرار المحمية الطبيعية التي تضم أنواعا نادرة من الأعشاب والأشجار وكذا الحيوانات، ولإطلالتها على حوض المتوسط ولمشاهدها الخلابة وكذا لاحتضانها لأسطورة “يما قورايا” المرأة التي تبقى لغزا محيرا في تاريخ المنطقة. يزور الكثير من السواح هذه المنطقة طمعا في الحصول على بعض المتعة.

يقصد جبل “يمّا قورايا” حشود من الزوّار الشغوفين بها من مختلف ربوع الوطن شتاء وصيفا، إذ لا تمنعهم برودة طبيعته ولا شدة حرارته التي تتجاوز درجة الـ40 تحت الظل من المحج إليه، بل هناك الآلاف من الزوار من يغامر بنفسه ويتحمّل مشقة السفر سيرا على الأقدام، وهم يخترقون المسالك الوعرة الضيقة للوصول إلى قمة قورايا الأسطورية.

وتذكر الإحصائيات الخاصة بالسياحة لمدينة بجاية أن عدد السواح الذين يقدمون سنويا للمدينة يتعدى 12 ألف سائح غالبيتهم يزورون مرتفع يما قوراية.

تتميز يما قوراية بمميزات عديدة على غرار المحمية الطبيعية التي تضم أنواعا نادرة من الأعشاب والأشجار وكذا الحيوانات، ولإطلالتها على حوض المتوسط ولمشاهدها الخلابة وكذا لاحتضانها لأسطورة “يما قورايا” المرأة التي تبقى لغزا محيرا في تاريخ المنطقة، ولهذا يزور الكثير من السواح هذه المنطقة طمعا في إشباع فضولهم وكذا الحصول على بعض المتعة.

ويمثل مقام “يما قوراية” بالنسبة لسكان بجاية، هذه المدينة الساحلية التي يذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان وظلت وما تزال مفتوحة على الآخر، تماما ما يمثله الولي الصالح “سيدي بومدين” بالنسبة لسكان تلمسان و”سيدي الهواري” بالنسبة لسكان وهران و”سيدي عبد الرحمن الثعالبي” بالنسبة لسكان العاصمة الجزائر.

ولعل أهم ما يميز مقام “يما قوراية” عن بقية الأماكن التي يقصدها الجزائريون، أن المكان يفتقد لما يعرف بـ “القبة” التي عادة ما تكون نقطة استقطاب الزوار، فضلا عن خلو المكان من الضريح الذي يفترض أنه يأوي قبر المرأة، فلا شيء من هذا القبيل موجود، ومع ذلك تظل موجات الزوار تتدفق باستمرار على المكان الذي يعد هو في حد ذاته ضريحا بعدما اتخذت نهاية الجبل بقدرة القادر تعالى شكل هيكل آدمي لامرأة يتراءى رأسها وجسدها و أطرافها السفلى بوضوح وجلاء وهو الذي جعل مريدي “يما قوراية” لا يولون كبير اهتمام للقبة والضريح، فيكفي لهؤلاء الوصول إلى قمة الجبل لتغمرهم السعادة ويلبسهم الرضا وهم يدخلون ساحة المقام التي تمتد فوقها قاعة كبيرة تغطيها الحصائر والزرابي التي يتصدق بها المحسنون، وتقوم على خدمة الوافدين إليها مجموعة من العجائز، بعضهن طاعنات في السن توارثن خدمة زوار “يما قوراية” جيلا بعد جيل، بحب وتفان وإخلاص قل نظيره مقابل لا شيء.

 مكان تاريخي.. يخلو من المرافق ويعج بالمشعوذين

ويكاد موقع “يما قوراية” يخلو من كل المرافق، فالمكان الذي تحفه غابات البلوط والخروب المحيطة به، والذي تمت هجرته سنوات العشرية السوداء خوفا من جماعات العنف وآلة الموت، يحتله اليوم بعد العودة المتدرجة للأمن والاستقرار الداخلي، ثلة من المشعوذين و”الشوافات” ممن يتحايلون على صدقات الزوار ويستغلون المكان لممارسة طقوسهم الشيطانية على السذج من الزوار مقابل “دريهمات” تشجع بقاءهم وتهون عليهم تعب المسافة الطويلة التي يقطعونها يوميا فيما يشبه تسلق الجبل للوصول إلى قمته، وهذا في ظل غياب السلطات المختصة التي لم تقدم على تصنيف المكان كمعلم تراثي رغم أهميته التاريخية.

 دراسة تكشف حقيقة “يما قوريا”

كشفت دراسة أعدت، مؤخرا، بأن يما قوراية كانت حقا موجودة وقد سمح إبراز وجود “قبة” يحتمل أن ترقد بها يما قوراية بوضع حد لجدل قديم لتفسح أسطورة قوراية المجال للتاريخ لكون اسمها يرد في مؤلفات عدة غير معروفة في الجزائر.

حيث سمحت الإكتشافات الأخيرة لمالك آيت حمودة، وهو مهندس معماري بالمدرسة العليا للهندسة المعمارية لباريس لافيلات التي توجت أبحاث عديدة وطويلة

ومثمرة في فرنسا استكملها بعمل أجراه على مستوى حديقة قورايا الوطنية ببجاية بطي صفحة الخرافة واليقين التاريخي، بحيث أنه على عكس ما تم إثباته اتضح أن حصن قوارية لم يشيد من قبل الاسبان خلال القرن الـ16 !لقد استقى هذا الباحث أدلة لا مجال للجدل فيها من أرشيف الجيش الفرنسي لاسيما خريطة تشير من جهة إلى الموقع كما وجده الفرنسيون يتكون من “قبة” وصهريج وبيت صغير

ومن جهة أخرى مخطط الحصن الحالي الذي أنجزه لومارسيي الذي اشتهر بأعمال عسكرية أخرى ببجاية.

وتجدر الإشارة إلى أنه تم اتباع نفس السياسة الاستعمارية في أماكن أخرى من منطقة القبائل إبان حرب التحرير. فبمنطقة إيفليسن أومليل على سبيل المثال، تم نصب معظم المعسكرات الفرنسية على مقابر وقبب قديمة كما تم تدمير قبة سيدي يوسف (عرش إيمزالن) كليا لتنصيب معسكر 636، فيما تم تدمير معسكر تيمزريت لوضع رادار ومعسكر.

ولكون هذه المقابر كانت متواجدة في معظمها في أعالي الهضاب، قام الجيش الاستعماري بنصب أبراج لمراقبة كل القرى ليقوم في الوقت نفسه بتدمير الذاكرة الجماعية والأولياء الصالحين لهذه القبب. وخلال فترة الجزائر المستقلة لم يتم إعادة ترميم هذه المقابر بل قام البعض بتدنيس أو حرق (على غرار سيدي عبد الرحمان بالجزائر العاصمة) أو تفجير (مثل قبة سيد عمارة بالقرب من سيدي علي بوناب) المقابر التي تركها الجيش الاستعماري على حالها.

ويرد إسم يما قوراية ضمن قائمة الأسماء البارزة التي تصدت للعدو عند كل اجتياح. فكانت هناك الكاهنة ضد العرب وقوراية ضد الإسبان إلى جانب عروج المعروف ببربروس وفاطمة نسومر ضد الجيش الفرنسي… مما يستبعد خرافة غياب قبر.

وبعد تدمير الفرنسيين للقبة سنة 1833 لتشييد الحصن، تم شطب القبر من الخريطة مما جعل الذاكرة الجماعية تضعها في طي النسيان.