الرئيسية / محلي / رغم أنها تتوسط المثلث الصناعي لسكيكدة وعنابة…التريعات بعنابة ترفض أن تكون بلدية بسبب ضعف البرامج الكبرى
elmaouid

رغم أنها تتوسط المثلث الصناعي لسكيكدة وعنابة…التريعات بعنابة ترفض أن تكون بلدية بسبب ضعف البرامج الكبرى

 تعتبر بلدية التريعات بولاية عنابة المتاخمة لحدود سكيكدة محورا استراتيجيا ومكسبا تنمويا كبيرا للمنطقة لقربها من المثلث الصناعي والفلاحي لولايتي عنابة وسكيكدة، ورغم تحسن حركية النشاط الفلاحي والزراعي إلا أن التنمية ببلدية التريعات بقيت ضعيفة، بسبب تدعيم الجارة واد العنب ببرامج ضخمة خاصة بعد انجاز المدينة الجديدة ذراع الريش في الوقت الذي تم فيه إقصاء بلدية التريعات من مختلف البرامج التنموية.

وعليه أصبح سكان هذه المنطقة يرون أن تحسين إطارهم المعيشي والقضاء على الفقر والبطالة يتوقف على الالتفات إلى النشاط الفلاحي وتربية المواشي بدل الانتماء إلى جماعات اللصوص بعد تنامي انتشار عصابات تهريب الفلين ومختلف المواد الخشبية الأخرى، عبر المثلث الحدودي الخطير الذي يربط منطقة سكيكدة ومرتفعاتها بضواحي دائرة برحال منها التريعات، ما جعل الجهات الأمنية تؤمّن المنطقة من تهريب الثروة الغابية من أجل استقرار سكان البلدية.

 

ضعف التنمية وراء عزلة السكان

إن الوضع التنموي المتردي وضعف البرامج التنموية انعكسا سلبا على أطفال بلدية التريعات الذين أصبح الكثير منهم يفضل الرعي على التمدرس، فمأساتهم كبيرة وسط الحڤرة والتهميش، وإهمال الجهات المحلية، ولعل أول ما يعكس العزلة للزائر أن ذبذبات الهاتف النقّال لـ “موبيليس” و”نجمة” تكون ضعيفة، والكل مجبر على اقتناء شريحة “جيزي” التي لا تشتغل داخل المنطقة الغابية، فالطريق إلى بلدية التريعات التي يقطنها أكثر من 10 آلاف نسمة لا يوحي لك لأول وهلة بأنك بصدد التوغل في عمق تاريخ المنطقة، فكلما تقدمت خطوة إلى الأمام تحس بشيء في نفسك يحرّضك على المزيد من الخطوات لكشف أسرار هذا الدوّار المعزول عن العالم، خاصة أن عمر مسيرة التنمية ببلدية التريعات قصير جدا، إذ وضعت الجماعات الإرهابية وقتها حدا لها بداية من سنة 1999 ليعود بها إلى نقطة الصفر بعد حرق وتخريب بعض المستثمرات الصناعية.

عرفت البلدية في السنوات الأخيرة مشاكل كبيرة على جميع الأصعدة، بدءً بمشكلة التهيئة التي استنزفت الملايير دون أن تعيد للبلدية نضارتها، فقد استهكلت مشاريع التهيئة والتطهير ما يفوق ثلاثة ملايير طيلة السنتين الماضيتين في الوقت الذي ما تزال فيه أغلب القرى تعاني من مشاكل التطهير والإنارة العمومية. ولتعزيز مشاريع التنمية الجوارية خصصت البلدية 8 ملايير لفك العزلة وربط الأحياء بالإنارة العمومية وتطهير الشوارع وتهيئة الأرصفة، لكن تبقى بعض الممرات التي تربط القرى بالمدينة عبارة عن مسالك ترابية.

وفي سياق آخر، طرح سكان المنطقة مشكل الغياب شبه الكلي لوسائل النقل، فأغلب سيارات النقل النفعي والحافلات ذات الحجم الصغير غيّرت وجهتها نحو البلديات المجاورة وقد أثر تذبذب النقل على المواطنين، وبالتالي فهم يصلون دائما متأخرين ويغادرون منازلهم قبل الوقت المحدد للحاق بوسيلة النقل.

 

عشرات العائلات تقطن الأقفاص

تعيش بلدية التريعات على وقع الإفراج عن القوائم الاسمية للسكنات في مختلف الصيغ، وبعد ذلك تضاربت الأرقام بشأنها والتي قيل بأن عددها 80 و90 وأخيرا استقرت عند الرقم 85 سكنا، حتى أن بعض الأشخاص المقربين من الجهات المسؤولة يقومون بجمع عدة أرقام ليكشفوا عن الرقم الإجمالي للسكنات، ليظل سكان هذا الدوار يترددون على البلدية بين الحين والآخر على أمل مقابلة المير للإفراج عن القائمة الاسمية الخاصة بالسكنات ذات الطابع الاجتماعي وذلك للتخلص من حياة “الأقفاص” والقصدير ومعاناتهم في الحر والبرد الذي لازمهم لسنوات طويلة هم وأبناءهم.

وقد هدد سكان القرى والمداشر البعيدة بالخروج للشارع في انتفاضات شعبية في حال عدم تخصيص لهم برامج تنموية تخرجهم من دائرة العزلة وغيرها من مشاكل تنموية عدة تتمثل أساسا من خلال تواصل اغلاق الطريق الوحيدة المؤدية للعالم الخارجي والعزلة التي تربط مباشرة بالطريق الجواري لبلدية واد العنب، حيث لا توجد حافلات ولا سيارات أجرة وخطوط مواصلات تربطها بعاصمة البلدية، الأمر الذي ساهم في عزلتهم، فضلا عن صعوبة وصول قارورات غاز البوتان لهذه القرى المعزولة عن العالم، الأمر الذي يدفعهم إلى الاستنجاد بأشجار الغابة للطهي، ناهيك عن انعدام المسالك المؤدية للمراعي ويزيد الوضع تأزما انعدام وحدات البيطرة رغم الانتشار الواسع لبعض الأمراض التي تهتك بمئات رؤوس الماعز والأغنام، إلى جانب افتقار أغلب قرى بلدية التريعات لمرافق التسلية والترفيه ما جعل شبابها عرضة للآفات الاجتماعية المختلفة.

وجدير بالذكر أن سكان “البرارك” هم الذين هجّرهم الإرهاب من أراضيهم وشتتهم خلال العشرية الحمراء، ليجدوا في المدينة مأوى لهم. وحسب المصالح البلدية، فإنه تم خلال سنة 2014 توزيع 50 وحدة سكنية ذات طابع اجتماعي، أما حصة السكن الريفي فلا تتعدى 271 وحدة، فيما تبقى سكنات “لاصاص” كثيرة أغلبها يعود إلى العهد الاستعماري يقطنها الأهالي الأصليون بالمنطقة، فيما تحصي البلدية 60 كوخا قصديريا، فيما تم إيداع 700 طلب للسكن على مستوى البلدية.

 

50 بالمائة من الشباب بطالون

في غياب إحصائيات رسمية، قدّر بعض المنتخبين المحليين ببلدية التريعات أن 50 بالمائة من الشباب بطالون، غير أن ما توصلنا إليه بعد هذا التحقيق يبين أن كل هؤلاء يعانون من البطالة، حيث لم يصادفنا ولا شاب واحد يملك منصب عمل قار ودائم والأشخاص الوحيدون الذين يملكون هذه المناصب هم أرباب العائلات وأغلبهم من خارج البلدية على غرار المعلمين، الأطباء والممرضين، فأغلب العائلات بالتريعات تعيش على منحة البطالة. وقد تم توزيع نحو 250 منصب عمل في إطار الشبكة الاجتماعية وعقود ما قبل التشغيل، فالفقر أثر على أغلب عائلات القرى والمداشر، فإذا كان الكهول والشيوخ أغلبهم أميين، فإن مصير أطفالهم لم يختلف كثيرا عنهم فالأغلبية لهم مستوى التعليم المتوسط والأكثر حظا يدخل الجامعة.

في ذلك الثلث الخالي، فقد الأطفال براءتهم وهم مجبرون على أن يكونوا رجالا فوق العادة، لا يحق لهم العيش بسلام مثل أقرانهم في بلديات أخرى، خاصة أنهم يقطنون داخل بيوت هشة في منطقة مترامية. فالصورة التي تقابلك خلال زيارة البلدية، على ضفاف الوديان والمروج الخضراء هي صور لأكواخ قديمة تحوّلت مع مرور الزمن إلى خرب آيلة للسقوط، جدرانها مشققة وأسقفها بالية، قطنتها منذ وقت قصير عائلات تنحدر من القرى الفقيرة تكتم غيضها على الحكومة لأنها ملّت من الوعود الكاذبة. بعيون حزينة وقلوب منكسرة، أكدت العائلات وهي على دراية تامة بأنها ستنقل انشغالاتها إلى الجهات العليا للبلاد لإخراجها من الجحيم، خاصة أن المسؤولين الذين تعاقبوا على البلدية تعبوا لتقديم بدائل لإخراج واد العنب من عزلتها.

وتبقى البلدية خارج نطاق التغطية خاصة في ظروف غياب البرامج التنموية، حسب السكان، فإن التدفئة غائبة رغم توفر المجمعات المدرسية على تجهيزات خاصة بالتدفئة، إلا أن انعدام المازوت حرم العشرات من التلاميذ من نعمة الدفء وسط حجرات باردة خلال فصل الشتاء.

 

ثروات طبيعية بحاجة إلى الاستغلال

أكدت المصالح الولائية بعنابة أن بلدية التريعات تتوفر على ثروات طبيعية هامة لو استغلت لتخلصت البلدية من مظاهر الفقر والحرمان، أهمها تربية الأغنام والأبقار إلى جانب استحداث منطقة النشاط التجاري التي تستحوذ على 7 هكتارات. وقد اقترح المنتخبون المحليون بعنابة أن استحداث مناطق استثمارية للثروة الحيوانية بمنطقة التريعات بإمكانها ،أن تعطي خطوة ومؤشرا مهما للمنطقة، كما اعتبر المسؤولون بالبلدية أن أهم مشروع بإمكانه إخراج المنطقة من عزلتها هو تفعيل النشاط التجاري مع التضييق على المهربين الذين يهددون الاقتصاد الوطني من خلال سرقة ونهب ثروة الفلين والحيوانات، لكن في حال إعادة استغلال الأراضي والتقسيم العادل للثروات وتعزيز برامج الدعم الفلاحي من شأنه خلق مناصب شغل إضافية للبطالين موزعة بين الدائمة والمؤقتة، كل هذه الاقتراحات تحولت إلى تقارير موجودة على طاولة المير الذي ينتظر هو الآخر إخراج بلدية التريعات من العزلة التنموية.

 

مشاتي بلدية التريعات خارج دائرة الزمن بعنابة

يعيش سكان العديد من المشاتي والقرى التابعة لبلدية التريعات الفلاحية الواقعة شمال شرق ولاية عنابة معاناة حقيقية نتيجة الغياب الكلي لأبسط شروط الحياة، منها نقص الربط بالإنارة العمومية، زيادة على التذبذب في عملية التزود بالمياه الشروب، بالإضافة إلى الغياب شبه الكلي لمرافق دور الشباب وكذا المنشآت الرياضية.

وندد مواطنو هذه القرى ببلدية التريعات بالظروف الكارثية التي يعيشها السكان الذين يمتهن غالبيتهم النشاط الفلاحي وتربية المواشي، فالمنطقة وبحسب تصريحاتهم، لم تر النور منذ سنوات.

ومن أهم المشاكل المطروحة على طاولة رئيس بلدية التريعات تتعلق أساسا بتدهور مستوى الطرقات وعدم التغطية الكافية بشبكة المياه الشروب، بحيث أكد سكان القرى أن مشروع الإنارة العمومية أنجز ببعض المناطق، فيما تزال قرى أخرى متواجدة في أماكن ذات تضاريس وعرة تنتظر دورها في الحصول على الإنارة. وحسب المصالح البلدية، فإنه سيتم تدعيم البلدية بمشاريع سكنية جديدة منها إنجاز 20 مسكنا بالتريعات مركز انطلاق عملية ربط مختلف الأحياء والمداشر بالإنارة العمومية وتهيئة الطرقات وتجديد مشاريع قنوات الصرف الصحي.  

وينتظر سكان وادي العنب أهم مشروع وهو بناء مركز صحي متعدد للخدمات لأن قاعة العلاج لم تعد تلبي احتياجات المرضى، حيث ما يزال هذا المشروع حبيس أدراج البلدية، وقد حمّل المواطنون رئيس البلدية مسؤولية تدهور ظروفهم المعيشية جراء عدم تحرك الوالي الذي التزم موقف المتفرج، ولم يحمّل نفسه عناء التنقل لمعاينة الأوضاع، وعلى حد تعبير السكان، حتى مسؤولي الولاية لا يزورونهم إلا في المناسبات الانتخابية ثم يمهلونهم لإيجاد حلول لأوضاعهم، ما ساهم في تعطيل مخططات التنمية في مجالات تجديد شبكتي التطهير ومياه الشرب التي كانت موجهة للمداشر والقرى النائية والتي نزحت إلى المدينة تاركة وراءها ممتلكاتها وأراضيها، والتي أدرجتها المصالح الولائية ضمن المخططات الكبرى، فإن سكانها يشكون من تعثر عدة برامج يعولون عليها لتدعيمهم بالشغل، يحدث هذا في انتظار تحقيق برنامج استحداث منطقة عمرانية بالتريعات.