الرئيسية / ملفات / زمن التسامح …انتهى  !

زمن التسامح …انتهى  !

 شهدت الجزائر في السنوات الأخيرة ارتفاعا  في حظيرة الدراجات النارية بشكل ملفت للانتباه، قابله ارتفاع في عدد الوكلاء الخواص لاستيراد الدراجات، إلا أن طريقة البيع بالفاتورة عوض البطاقة الرمادية من قبل  أغلب الوكلاء

  شكل ”أزمة ” لأصحاب ذات العجلتين، بحيث  تقوم مصالح الأمن على مستوى الحواجز الأمنية بالجزائر العاصمة منذ حوالي أشهر معدودة بحجز كل الدراجات النارية التي لا تتوفر على البطاقة الرمادية  باختلاف أصنافها وأوزانها، وهو ما جعل أصحاب هذه الدراجات بين ليلة وضحاها مخالفين للقانون  من دون سابق إنذار،  ليجدوا أنفسهم  ممنوعين من استعمال الطريق بدون حيازتهم للبطاقة الرمادية ومصير دراجاتهم ” المحشر ” لا محالة .

الحواجز الأمنية أصبحت ” فوبيا ” أصحاب الدراجات

في جولة استطلاعية تنقلت من خلالها يومية ”الموعد اليومي ” لشوارع العاصمة للوقوف على مدى صرامة مصالح الأمن في تشديد الرقابة على أصحاب الدراجات النارية … البداية كانت من بلدية الأبيار حيث توقفنا لساعات أمام أحد الحواجز الأمنية، لننبهر بصرامة مصالح الأمن من خلال توقيف كل الدراجات النارية التي تمر عبر الحاجز لمراقبة وثائقها،  وبعد تأكد رجال الشرطة من عدم امتلاك أصحاب هذه  الدراجات التي يفوق وزنها 50 سم مكعب على البطاقة الرمادية، يقومون مباشرة بحجزها، ورغم توسل أصحابها لأفراد الشرطة إلا أن كل توسلاتهم لم تجد نفعا أمام صرامة مصالح الأمن، لتقوم هذه الأخيرة بنقل الدراجات عبر شاحنة خاصة للمحشر بعد مرورها على مركز الشرطة، أمام حيرة وعدم قبول الوضع من قبل أصحاب الدراجات النارية .

*البطاقة الرمادية لمن استطاع إليها سبيلا

تقربنا من أحد ضحايا الحجز، الشاب ”عادل ” ، الذي أعرب لنا عن تذمره جراء حجز دراجته النارية، كاشفا في نفس الوقت أنه على علم بالإجراءات المتخذة من قبل أسلاك الأمن بحجز الدراجات التي لا تتوفر على البطاقة الرمادية، وقد حاول تكرارا ومرارا إيجاد حل لاستخراج هذه البطاقة من خلال التنقل إلى الوكالة التي اقتنى منها دراجته، إلا أن جل محاولاته باءت بالفشل، مصرحا في السياق ذاته ” تنقلت إلى الوكالة التي اشتريت منها الدراجة إلا أنهم فاجأوني بعدم استطاعتهم إعطائي البطاقة الصفراء التي من خلالها أستطيع استخراج البطاقة الرمادية، وحجتهم في ذلك أنهم استوردوا جميع الدراجات النارية بدون البطاقة الرمادية، وباعوها بالفاتورة فقط والقانون لم يجبرهم على اعتماد هذه البطاقة في عملية البيع ”.

لإثراء الموضوع أكثر تنقلت يومية ”الموعد اليومي” إلى أحد الحواجز الأمنية  ببلدية دالي ابراهيم بالعاصمة، وفور وصولنا إلى عين المكان لمحنا شاحنة تعود لأفراد الشرطة مملوءة عن آخرها بالدراجات النارية باختلاف أصنافها وأنواعها،  أمامها عدد معتبر من الأشخاص جلهم من الشباب في مقتبل العمر ، وبعد مكوثنا بضع ساعات بعيدين عن الحاجز بأمتار ، شد انتباهنا الأخذ والرد  المتبادل من قبل بعض الشباب وأفراد الشرطة، وبعد حوالي نصف  ساعة، كانت المفاجأة بالنسبة لنا، حين قام أحد الشباب الذي كان يقود دراجته قادما نحو الحاجز الأمني غير مرتدي خوذة الرأس، ليقوم فرد من الشرطة برفع يده وإعطاء إشارة من أجل توقف الشاب، إلى أن هذا الأخير ضرب طلب الشرطي عرض الحائط وقام بالفرار مسرعا وقرر المجازفة بحياته عوض خسارة دراجته النارية التي من المؤكد أن سبب فراره يعود لعدم امتلاكه للبطاقة الرمادية أو رخصة السياقة .

من خلال جولاتنا عبر العديد من  شوارع العاصمة تبيّن أن جل أصحاب هذه الدراجات لا يملكون البطاقة الرمادية التي أصبحت تمثل لهم هاجسا يؤرقهم في استعمال شوارع العاصمة  إلا فئة قليلة منهم، في حين أن البعض الأخر مخالفون للقوانين كليا ويستعملون الطريق من دون حيازتهم على رخصة السياقة ولا وثيقة التأمين  ولا حتى خوذة الرأس التي تحميهم من مخاطر حوادث المرور ، وهو الأمر الذي يطرح تساؤلات عديدة .

محافظ الشرطة  زواوي لـ ”الموعد اليومي ” : لهذه الأسباب نقوم بحجز الدراجات النارية

لمعرفة حيثيات الموضوع والأسباب التي تركت مصالح الأمن تحجز كل الدراجات النارية التي لا تتوفر على البطاقة الرمادية،  تقربت يومية ” الموعد اليومي”  من رئيس مكتب الوقاية والإعلام بمديرية الأمن العمومي زواوي رابح،  حيث أوضح هذا الأخير أن تشديد الرقابة على الدراجات النارية يأتي في ”إطار تحقيق السلامة المرورية ”،  مؤكدا أن الدراجات ”أصبحت تتسبب بنسبة كبيرة تفوق 16 بالمئة من حوادث المرور ، بالرغم من أنها لا تتعدى 03 بالمئة من الحظيرة الوطنية للمركبات ” .

وأضاف زواوي أنه ”في حالة ضبط حادث مرور تسبب فيه دراجة نارية لا تتوفر على البطاقة الرمادية يصعب من مأمورية مصالح الأمن في التعرف على الدراجة وصاحبها في الوقت نفسه”، مؤكدا أن ” الدراجات يجب أن تكون معروفة وليست مجهولة ” ولهذه الاسباب – يضيف زواوي ـ تقوم مصالح الأمن باتخاذ الإجراءت اللازمة وحجز الدراجات النارية إلى حين تسوية الوضعية القانونية لها.

هذا واعترف زواوي بالتسامح الذي كان يسود الوضع في بعض الأحيان، إلا أنه أكد أن ارتفاع حظيرة الدراجات النارية على المستوى الوطني في السنوات الاخيرة  أوجب اتخاذ هذه الإجراءات .

 على غرار البطاقة الرمادية، تلزم القوانين الخاصة بالدراجات النارية مستعمليها بامتلاك رخصة السياقة عكس ما كان ساري المفعول  في السنوات الماضية، حيث كان مستعملو الدراجات النارية لا يحوزون على هذه الرخصة ويستعملون الطريق  بشكل عادي ولا يتم توقيفهم من قبل مصالح الأمن  لدى مراقبة الوثائق  الخاصة بهم، وأكد رئيس مكتب الوقاية والإعلام بمديرية الأمن العمومي  في هذا السياق أنه لا بد على أصحاب الدراجات النارية أن يتقيدوا بقواعد رخص السياقة بحسب أصنافها ووزنها، وإلا ـ يضيف زواوي ـ تقوم المصالح الأمنية بحجز الدراجة النارية .

 *المستهلك  ضحية الفراغ القانوني وانعدام الصرامة

لمعرفة السبب في عدم امتلاك أغلب أصحاب الدراجات النارية التي تفوق سعتها عن 50 سم مكعب للبطاقة الرمادية  تنقلت يومية ”الموعد اليومي ” إلى إحدى الوكالات الخاصة باستيراد وبيع الدراجات النارية  بالعاصمة،  حيث أكد لنا مدير الوكالة ” خ.س” أن مؤسسته تقوم  ببيع الدراجات النارية التي تفوق سعة محركاتها 50 سم مكعب بالبطاقة الرمادية، كاشفا لنا أن  العديد من الوكالات غير خاضعة للقوانين المنصوص عليها وتستورد الدراجات كبضاعة مفككة لتقوم ببيعها بعد تركيبها بالفاتورة فقط، موضحا أن السبب في بيع أغلب الوكالات للدراجات النارية بدون البطاقة الرمادية يعود لأن ثمنها ضئيل مقارنة لو يتم بيعها بالبطاقة الرمادية وهو ما زاد من إقبال عدد كبير من  المشترين على هذه الوكالات وقابله أيضا ارتفاع في عدد الوكالات في ظل غياب الرقابة التامة من جهة وسوء التنظيم من جهة أخرى .

* القانون واضح لكن تجسيده غائب

لإثراء الموضوع أكثر  قامت يومية ”الموعد اليومي ” بعملية بحث واستطلاع حيث  تأكدنا أن  القانون  381/04 الصادر سنة 2004 عن وزارة النقل،  يلزم  أصحاب الدراجات النارية التي تزيد سعتها عن 50 سم مكعب أن تكون مرقمة تحوز على البطاقة الرمادية ورخصة السياقة، إلا أن الواقع يظهر أنه قانون على الورق فقط في ظل عدم تجسيده على أرض الواقع، وما زاد الطين بلة أن الوكالات الخاصة التي تستورد الدراجات النارية لم تطبق هذا القانون أمام تسامح السلطات المعنية والغياب التام للرقابة، كما أن أغلب الوكالات كانت تبيع الدراجات التي تفوق سعتها 50 سم مكعب بالفاتورة فقط، وعملية إدخالها عبر الموانئ كانت تتم بطرق جمركية عادية .

وأكد مسؤول في الجمارك أن  مصالحه ليس باستطاعتها وقف استيراد الدراجات النارية التي تفوق سعتها 50 سم مكعب في ظل غياب الخبير الذي يحدد صنف الدراجات المستوردة، مشيرا أن عملية إدخال هذه الدراجات عبر الموانئ من قبل الوكلاء كانت تتم في ظروف جمركية عادية بما أنهم يحوزون على سجل تجاري والوزارة الوصية تتيح لهم ذلك.

وتم وقف استيراد الدراجات النارية مباشرة بعد صدور دفتر الشروط الجديد  الذي أدى إلى وقف تام لاستيراد الدراجات النارية خاصة بعدما تم اعتماد شروط كثيرة فيه تلزم الوكلاء بالاستجابة لها.

*بداية عملية ” الحجز ” تعود لسنة 2015

من جهة أخرى، وبعد استطلاعنا الجيد للقضية وصلنا لنتيجة مفادها أن عملية حجز الدراجات النارية  ليست وليدة اليوم ولا الأشهر الماضية بل تعود بداية القضية لشهر أكتوبر من سنة 2015  حيث بدأت مصالح الأمن بتشديد الرقابة على أصحاب الدراجات النارية بعد صدور دفتر الشروط الجديد من قبل وزارة الصناعة والمناجم، إلا أن تطبيق القانون من قبل مصالح الأمن كان لفترات متقطعة، فبعد بضعة أشهر من بداية العملية عاد التسامح يسود الوضع لمدة فاقت الـ7 اشهر،  لتعود مجددا عملية ”الحجز” قبيل أشهر قليلة من الأن لكن هذه المرة  بإجراءات صارمة لم تشهدها الجزائر على مر السنين .

 * دفتر الشروط الجديد يقضي على الوكلاء الفوضويين

من خلال صدور دفتر الشروط الجديد تكون وزارة الصناعة والمناجم قد ضربت بيد من حديد الوكلاء الخواص وذلك بمنع المستوردين من إدخال الدراجات النارية التي تفوق سعة محركاتها 50  سم مكعب دون البطاقة الرمادية، بل أكثر من ذلك تم إدراج الكثير من الشروط والمقاييس المتعلقة بالدرجة الأولى بالبرامج التقنية للدراجات مثل برنامج الفرامل وغيره، وهو ما دفع بالكثير من الوكلاء إلى تغيير المهنة، في حين ألقى بظلاله على الوكلاء المعتمدين من خلال الوقف التام لاستيراد الدراجات النارية على خلفية دفتر الشروط الجديد وهو ما أدى ـ على حد قول أحد المسؤولين ـ إلى توقيف أكثر من 80 بالمئة من العمال بسبب الركود في الاستيراد .

* إغلاق العديد من الوكلاء لمحلاتهم القطرة التي أفاضت الكأس

دفتر الشروط الجديد لم يؤثر فقط على الوكلاء بل مس مفعوله أيضا أصحاب الدراجات النارية. فبعد إجراءات الحجز من قبل مصالح الأمن تنقل الكثير منهم إلى الوكلاء الخواص الذين اقتنوا منهم درجاتهم للمطالبة بالوثائق الخاصة لاسخراج البطاقة الرمادية إلا أن المفاجأة كانت غير سارة لأغلبهم وهو ما أكده ” عادل ” الذي ذهب للوكالة التي اشترى منها درجاته  إلا أنه وجدها مغلقة لأجل غير مسمى،  وهو ما يعني له إما إبقاء دراجته مركونة في المنزل أو التعرض  للحجز وكلا الأمرين مضران .

* البعض اختار ركن دراجته في المنزل عوض المجازفة بها

الكثر من مستعملي الدراجات النارية الذين التقينا بهم أكدوا  لنا أنهم فضلوا  ركن دراجاتهم في المنزل وعدم المغامرة والخروج بها للشارع خوفا من سقوطهم في قبضة مصالح الامن لتكون الكارثة بالنسبة لهم ، كما طالب  أصحاب الدراجات النارية السلطات المعنية بإيجاد حلول عاجلة لهذه الإجراءات التي ساهمت في وجود فراغ قانوني لكيفية الحصول على البطاقة الرمادية.