من الجزائر إلى أقاصي المحيط الهادي

حكاية المنفيين الذين حملوا الوطن إلى كاليدونيا الجديدة

حكاية المنفيين الذين حملوا الوطن إلى كاليدونيا الجديدة
أُخرجوا من الجزائر لكن الجزائر لم تخرج من قلوبهم
الجزائر وكاليدونيا الجديدة : ذاكرة النفي وأواصر الانتماء

أحيت الجزائر، أمس، الخامس من شهر جويلية ذكرى الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، وككل عام في هذه المناسبة تتجدد مشاعر الفخر بتاريخ شعب قدم ملايين الشهداء في سبيل الحرية، واستطاع بعد نضال طويل أن يكسر قيود الاستعمار الفرنسي الذي دام أكثر من 132 سنة، وعادة ما تُستحضر في هذه المناسبة أسماء القادة والشهداء والمعارك الكبرى، غير أن صفحات أخرى من تاريخ المقاومة ما تزال مجهولة لدى كثير من الجزائريين، رغم ما تحمله من مآسٍ إنسانية ودروس في الصمود.
ومن بين تلك الصفحات، قصة آلاف الجزائريين الذين اختارت فرنسا أن تعاقبهم بالنفي إلى أقاصي العالم، إلى أرخبيل بعيد يقع في المحيط الهادي يُعرف بكاليدونيا الجديدة، ولم يكن ذنب هؤلاء سوى أنهم دافعوا عن وطنهم ورفضوا الخضوع للاستعمار، فاُقتلعوا من أرضهم وأُبعدوا آلاف الكيلومترات عن عائلاتهم، في محاولة لقطع صلتهم بالجزائر وإخماد روح المقاومة في نفوسهم، وعلى رغم مرور أكثر من 150 عاماً على ذلك النفي القسري البعيد، ما تزال دماء الجزائر تجري في عروقهم، وما يزالون يحملون الهوية الجزائرية كشعلة لا تنطفئ في قلوبهم، يتوارثون قصص الأجداد بفخر كبير وحزن عميق.
لكن فرنسا اكتشفت لاحقا أن المنفى قد يُبعد الإنسان عن أرضه لكنه لا يستطيع أن ينتزع الوطن من قلبه، فقد حمل أولئك المنفيون الجزائر معهم وحافظوا على هويتهم ودينهم وعاداتهم وورث أبناؤهم وأحفادهم حب الوطن جيلا بعد جيل، حتى أصبحت قصتهم اليوم جزءا من الذاكرة الوطنية.

سياسة النفي.. عقاب يتجاوز السجون


بعد أن واجهت فرنسا مقاومة شرسة في مختلف أنحاء الجزائر، خاصة عقب ثورة عام 1871 بقيادة الشيخ المقراني والشيخ الحداد، وجدت الإدارة الاستعمارية نفسها أمام آلاف المقاومين الذين يصعب احتواؤهم داخل السجون التقليدية، لذلك لجأت إلى سياسة جديدة تقوم على إبعاد المقاومة وأتباعهم إلى مستعمرات بعيدة جدا، حتى تنقطع أخبارهم ويُحرموا من أي إمكانية للعودة أو التأثير في أبناء وطنهم.
وكان الهدف من هذه السياسة مزدوجا، فمن جهة أرادت فرنسا التخلص من الشخصيات التي كانت تلهم الجزائريين بمقاومتها، ومن جهة أخرى استغلال هؤلاء المنفيين في تعمير مستعمراتها البعيدة والعمل فيها قسرا، ضمن سياسة استعمارية اعتمدتها مع شعوب عديدة.
وقد وقع الاختيار على كاليدونيا الجديدة، وهي جزيرة تقع في جنوب غرب المحيط الهادي، على بعد ما يقارب عشرين ألف كيلومتر من الجزائر، وكانت آنذاك مستعمرة فرنسية تُستخدم كسجن مفتوح للمحكوم عليهم والمنفيين السياسيين.

رحلة بلا عودة

كان اقتياد الجزائريين إلى المنفى يتم في ظروف قاسية للغاية، فبعد صدور أحكام بالنفي، يُنقل الرجال مقيدين إلى الموانئ الفرنسية، ثم يُزج بهم في سفن تستغرق رحلتها عدة أشهر عبر البحار والمحيطات.
وخلال تلك الرحلة الطويلة، عانى المنفيون من ضيق السفن وقلة الغذاء وانتشار الأمراض والحرمان من التواصل مع أسرهم، وكثير منهم لم يكن يعلم أصلا إلى أين يُقتاد، ولا إن كان سيعود يوما إلى وطنه.
وكانت تلك الرحلة تعني بالنسبة للكثيرين نهاية حياة عرفوها وبداية غربة قاسية في أرض لا يعرفون لغتها ولا ثقافتها ولا طبيعتها.
وحسب المؤرخين، فإن الرحلة استغرقت 140 إلى 150 يوماً على متن سفن مثل “السيبيل” و”الفلوروس” و”الكاليدوني”، أين كان المنفيون مكبلين بالسلاسل، محشورين في أقفاص حديدية (60 رجلاً في كل مجموعة)، ينامون على أسرّة قابلة للطي، أما الطعام فكان 800 غرام خبز يومياً، حساء فول مرتين، ولحم أو سمك مرتين أسبوعياً، بينما عدد الذين لقوا حتفهم في البحر وأُلقيت جثثهم في الماء ما يزال مجهولاً، ووصل أول منفي، إبراهيم بن محمد، في عام 1864 على متن “إيفيجيني” وكان آخرهم في عام 1921.
وفي كاليدونيا الجديدة، حُبسوا في شبه جزيرة دوكوس أو “معسكر العرب” في جزيرة الصنوبر وأُجبروا على أعمال شاقة مثل حفر المناجم وتعبيد الطرق وقطع الغابات وزراعة الأرض لمصلحة المستوطنين. وكان الاتصال بالفرنسيين محظوراً، ومُنعوا حتى إعطاء أسماء عربية إسلامية لأبنائهم. على رغم ذلك، أدخلوا النخيل إلى الجزيرة، زرعوا بذوراً من الجزائر، وبنوا غرفة صلاة مشتركة، شارك بعضهم، قسراً، في قمع انتفاضة الكاناك (السكان الأصليين) في عام 1878، بقيادة بومزراق المقراني (شقيق الشيخ المقراني) الذي حصل على عفو جزئي مقابل ذلك.

“جزائريو كاليدونيا الجديدة”


وصل إلى كاليدونيا الجديدة مئات المنفيين الجزائريين معظمهم من المشاركين في مقاومة عام 1871، إضافة إلى مقاومين من مناطق مختلفة من البلد، وكان الأوروبيون يطلقون عليهم اسم “العرب”، ومع مرور السنوات تشكلت هناك جالية جزائرية صغيرة حافظت على الكثير من عاداتها، فحرص أفرادها على تعليم أبنائهم مبادئ الإسلام وإحياء المناسبات الدينية رغم الظروف الصعبة التي عاشوها، ولم يكن ذلك أمرا سهلا، إذ كانوا يعيشون تحت رقابة الإدارة الفرنسية الاستعمارية، ويعمل كثير منهم في الزراعة أو الأشغال الشاقة إلا أنهم تمسكوا بهويتهم باعتبارها آخر ما بقي لهم من وطنهم البعيد.

مقاومون حتى في المنفى


لم يكن المنفيون في كاليدونيا الجديدة مجرد سجناء ينتظرون انتهاء عقوباتهم، بل ظلوا يحملون روح المقاومة أينما ذهبوا، فقد رفض كثير منهم التخلي عن هويتهم أو الاندماج الكامل في المشروع الاستعماري الفرنسي وتمسكوا بقيمهم الدينية والوطنية، وتحكي شهادات تاريخية أن بعضهم كان يروي لأبنائه وأحفاده قصص الجزائر وجبالها وقراها وأبطال المقاومة حتى تبقى الذاكرة حية رغم مرور السنوات، وهكذا تحولت الحكايات إلى وسيلة لمقاومة النسيان، وأصبح الوطن حاضرا في الكلمات والدعوات والذكريات، رغم المسافات الشاسعة التي كانت تفصلهم عنه.

أحفاد المنفيين.. جذور لم تقتلعها المسافات


مرت العقود وتغيرت الأجيال، لكن قصة المنفيين الجزائريين لم تنتهِ برحيل أصحابها، فقد كبر أبناؤهم وأحفادهم في كاليدونيا الجديدة، حاملين إرثا ثقيلا من الذكريات التي تناقلتها العائلات جيلا بعد جيل، ورغم اندماجهم في المجتمع المحلي، ظل كثير منهم يفتخر بأصوله الجزائرية، ويحرص على معرفة تاريخ أجداده الذين اُقتلعوا من وطنهم قسرا.
وما تزال بعض العائلات تحتفظ بأسماء جزائرية ووثائق وصور وروايات شفوية تروي كيف وصل أجدادهم إلى تلك الجزيرة البعيدة، كما سعى عدد من الأحفاد إلى زيارة الجزائر لأول مرة بحثا عن القرى التي خرج منها أجدادهم وعن أقارب لم يكونوا يعرفون عنهم سوى ما حفظته الذاكرة العائلية، وهو ما وثقته كاميرا المؤثر الجزائري مهدي شطاح خلال الرحلة التي قادته إلى أرخبيل كاليدونيا الجديدة في أقاصي المحيط الهادي، حيث التقى أحفاد الجزائريين الذين نفتهم السلطات الاستعمارية الفرنسية في أحلك صفحات التاريخ، ويحلمون بالعودة إلى الجذور، ويصفون الألم بـ “الصمت المؤلم” الذي ساد العائلات لعقود طويلة.

مساعٍ رسمية لرد الاعتبار وتخليد الذاكرة


تولي الدولة الجزائرية، تحت قيادة الرئيس عبد المجيد تبون، أهمية بالغة لملف الذاكرة الوطنية، لا سيما قضية المقاومين الجزائريين الذين نفاهم الاستعمار الفرنسي قسراً إلى كاليدونيا الجديدة بين عامي 1864 و1921. وتتجلى هذه المساعي في أبعاد تاريخية ودبلوماسية تهدف إلى رد الاعتبار لهؤلاء الأبطال وتوطيد الروابط مع أحفادهم الذين يشكلون اليوم جالية تقدر بنحو 15 ألف نسمة. وقد تجسد هذا الالتزام الرسمي بشكل رمزي وقوي في 5 جويلية 2021، بمناسبة عيد الاستقلال، حيث أشرف الرئيس تبون شخصياً على تدشين جدارية فنية وتاريخية تذكارية بساحة كيتاني في باب الوادي بالجزائر العاصمة، تخليداً لتضحيات المنفيين ومعاناتهم في أقاصي المحيط الهادي، وتتكامل هذه الخطوة الرمزية مع جهود دبلوماسية وقنصلية مستمرة لتسهيل تواصل الأحفاد مع وطنهم الأم، وإشراكهم بانتظام في الفعاليات الوطنية، تأكيداً على أن ملف الذاكرة كلٌّ لا يتجزأ وأن الجالية في كاليدونيا الجديدة تظل جزءاً أصيلاً من النسيج الهوياتي للجزائر.