عروس الشرق ومهد الحضارة

سطيف العالي… عاصمة الهضاب والضباب

كعروس فاتنة بلباسها الأبيض الناصع تتزين ولاية سطيف بردائها الأبيض، الذي زادها جمالا على جمالها الطبيعي الآسر، ومنح أهلها وزوارها أجواء تشبه ما شاهدوه على شاشات التلفزيون وما قرأوه في الروايات.

سطيف عاصمة الهضاب والضباب أيضا.. اُشتهرت بـ “سطيف العالي” لعلو موقعها واحتلالها مكانة هامة جغرافيا وتاريخيا، فعلى مرتفعات الهضاب العليا وبين جبال بابور ومغرس وتحت حراسة جبل سرج الغول الشامخ، تتموقع المدينة صاحبة الضجيج الهادىء وبلدة الأصالة والمعاصرة في دمج رائع لمتناقضات الحياة الريفية والمدنية.

 

أقدم المدن.. وممر الغزوات ومهد الحضارات

????????????????????????????????????

تعتبر سطيف من بين أقدم المدن في الجزائر إن لم يكن في العالم، فقد أثبتت الاكتشافات الأثرية الحديثة في عين حنش وجود حضارات تعود إلى الإنسان البدائي، وقد مرت عليها كل غزوات وحضارات البحر المتوسط، لكنها عرفت ازدهارا خاصا مع الرومان الذين أعادوا بناءها، ولا تزال شواهد معمارهم موجودة حتى اليوم، كما أن اسمها مشتق من الكلمة الرومانية سيتيفيس، وقد وجد الرومان فيها المنطقة المثالية للراحة والاستجمام بما حباها الله من ينابيع معدنية وأنهار وهواء ناعم، إلى جانب خصوبة الأرض، فقد كانوا يسمونها مطمورة روما، ومن هذه الصفة استمدت تسميتها ستيفيس التي تعني الأرض السوداء أو الخصبة.

 

عين الفوارة.. رمز الحياة المتدفقة

مدينة عين الفوارة… هو اسم آخر يضاف لقائمة الأسماء التي يحلو للكثيرين إطلاقها على مدينة سطيف، وهو اسم لرمز المدينة ومفخرة سكانها وقبلة زوارها… حيث يوجد بها تمثال لامرأة حسناء فوق ينبوع ماء لا ينضب أبدا ويقول السطايفيون إن من يشرب من مائها لابد أن يعود مرة أخرى لولاية سطيف ولو بعد حين،

وحيكت حول عين الفوارة الكثير من الأساطير والقصص، وظلت على مرّ العصور ومنذ وضع تمثال المرأة الحسناء فوق ينبوع الماء سنة 1898 من قبل النحات الفرنسي الشهير فرانسيس دو سانت فيدال، رمزا للحياة المستمرة المتدفقة كتدفق الينبوع المائي..

وعلى مر السنوات خلق تمثال عين الفوارة المفارقة والتناقض، فالمرأة العارية وشعرها المترامي الأطراف فوق كتفيها، تحرج كل من يمرّ أمامها، خاصة العائلات السطايفية، غير أن ذلك لم يمنع زيارتها بل والتبرك بمائها والفخر بها أيضا… فعند عين الفوارة تخلق المفارقة وتموت ويزول الحرج حين ولادته، فتشكل عين الفوارة مع الأضواء الملونة التي تزين “ساحة الاستقلال” لوحة جميلة أسالت لعاب عديد المستثمرين الخواص، بدليل إنجاز 5 فنادق فخمة تحيط بتمثال عين الفوارة، في أقل من 5 سنوات، وما زاد من ازدحام المكان توفره على أرصفة واسعة، وتواجد “المسجد الجامع العتيق”، أهم وأعرق مسجد بالولاية، الذي يُصنّف ضمن التراث الوطني، وللتمثال قصة مع العرسان والأعراس، حيث تُحضر العروس من بيت أهلها إلى بيت عريسها، وتكون الوجهة أولا “عين الفوارة”، حيث تصطف السيارات بالقرب من النبع ويشرب العرسان من مائها تبركا بدوام العلاقة، حسب اعتقاد العجائز، ثم تؤخذ صور تذكارية لهما. وكثير من العرسان يفضل قضاء الليلة في أحد الفنادق المجاورة، خاصة أن شرفاتها تطل على الساحة المحاذية لعين الفوارة، بالتوازي مع انتشار العشرات من أفراد الشرطة لتوفير الأمن للوافدين عليها، بالإضافة إلى نصب كاميرات كثيرة في مختلف الأرجاء لمراقبة أهم ساحة في مدينة سطيف، بعد أن تعرّضت لعملية تخريبية إبان العشرية السوداء، أتلفت معالم كبيرة منها، إلى غاية إعادة ترميمها من جديد، ومع ذلك ظل تمثال عين الفوارة يتعرض للتكسير، ولا تختلف عين الفوارة عن تلك المناطق التي تلفها الأساطير والحكايات، وتروي النسوة والعجائز قديما أن الساحة التي تخلو من تمثال عين الفوارة آنذاك كانت ملاذ المسافرين والمارة من كل مكان، يقصدون ينبوع الماء المتدفق في وسطها للاغتسال والشرب والراحة هم وأنعامهم، من خيول وبغال وماشية وحتى الجمال، ثم يتوضأ المصلون عند النبع من أجل الصلاة. غير أن هذه المظاهر لم تعجب المعمرين الذين كانوا يحتلون هذه الساحة بشكل كلي، فقاموا بنصب تمثال للمرأة العارية، حتى يتم إحراج الوافدين عليها وطمس معالم القيم الروحية، في حين تروي الكتب التاريخية أن تمثال عين الفوارة هي حكاية امرأة، يقال إن حاكما فرنسيا أحبّها وعشقها، ولأنها كانت زوجة رجل آخر، لم يكن أمام الحاكم الفرنسي الولهان بجمالها سوى اختطافها، ما كسر قلب حبيبها الذي أقام تمثالا لتخليد ذكراها وسط المدينة فوق نبع ماء، حتى يبقى حبّه لها متدفقا إلى الأبد.

 

زهرة “اللوتس”.. معلم ينافس عين الفوارة


وإن حافظت عين الفوارة على مكانتها على مر العقود، إلا أن هناك بعض المتحفظين الذين يرون في زيارتها حرجا لهم، ومع تسرب معتقد يقول بتعمد المستعمر نصب هذا التمثال مقابل للقبلة وأمام المسجد لضرب العقيدة وطمس الهوية الوطنية، قام الكثير من السواح بتغيير وجهتهم والتوجه إلى معلم آخر، هو زهرة “اللوتس” أو كما يطلق عليها اسم “الزهرة الذهبية” المقامة بمحاذاة مقر الولاية، والتي أضحت تنافس نافورة عين الفوارة، باعتبارها متنفسا آخرا للملتزمين خصوصا لالتقاط الصور التذكارية وأخذ قسط من الراحة والاستجمام.

وتعتبر زهرة “اللوتس” أو كما يسميها البعض وردة النيل الواقعة بساحة 8 ماي1945  بسطيف، جزءا من الديكور الحضري بل أحد أهم المعالم التي تفتخر بها مدينة سطيف، وهي مصنوعة من المعدن ويبلغ طول أوراقها 07 أمتار. شكلت فضول السكان قبل الزائرين وديكورا جديدا أضفى على عاصمة الهضاب جوا جماليا فريدا..

ورشح العارفون بالشأن السياحي “زهرة اللوتس” أو الزهرة الذهبية لأن تنتزع مكانة عين الفوارة.

 

جبل “مغرس” حارس المنطقة ومستقبل زوارها

على بعد 08 كلم من بلدية عين عباسة شمال ولاية سطيف، ينتصب جبل مغرس شامخا مكتسيا رداءه الأبيض الجميل في وقار وشموخ يلاحظه الزائر للمدينة ناصعة البياض، حيث أن الزائر لمدينة سطيف يلمح جبل مغرس بمجرد تساقط الثلوج.

ويجدد جبل “مغرس” الشامخ في عاصمة الهضاب العليا سطيف دعوته لزواره الذين هجروا المنطقة السياحية الرائعة منذ بداية التسعينيات بسبب سوء الأوضاع الأمنية، وهذا بعد أن تقرر مؤخرا إعادة هيكلة المنشآت القاعدية السياحية بالمنطقة لاستقبال الزوار وضمان ظروف الراحة اللازمة، ومن المنتظر أن تتدعم منطقة “مغرس” السياحية خلال الفترة القصيرة المقبلة بالعديد من الهياكل الخدماتية والسياحية لإعطاء المنطقة بعدا سياحيا أكبر كونها تحتوي على مخزون جمالي وطبيعي فريد، وتعتزم السلطات المحلية إنجاز مشاريع متنوعة تدعم المنطقة في مختلف المجالات خاصة الترفيهية والخدماتية على غرار انجاز بيت للشباب لحوالي 100 سرير بأعالي الجبل يساهم في ترقية السياحة والمبيت في هذه المنطقة للقوافل التي تأتي من مختلف الولايات للمتعة والاستجمام، إضافة إلى تهيئة ملاعب جوارية شبانية يستفيد منها الشباب وحتى لاعبي النوادي كون المنطقة تعرف بالجو النقي الذي يساهم في إعداد التربصات الرياضية المغلقة، أما المشروع الثالث الذي ستستفيد منه هذه المنطقة السياحية هو عبارة عن أماكن ومساحات مخصصة للترفيه والتسلية خاصة بالعائلات والأطفال لتشجيع السياحة العائلية في ظل نقص كبير وواضح لمثل هذه المناطق عبر كل تراب الولاية، ليبقى بذلك المستفيد الأول من كل هذه المشاريع الحيوية هم سكان المنطقة نظرا للعائدات المالية التي ستترتب عن هذه الإنجازات، ما يسمح بتوفير مناصب شغل هامة لمواطني وشباب المنطقة. تجدر الإشارة إلى أن جبل “مغرس” شهد زيارة الآلاف من العائلات والأطفال خلال السنتين الأخيرتين، مما شجع القائمين على هذا القطاع الحيوي النظر في إعادة إحياء المنطقة سياحيا واقتصاديا.

وينفرد جبل مغرس بموقعه الملائم لممارسة الرياضات الجبلية كالتزحلق على الثلوج وتسلق الجبال والسير على الدراجات الهوائية، ففي حال توفر هذه الأدوات والوسائل الميكانيكية التي من شأنها ترقية هذه الرياضة وسط تضاريس طبيعية غنية بثرواتها النباتية والحيوانية، هو استثمار حقيقي لما يتميز به من نقاء الهواء لمن يود أن يحقق نتائج رياضية على المستوى الوطني والإقليمي وحتى الدولي، حيث يساعد على استقطاب اهتمام هواة الرياضات الجبلية، ومن خلال جمال المنطقة أيضا، ما عزز الفكرة أن المنطقة احتضنت تجمعات كبرى للشباب خلال السنوات الأخيرة، حيث تعرف في كل مناسبة زيارة ما يزيد عن ثلاثة آلاف طفل وشاب من كل بلديات ودوائر الولاية الذين يفضلون جبل مغرس أين يجدون الفضاء الحقيقي الذي يحتاجونه وكذا للتمتع بجاذبية المكان التي من شأنها تحقيق الترفيه والترويح والقضاء على الملل.

 

شواء “عين ولمان” حتى في أيام البرد القارس

تشهد منطقة “عين ولمان” – وعبر كل الفصول- بشارعها الرئيسي وكذا عبر طرقها الفرعية حركة حيوية تختلط فيها زحمة السير بدخان الشواء المتصاعد من كل الجهات، مما يوحي بأن هناك أكلة شهية بهذه المدينة التي لا يبرحها زوارها دون تذوق شوائها اللذيذ.

وقد أصبحت هذه المنطقة الواقعة جنوب الهضاب العليا تشتهر بشوائها المتميز الذي أضحى رمزا من رموز هذه المدينة التي تشعل يوميا الفحم وتفوح من بعيد برائحة الشواء الزكية.

إنه الشواء الذي يحضر من لحم الخروف الطري ويبعث الرغبة في نفوس المارة الذين لا يترددون في الجلوس حول طاولة أحد هذه المطاعم لتلذذ هذا الشواء الشهي.

ولا يتميز شواء “عين ولمان” بنوعية لحمه ومذاقه فحسب، ولكن وبدون شك أيضا بأسرار الطهي والتحضير التي تخفيها هذه المشاوي المصفوفة بشوارع هذه المنطقة والتي يحتفظ بها أصحاب هذه الحرفة المتوارثة أبا عن جد، والذين يصنعون مفخرة هذه المنطقة من خلال حسن الاستقبال ودعوتهم الزبائن لتذوق شوائهم بأيدي تلوح للعيان وأصوات تعلو بالمكان.

ومن بين هذه الأماكن الأكثر ارتيادا من قبل الزبائن، يبرز مطعم يشتغل بهذه الحرفة منذ 20 سنة، حيث يمكن ملاحظة صاحبه أمام مشوتين موضوعتين بواجهة هذا المطعم الجميل وهو يشوي دون توقف مشابك اللحم وكذا الكبد والكلى. ويمكن هنا ملاحظة طوابير من الزبائن التواقين لتناول هذا الشواء الذي تسربت رائحته إلى أنوفهم واستهوت بطونهم.

وبهذا المحل يشتغل ثلاثة حرفيين داخل المطبخ الصغير، حيث يحضرون مشابك اللحم بسرعة فائقة بمزج قطع اللحم والشحم داخل أعواد الشواء بالتناوب، وتمكن السرعة الفائقة لطهي الشواء من تلبية طلبات مستمرة بوتيرة عالية منذ الساعات الأولى للنهار وإلى غاية حلول الظلام.

ويشهد هذا المطعم إقبالا مكثفا للزبائن خاصة خلال الظهيرة والذين يتزاحمون عند مدخله من أجل الوصول إلى إحدى قاعاته الثلاث أو حجز مكان على مستوى شرفته، وعند الجلوس أخيرا على طاولة من طاولات هذا المطعم يجد الزبون أكوابا من الهريسة وبعض الكمون وزيت الزيتون تساعده على الصبر ريثما يجهز الشواء.

ولـ “عين ولمان” طريقتها المميزة في استقبال زبائن مطاعمها وتلبية حاجياتهم من الشواء. فبهذه المطاعم ليست هناك حاجة الى تقديم طلبات ثم انتظار تلبيتها ذلك لأن العاملين بهذه المطاعم لا يتوقفون عن الطواف حول طاولات الزبائن وهم حاملون صينيات بها كل ما لذ وطاب من أنواع الشواء .

وما على الزبون سوى طلب ما يحتاج من بين تلك المشابك المحملة بأنواع لحم الخروف، فتوضع مباشرة أمامه دون طول انتظار. وعند الانتهاء فما على الزبون سوى عدّ عدد المشابك لتكون بذلك الفاتورة جاهزة من خلال عامل ثقة بينه وبين صاحب المطعم، وهوما يعكس تلك التقاليد الأصيلة التي لا تزال تطبع العديد من مناطق الوطن بما فيما “عين ولمان” التي لا يغادرها زوارها دون تذوق شوائها اللذيذ .

 

إيراقن.. الجنة المنسية

بلدية إيراقن.. أو الجنة المنسية.. لا تزال تبحث عمن يكتشف سحر طبيعتها العذراء وكنزها السياحي المدفون بين جبالها الشامخة وسدها الأخطبوطي الأزرق، فالطبيعة في ايراقن لا تزال عذراء كما خلقها المبدع لم تطلها يد الانسان، ففي هذه المنطقة امتزجت خضرة الأرض ربيعا وبياضها شتاء بزرقة المياه، ما جعلها تشكل لوحات ابداعية لمناظر طبيعية خلابة.

 

سحر منطقة ايراقن وطبيعتها الخلابة، إضافة الى الاستتباب

والاستقرار الأمني الذي عرفته خلال السنوات الأخيرة، جعلها وجهة سياحية بامتياز للزوار والسواح من هواة السياحة الجبلية من مختلف المناطق المجاورة وحتى البعيدة بحثا عن الراحة

والاستجمام، دون نسيان عشاق السكينة والهدوء الذين يقصدون سدها الأزرق الأخطبوبي المترامي الأطراف على آلاف الأمتار المربعة.

وتعتبر منطقة إيراقن جوهرة سياحية نادرة تحتاج إلى الصقل من خلال إصلاح وترميم شبكة الطرقات المؤدية منها وإليها، وإلى انشاء مرافق سياحية تسمح لقاصدي المنطقة بالتمتع بمناظرها السياحية الساحرة التي تبهر الزوار وينابيعها المائية العذبة وجبالها الشامخة التي تختزن واحدة من أجمل مناطق الجزائر.

 

عمرها أكثر من قرنين وتعمل بمردودية عالية لحد الآن

أقدم آلة لإزاحة الثلوج بعين الكبيرة

إنها تحفة أثرية لا تزال تعمل بمردودية عالية لحد الآن، كاسحة الثلوج عمرها أكثر من قرنين تعود إلى بداية القرن الثامن عشر،

وحسب مالك الآلة من بلدية عين الكبيرة الذي يحتفظ بوثائقها ليومنا هذا وهي من نوع تريبل دوريجين مودال سنة 1800 م، مصنوعة من الحديد المصقول، وحسب هيكلها، فإنها يمكن أن تبقى في الخدمة لمئات السنين القادمة.

 

وختاما لا يمكن، بل ويستحيل أن نختصر جمال وروعة ولاية سطيف ومناطقها الفائقة الجمال والروعة في روبورتاج واحد، فشساعة مساحتها وتنوع تضاريسها وجمال طبيعتها وغناها بالمناطق الأثرية والتاريخية يستحق ويستلزم الكثير، فلايمكن أن نفي المنطقة حقها في هذا الروبورتاج المتواضع.

لمياء بن دعاس

 

 

 

الرابط