الرئيسية / ملفات / رغم سعي  الوزارة المعنية  لوضع سياسة جديدة لتطوير وتوحيد الخريطة الصحية , الصحة… القطاع الأكثر مرضا في الجزائر
elmaouid

رغم سعي  الوزارة المعنية  لوضع سياسة جديدة لتطوير وتوحيد الخريطة الصحية , الصحة… القطاع الأكثر مرضا في الجزائر

 مطالب بإنشاء معهد وطني لليقظة الصحية ، يعادل وكالات وهيئات الأمن القومي الموجودة في ألمانيا 

تحتفل الجزائر، هذا الجمعة، على غرار بقية دول العالم باليوم العالمي للصحة، وهو اليوم المصادف للسابع من شهر أفريل من كل عام، وذلك إحياء لذكرى تأسيس منظمة الصحة العالمية في العام 1948.

ويعتبر يوم الصحة العالمي بمثابة حملة عالمية تدعو كل فرد ( من القيادات العالمية إلى عامة الناس في كل البلدان)، إلى التركيز على مشكلة صحية واحدة لها آثار عالمية. ويتيح يوم الصحة العالمي، بتركيزه على القضايا الصحية الجديدة والمستجدة، فرصة للشروع في عمل جماعي من أجل حماية صحة الناس وعافيتهم.

وفي الجزائر يُعاني قطاع الصحة الكثير من المشاكل والصعوبات التي لطالما أعاقت التطور الذي ينشده ملايين المواطنين، بداية من انعدام النظافة، مرورا على ندرة الأدوية ووصولا إلى المواعيد التي قد يموت صاحبها دون أن يصل.

قطاع الصحة في الجزائر يعد من القطاعات التي تهم المواطن نظرا لخصوصيته وتأثيره السلبي أو الإيجابي، ومن المؤكد أن الوافد على أي مستشفى ترتسم في ذهنه نظرة سلبية أو إيجابية عن طريقة استقبال المرضى وصولا إلى الإمكانات المتوفرة بنوعيها البشري والمادي المتواجد في هذا المستشفى أو ذاك المستوصف.

فقد ساهم الإقبال الكبير للمرضى على المستشفيات والقطاعات الاستشفائية من مختلف الولايات وغياب الرقابة والتفتيش في إهمال الطاقم الطبي والإداري للهياكل الصحية وتنامي سياسة المضاربات والمزايدات في الصحة البشرية.

 

المستشفيات … هياكل مهترئة وتجهيزات منعدمة

 

وبمناسبة اليوم العالمي للصحة الذي يصادف 7 أفريل من كل عام، وقفت ” الموعد اليومي” على الواقع المؤلم للصحة في الجزائر ورصدت لكم بعض الحقائق المرة. فعلى الرغم من أن الوزارة المعنية أكدت في الكثير من المناسبات سعيها لوضع سياسة جديدة وإيجاد صيغة جديدة من أجل تطوير وتوحيد الخريطة الصحية حتى تتماشى مع المقاييس المحددة عالميا، بهدف تقريب الصحة من المواطن، إلا أن وضعية الصحة أصبحت كارثية وتحولت المستشفيات الجزائرية إلى هياكل مهترئة، إذ هناك عدد كبير من المرافق الصحية قديمة وتعود إلى الحقبة الاستعمارية وتدخل في خانة البناء الجاهز وغير الموجه للاستغلال في القطاع الصحي الذي يتطلب طابعا خاصا من المرافق، زد على ذلك عدم توافق طبيعة المرافق الصحية مع الوظيفة العلاجية، بالإضافة إلى تدني مستوى الخدمات الصحية في بعض المستشفيات.

 

أرقام سوداء تعكس رداءة الصحة في الجزائر

 

استعرض البروفيسور بن قونية عبد الوهاب من مصلحة الأوبئة والطب الوقائي بمستشفى مصطفى باشا، في وقت سابق، قائمة سوداء تعكس رداءة الصحة في الجزائر، حيث كشف عن فضائح بالجملة سبق وأن حدثت في عهد الوزراء السابقين وأخرى عرفها القطاع في عهد الوزير الحالي، ومنها ”وفاة مرضى جزائريين بسبب ندرة الأدوية أو بسبب تأخر المواعيد”، موضحا أن هذه الوفيات ”ويا للعجب لم يتحرك لها ساكن ولم تزعزع أحدا للتحقيق فيها بشكل رسمي وقانوني”. وأضاف ”الإضرابات هي الأخرى كانت وراء وفيات، ولست أفهم لماذا الإضرابات طال أمدها رغم مشروعية مطالبها وقابليتها للتجسيد” ، مستغربا  “عدم فتح السلطات العمومية تحقيقات في أسباب تلك الوفيات مثلما يستدعيه القانون”، كاشفا عن وجود ”سياسة في قطاع الصحة تقوم على تسيير ندرة الأدوية وليس القضاء عليها، وجملة أخرى من كوارث التسيير، كتوقيف تقارير الرقابة المالية لصرف ميزانية الصحة”

وعن موضوع الندرة دوما، كشف البروفيسور عن نقص حاد في احتياطات الجزائر لأمصال ”التسمم العقربي” و”التيتانوس” و”الكلَب”، وأوضح أن الجزائر عرفت عودة خطيرة لأمراض انقرضت في أربعينات القرن الماضي ”كالطاعون” الذي أصاب 3 حالات في وهران سنة 2003 بالإضافة إلى ”الكلَب” والتيفوئيد والكوليرا التي سجلنا عودتها بمئات الحالات في السنوات الأخيرة والتهاب الكبد الفيروسي ”أ” و”ب” و”ج” والحمى المالطية و”التبول الدموي” و”البريسيلوز” واللشمانيوز الذي سجل 20 ألف حالة في العام الماضي.

وانتقد البروفيسور كيفية مواجهة هذه الأمراض وأخرى من الأنواع المعدية المتنقلة عبر المياه، موضحا ”أنه من غير الطبيعي معرفة الوباء وطبيعته وطريقة علاجه، لكن في الوقت ذاته نرى الأمراض تنتشر في كل ربوع الوطن دون السيطرة عليها”، شارحا الظاهرة بضعف المواجهة وافتقاد الدولة لسياسة صحية قوية.

وشدد البروفيسور المختص في الطب الوقائي والأمراض الوبائية، عبد الوهاب بن قونية، على ضرورة إنشاء معهد وطني لليقظة الصحية في الجزائر، يعادل وكالات وهيئات الأمن القومي الموجودة في ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، قصد المراقبة اليومية لصحة المواطنين، وكذا التشخيص المبكر لأي مرض أو فيروس يمس بالصحة العمومية، بالإضافة إلى التنسيق ما بين السلطات العمومية وتحضير تقارير سنوية حول الصحة في الجزائر، ضف إلى ذلك السهر على إخطار كل الجهات المسؤولة بالإجراءات الواجب اتخاذها في حال حدوث أي طارئ صحي.

وأوضح في السياق ذاته أهمية تنصيب المعهد الوطني لليقظة الصحية، إذ أن الوضعية الصحية في الجزائر في تراجع مستمر، واصفا إياها بالكارثية، نظرا لتهاون وزارة الصحة وغيرها من السلطات المعنية التي لا تفكر في إنشاء مراكز اليقظة الصحية، رغم أن المختصين والخبراء في الصحة اقترحوا فتح هذا النوع من المعاهد منذ 10سنوات لكن وزارة الصحة لم تفرج عنه إلى يومنا هذا لأسباب مجهولة، بحسب تعبيره، قائلا إن حالة المراكز الاستشفائية الكبرى في الجزائر وطريقة استقبال المرضى تستدعي إنشاء معاهد لليقظة الصحية.

 

الوقاية الحلقة الأضعف في السياسة الصحية الجزائرية

 

ونبه المتحدث ذاته إلى ضرورة إعادة النظر المعمق والجدي في السياسة الصحية الحالية، التي لا بد أن ترتكز على الطب الوقائي أكثر من الطب العلاجي، إذ تظهر الوقاية الحلقة الأضعف في السياسة الصحية الجزائرية، ونبه كذلك إلى ضرورة التوزيع العادل للمراكز الصحية والمستشفيات، إذ تشير الأرقام المقدمة من طرف المختص إلى وجود نوع من اللاتوازن بين مناطق الوطن. وكشف أن الهياكل الصحية المتوفرة حاليا تعكس فرقا واضحا بين جهات الوطن، بحيث تتمركز أهم الأقطاب الصحية في الشمال في وقت ما تزال مناطق الجنوب تعاني من نقص كبير في الخدمات الصحية والمختصين.

وبالأرقام فإن القطاع الصحي العمومي يحصي 13 مستشفى جامعيا تشير الملاحظات إلى معاناتها من الاكتظاظ الكبير لدرجة عدم الوصول إلى تقديم تكوين نوعي وذي مستوى، إلى جانب31 مؤسسة استشفائية متخصصة، 273 مؤسسة استشفائية عمومية، 1400 عيادة متعددة الخدمات، يتمركز أكثرها في المناطق الشمالية والوسطى للوطن.

 

مستشفى مصطفى باشا الجامعي قلب الصحة النابض بالجزائر

 

في الجولة التي قادتنا إلى أكثر المستشفيات شهرة وملجأ الجزائريين من جميع أقطار البلد ، مستشفى مصطفى باشا الجامعي، الذي يعد من بين أبرز الهياكل الصحية في العاصمة والوطن نظرا لما يتوفر عليه من مصالح وتجهيزات حديثة وطاقم طبي كفء تفتقر إليه جل الهياكل الصحية الأخرى المتواجدة عبر تراب الوطن.

وأنت تلج هذا المرفق الصحي الكبير، يتخيل إليك أن المرضى أكثر عددا من الأصحاء، فلا توجد مصلحة بها أماكن شاغرة، وأصحاب المآزر بمختلف ألوانها البيضاء والخضراء يجوبون الأروقة ذهابا وإيّابا، إذ يوجد أطباء وممرضون وممرضات، ولكن الكل تائه وكأنهم غير موجودين ولا معنيين بالمرضى الذين يتوافدون يوميا في حالة يأس من التكفل بهم على أكمل وجه.

 

المواعيد إلى أجل غير مسمى والعمليات لمن استطاع إليها سبيلا

 

يعاني المواطنون من بعض النقائص والتدني في مستوى الخدمات الطبية وفي مقدمتها تراخي بعض الأطباء كعدم احترامهم للمواعيد الطبية، حيث يحددون مواعيد للمرضى قصد فحصهم أو علاجهم إلا أن المواطن يتفاجأ لعدم حضور الطبيب أو خروجه قبل الموعد، وهذا أمر غير مقبول، والأخطر من هذا فإن هناك بعض الأطباء يحولون بعض المرضى من القطاع العام إلى القطاع الخاص من أجل إجراء فحوص وتحليلات هي متوفرة في المستشفيات العمومية وحتى لإجراء عمليات جراحية يمكن القيام بها في المستشفى.

‘الموعد اليومي” تنقلت إلى مصلحة العلاج الكميائي والإشعاعي، بمركز بيار وماري كوري، حيث كانت لنا دردشة مع البعض من المتواجدين هناك والذين تظهر عليهم علامات الأسى واليأس، كشف لنا السيد (صالح.م) أنه مصاب بسرطان الكولون وهو في بداية مرحلة العلاج الكميائي التي تأتي مباشرة بعد نجاح العملية الجراحية، ليتم بعدها الانتقال مباشرة للعلاج بالأشعة، في مدة لا يجب أن تتجاوز الستة أسابيع، مشيرا إلى أن العمليات لمن استطاع إليها سبيلا، اللهم إلا إجراء فحوص عادية في الطب العام، فيما يتم تأجيل المواعيد إلى أشهر أخرى. فبعد عناء الذهاب والإياب للظفر بموعد لإجراء عملية ما، يبقى كل مريض وحظه، فمواعيد المستشفى تطول عادة وأكثرها ستة أشهر وأقلها ثلاثة أشهر، فالمرضى القادمون من الولايات الشرقية والجنوبية هم الأكثر انتشارا عبر مختلف مصالح المستشفى، وكل مريض ومرضه ومعاناته.

وصلنا، إلى مصلحة طب العظام، التي تعتبر هي الأخرى من بين أهم المصالح التي تعرف إقبالا واسعا للمرضى، اقتربنا من أحد الموجودين هناك والذي كان ينتظر دوره من أجل الفحص بعد سقوطه من فوق سطح عمارة. سألناه عن الاستقبال وطريقة التكفل داخل المستشفى فأجابنا بنبرة كلها حسرة “إذا لم تكن لديك (المعريفة ) فلا أحد ينظر إليك”، وترك الحكم لنا ولضمير الأطباء العاملين بالمستشفى.

وفي هذا الصدد، اقتربنا من أحد الأطباء الذي سألناه عن ظروف استقبال المرضى، فقال إن الطبيب يوميا يتعامل مع ذهنيات كثيرة ولا بد له من التحلي بالصبر، نافيا أن تكون هناك ازدواجية في التعامل مع المرضى.

 الصورة نفسها ترتسم في مصلحة الجهاز الهضمي: جموع كبيرة من المرضى والزائرين يجوبون أروقة هذه المصلحة. اقتربنا من إحدى المرضى وهي تنتظر دورها من أجل الفحص، سألناها عن الاستقبال وطريقة تعامل الأطباء والممرضين، فردت “إن الكل يعمل كيما يحب”، مشيرة إلى أن المشكل ليس في الأطباء وقالت : “الأطباء والحمد لله يتكفلون بنا  ويساعدوننا ويخففون من آلامنا، المشكل كما أكدت وبكل حسرة في الممرضات وكذا أعوان الأمن الذين يتعاملون معنا وكأننا لسنا ببشر مثلهم فيتجاهلوننا ويشمئزون منا”.

ونحن خارجون من مستشفى مصطفى باشا حملنا في أذهاننا تساؤلا عن حال الصحة في الولايات الأخرى خاصة في المناطق النائية حيث تزداد معاناة المرضى في ظل غياب التكفل والرعاية الصحية اللازمة ونقص الوسائل المادية والبشرية  التي جعلت من سكان المناطق النائية ضحايا فقط لأنهم يقطنون بعيدا عن المدينة.

 

النظافة …الغائب الأكبر في مستشفياتنا

 

رغم أن المؤسسات الاستشفائية الكبيرة خاصة، تتوفر على إمكانات بشرية ومادية معتبرة إلا أن التسيير البشري للموظفين غلب عليه الطابع المجحف خاصة من طرف عمال المستشفيات الذين يستقبلون ببرودة المرضى وإن كانوا في حالات استعجالية.

مستشفى ” سليم زميرلي” الذي يثير انزعاج واستياء مرضاه، حيث تنعدم فيه أدنى الشروط الخاصة بالاستقبال من جهة وانعدم الاهتمام بالمرضى من جهة أخرى، الأمر الذي يتسبب في الغالب في امتعاض المرضى وكذا زوارهم، خاصة من ناحية النظافة، هذا العامل الأساسي الذي يعتبر من أهم العوامل التي يجب أن تركز عليها إدارة مستشفيات العاصمة، لأجل راحة وسلامة المرضى قبل كل شيء.

وانعدام النظافة بمستشفياتنا، ليس العامل الوحيد الذي يثير استياء مرضانا، فغياب الاهتمام بالمريض دافع آخر للإزعاج، فبالرغم من أن مستشفى ” سليم زميرلي” معروف باستقبال الحالات المستعجلة والخاصة، إلا أن سوء الاستقبال والتوجيه وحالة اللف والدوران التي يجد المريض نفسه فيها قبل أن يلقى علاجه، أكدت لنا من خلال ما ذكره لنا عدد من زوار المستشفى أنها تثير السخط والاستياء خصوصا وأن كثرة الأطباء والعاملين تجعل من الممكن جدا حسن التصرف والاستقبال عوض ”إذلال المرضى” ، مثلما ذكر البعض.

ومن جهتهم أكد جميع المرضى الذين تحدثنا إليهم في مصلحة التوليد بـ”بارني” عن انعدام النظافة التي باتت تساهم في انتشار الأمراض باعتبارهم أول المتضررين الذين يدخلون لمعالجة مرض معين فيصابون بأمراض أخرى خاصة المولودين الجدد الذين يصابون ببعض الأمراض نتيجة الميكروبات، الأمر الذي يؤدي بعائلاتهم إلى التسارع إلى المستشفيات والعيادات الخاصة لتفادي الآثار الناتجة عن الأمراض التي باتت تنتشر كالطفيليات.

 

مصالح الولادة تحت رحمة الاكتظاظ والوضع في سيارات “الكلودستان”

أبدت عديد النساء الحوامل بقسم النساء والتوليد بمستشفى ”بارني” المتواجد ببلدية حسين داي بالعاصمة،  عن استيائهن الشديد من المعاملة السيئة وطريقة الرفض التي يقابلن بها أثناء توجههن إلى هذه الأخيرة من أجل الوضع، حيث أجبرت الكثيرات منهن على التوجه إلى عيادات خاصة ومستشفيات أخرى، وهن في حالة جد حرجة، كما لا تزال المصلحة تحت رحمة الاكتظاظ وانعدام النظافة.

من جهتها صرحت إحدى النساء الحوامل عن حجم المعاناة التي تتلقاها النساء الحوامل قبل عملية الوضع، مؤكدة  أنهن يضطررن في عديد المرات إلى التنقل من مستشفى إلى آخر بحثا عن من يتكفل بحالتهن الصحية الحرجة. وما زاد من استياء الحوامل هي الحالة المزرية التي يتخبطن فيها في ظل انعدام أدنى اهتمام من طرف الأطباء والممرضين، مضيفة في  السياق ذاته أنهن غالبا ما يلدن داخل سيارات أزواجهن بل أكثر من ذلك في سيارات “الكلوندستان”.

 

مرضى محاصرون بين آلام المرض ومشقة البحث عن الدواء

 

يشتكي مئات المرضى عبر مناطق مختلفة من الوطن من ندرة حادة في بعض الأدوية وغيابها عن الصيدليات رغم حاجتهم الملحة لهذه الأدوية التي من شأنها التخفيف من حدة المرض.

الندرة -بحسب الصيادلة- مست أصحاب الأمراض المزمنة على غرار مرضى الحساسية والربو وفي ظل الانتشار الواسع لهذا المرض عبر كامل تراب الوطن، إذ يضطر الكثيرون للبحث عن حاجتهم أياما متواصلة فيما يعاود البعض الاتصال بالطبيب المعالج لتغيير نوعية الدواء في ظل انعدام الأدوية البديلة، الأمر الذي أرغم البعض على التنقل حتى إلى ولايات أخرى للظفر بالدواء المطلوب، كما شملت الأزمة مرضى السكري الذين يعانون من نقص مادة الأنسولين كذلك الأمر بالنسبة لمرضى القلب الذين يفتقدون لدواء “دوقوكسيل ” بالإضافة إلى مرضى الجلد والعيون وبعض الأمراض الأخرى، الأمر الذي جعل بعض المرضى يبدون تذمرهم الشديد في ظل حاجتهم الضرورية لهذه الأدوية للتخفيف من حدة المرض، مناشدين الجهات الوصية ضرورة السعي الجاد لتوفير ما يحتاجونه من أدوية للتخفيف من معاناتهم مع المرض.

لم تعد آلام المرض تسبب قلقا للمريض بقدر ما أصبح البحث عن الدواء هو “الداء” المزمن له على حد سواء، حيث يجد المريض نفسه محاصرا بين آلام المرض ومشقة البحث عن الدواء، وهو ما دفع كثيرا من المرضى إلى إحضاره من الخارج مهما كلف ثمنه، خاصة أصحاب الأمراض الخطيرة والمزمنة، ولا أحد يعرف أين المشكل ومن المتسبب فيه أمام المظاهر المؤسفة التي نلاحظها سواء على مستوى الصيدليات العمومية أو المركزية أو تلك التابعة للقطاع الخاص، المشكل يعود إلى ندرة المواد الصيدلانية لاسيما والعديد منها يستورد من الخارج ويكلف خزينة الدولة غاليا، وقد كان هذا العامل الفضاء المتاح لتجار الأدوية في استعمال المحاباة والمحسوبية في توزيع الدواء، وهو السؤال الذي طالما ردده المرضى وهم يعيشون حالة التذمر والاستياء لمعرفة المسؤول عن غياب الدواء أو نقصانه وعدم توفره، وإذا ما كانت حياة المواطن ستبقى بيد الوكلاء يتحكمون بها كما يشاءون، بسبب تأخر وصول الكميات التي يقومون باستيرادها.

 

 

النفايات الطبية، الخطر الذي تجهله وزارة الصحة

 

يقدّر مخزون النفايات الطبية في الجزائر بثلاثين ألف طن يتم لفظها كل عام، ويجري قذفها غالبا داخل المفرغات العامة، رغم خطورتها البالغة على صحة الأشخاص وتهديدها الصريح للبيئة بحكم احتوائها على مواد كيمائية سامة وكم هائل من الميكروبات والجراثيم التي تنتشر بسرعة وتتحلّل في الهواء، في الوقت الذي تمتلك الجزائر ما لا يقل عن 348 جهاز لإحراق النفايات الاستشفائية، و1500 مهني مختص، وقد تمكنت الجزائر  من إنجاز 460 مخطط على مدار الإحدى عشرة سنة المنقضية، بفضل البرنامج المحلي لتسيير النفايات، وإتمام مائة مركز لردم النفايات، وجرى إنشاء 26 مؤسسة ملحقة بهذا الصدد.

وكان وزير البيئة سابقا شريف رحماني قد أشار في وقت سابق إلى تفكير حثيث في إنشاء مراكز محلية مختصة بمعالجة وتسيير هذا النوع من النفايات، بجانب اهتمام الجهات الرسمية بإعادة تدوير النفايات المكدسة، وقد بيّن تقرير حديث أنّ الخزانة العامة تتكبد نحو سبعة مليارات دولار جراء تقاعس السلطات فيما مضى عن تسيير ثلاثة ملايين طن من النفايات المتراكمة.

ومن جهته كشف خياطي رئيس الهيئة الوطنية لترقية الصحة “فورام” أن الدراسات والأبحاث العلمية المعدة مؤخرا، أكدت وجود كميات معتبرة من هذه النفايات تصبّ مباشرة في المفارغ العمومية البعيدة عن المراقبة، وكأنها قمامة عادية، علما أن الأمر يتعلق بكمادات وميكروبات وجراثيم ومواد صيدلانية وكيماوية سامة وحتى إشعاعية، وأجزاء أو أعضاء من جسم الإنسان، خاصة تلك المتعلقة بقسم الولادات، وذلك في غياب تدخلات ردعية من طرف الجهات الوصية، التي من شأنها وضع حد لمثل هذه التجاوزات المهدِّدة للصحة العمومية والثروة الحيوانية النباتية والبيئة ككل، مؤكدا أن هذا الأمر يدفعنا إلى التساؤل عن وجود مؤسسات استشفائية عامة وكذا خاصة، إضافة إلى المخابر، تفتقر حتى الآن إلى أماكن مخصصة للقضاء على النفايات الطبية، بالكيفية المناسبة والفعالة، مثلها مثل باقي الدول”

وأشار رئيس الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث “فورام” إلى تأثير النفايات الاستشفائية على عمال مصالح النظافة للبلديات نتيجة نقلهم لهذه المواد الخطيرة، زيادة على أن عملية الإحراق ينتج عنها تلوث جوي، الأمر الذي يجعل الإنسان عرضة لأخطار الإصابات بفيروسات متنقلة ومعدية قد تكون قاتلة أحيانا، خاصة وأن المفارغ العمومية توجد بها الحيوانات المختلفة كالأبقار والماعز والكلاب والقطط، التي تتغذى من النفايات وكذا الحشرات المغذية التي تعمل على نقل الأمراض للإنسان”.

واعتبر أن “قضية التخلص من النفايات الاستشفائية، التي دأبت الهياكل الصحية على طرحها بشكل يومي، لاتزال بعيدة كل البعد عن الاهتمام الجدي في تسييرها ومعالجتها من طرف المسؤولين، بالرغم من الأصوات العديدة التي تتعالى بين الفترة والأخرى بوجوب إعطاء هذا الملف ما يستحقه من العناية الكافية، لكي نجنّب السكان أوبئة فتاكة، نتيجة الاحتكاك المباشر بهذه النفايات”.

فوضعية المستشفيات تتأزم وواقع الصحة في الجزائر يسير من السيء إلى الأسوأ، مستشفيات يقول عنها الأطباء إنها أصبحت أشبه بالمحتشدات، وإنها تحولت إلى ناقل للمرض، وليس وسيلة للعلاج، وفيما تقول الجهات الوصية أن جل الأطباء هجروها وتحولوا إلى “بزناسية” في المرض مقابل مبالغ باهظة في عياداتهم الخاصة، يرد الأطباء بأنه من حقهم ممارسة الطب بإمكاناتهم الخاصة.

 من جهة أخرى تلقي الوزارة تفاقم مشكلة الأخطاء الطبية، على عاتق الأطباء، فيما يرد هؤلاء بأن مشكلة الأجور تبقى دافعا لنقص مردودية الطبيب في العمل، وفي ظل تبادل الاتهامات يبقى واقع الصحة في الجزائر رهين طوابير المرضى ممن يبحثون عن سرير للعلاج أو كما أصبح يلقب بسرير المرض.

 

لمياء بن دعاس