إنَّ الخَامِسَ مِنْ يُولْيُو، الَّذِي سَنَسْتَقْبِلُهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، لَيْسَ مُجَرَّدَ رَقْمٍ في التَّقْوِيمِ، بَلْ هُوَ ذَاكِرَةٌ فَعَّالَةٌ؛ فَكَمَا يَكْتَسِبُ الإِنْسَانُ وَعْيَهُ مِنْ تَجَارِبِ سِنِيهِ، تَكْتَسِبُ الأُمَّةُ هُوِيَّتَهَا مِنِ اسْتِذْكَارِ تَضْحِيَاتِ أَجْدَادِهَا، لِتَجْعَلَ مِنْ تِلْكَ الذِّكْرَيَاتِ سِيَاجًا يَحْمِي حَاضِرَهَا، وَبَوْصَلَةً تُرْشِدُهَا وَهِيَ تَشُقُّ طَرِيقَ المَجْدِ في خِضَمِّ أَمْوَاجِ المُسْتَقْبَلِ، كَمَا قَالَ رَائِدُ النَّهْضَةِ الشَّيْخُ عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ بَادِيسَ: “إنَّ أُمَّةً لا تَعْرِفُ تَارِيخَهَا لا تَمْلِكُ حَقَّ الوُجُودِ”؛ فَالتَّارِيخُ هُوَ المُخْتَبَرُ الأَكْبَرُ الَّذِي تُشْحَذُ فِيهِ عَزَائِمُ الشُّعُوبِ. وَكَمَا أنَّ الجَسَدَ لا يَحْيَا بِلا ذَاكِرَةٍ تَرْبِطُ أَطْرَافَهُ بِمَرْكَزِهِ، فَإنَّ الجَزَائِرَ لا تَحْيَا إلا حِينَ يَرَى شَبَابُهَا في أَوَّلِ نُوفَمْبِرَ مِيثَاقًا حَيًّا يُلْزِمُهُمْ بِأَنْ يَكُونُوا وَرَثَةَ إِبَاءٍ، لا مُجَرَّدَ رُوَاةٍ لِتَضْحِيَاتِ السَّابِقِينَ. لَقَدْ كَانَ رُوَّادُ نَهْضَتِنَا -وَهُمْ كُثُرٌ بِحَمْدِ اللهِ- وَعَلَى رَأْسِهِمُ الإِمَامَانِ: ابْنُ بَادِيسَ، وَالشَّيْخُ مُحَمَّدُ البَشِيرُ الإِبْرَاهِيمِيُّ، يُدْرِكُونَ أنَّ مَعْرَكَتَنَا مَعَ الِاسْتِعْمَارِ كَانَتْ مَعْرَكَةً وُجُودِيَّةً، فَإذَا كَانَ سِلاحُ الأَمْسِ هُوَ البُنْدُقِيَّةُ، فَسِلاحُ اليَوْمِ هُوَ العَقْلُ المُنْتِجُ، وَالخُلُقُ القَوِيمُ، وَالرُّوحُ المُؤْمِنَةُ. وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَحْتَكِمَ إِلَى قَوَانِينَ النُّهُوضِ وَالسُّقُوطِ، فَإِنَّ العَلَّامَةَ ابْنَ خَلْدُونَ قَدْ قَرَّرَ في مُقَدِّمَتِهِ أَنَّ الدُّوَلَ لَا تَقُومُ عَلَى القُوَّةِ المَادِّيَّةِ المُجَرَّدَةِ، بَلْ عَلَى الصبغة الدينية وَالتَّلَاحُمِ الرُّوحِيِّ، إِذْ يَرَى أَنَّ الدَّعْوَةَ الدِّينِيَّةَ هِيَ الَّتِي تَصْهَرُ العَصَبِيَّاتِ وتَمْنَحُهَا قُوَّةً لَا تَنْفَدُ . فَاسْتِقْلالُنَا سَيَتَآكَلُ -لا سَمَحَ اللهُ- إذَا مَا انْقَطَعَ عَنْ جُذُورِهِ، وَسَيَذْبُلُ -لا قَدَّرَ اللهُ- إذَا مَا جَفَّتْ فِيهِ رُوحُ الرِّسَالَةِ الَّتِي أَوْرَثَنَا إِيَّاهَا الشُّهَدَاءُ. عِبَادَ اللهِ: يَا شَبَابَ الجَزَائِرِ، يَا حَفَدَةَ الجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ الَّتِي لا تَنْحَنِي، وَيَا صَدَى أَصْوَاتِ أَوَّلِ نُوفَمْبِرَ الَّتِي لا تَخْبُو، في هَذَا الخَامِسِ مِنْ يُولْيُو، لا نُحْيِي ذِكْرَى يَوْمٍ مَضَى، بَلْ نُحْيِي عِزَّةً لا تَمُوتُ. إنَّنَا نَقِفُ اليَوْمَ عَلَى أَرْضٍ رُوِيَتْ بِدَمِ أكثرَ مِن مِلْيُونٍ وَنِصْفِ المِلْيُونِ مِنَ الشُّهَدَاءِ، قَرَّرُوا أنَّ المَوْتَ في سَبِيلِ الكَرَامَةِ أَهْوَنُ مِنَ الحَيَاةِ تَحْتَ قَيْدِ الذُّلِّ. وَتَدَبَّرُوا حِكْمَةَ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ البَشِيرِ الإِبْرَاهِيمِيِّ -وَهُوَ يَرْسُمُ الغَايَاتِ- بِقَوْلِهِ: “إنَّ الِاسْتِقْلالَ الَّذِي نِلْنَاهُ هُوَ وَسِيلَةٌ لِغَايَةٍ أَسْمَى، وَهِيَ بِنَاءُ الأُمَّةِ وَتَشْيِيدُ مَجْدِهَا بِالعِلْمِ وَالعَمَلِ وَالفَضِيلَةِ؛ فَإِنْ نَحْنُ قَصَّرْنَا في هَذِهِ الغَايَةِ، فَقَدْ خُنَّا الأَمَانَةَ الَّتِي حَمَلَهَا الشُّهَدَاءُ في دِمَائِهِمُ الزَّكِيَّةِ”(ا.هـ)بتصرّف. ومعنى هذا الكلام البليغ أنَّ الِاسْتِقْلالَ الَّذِي انْتَزَعْنَاهُ بِالنَّارِ، يَتَطَلَّبُ اليَوْمَ جِهَادًا بِالنُّورِ، وَإِنَّ الوُجُودَ الَّذِي نَنْعَمُ بِهِ اليَوْمَ في رِحَابِ هَذَا المَسْجِدِ العَامِرِ آمِنِينَ -بِحَمْدِ اللهِ-، قَدْ دُفِعَ ثَمَنُهُ أَرْوَاحًا طَاهِرَةً، وَدِمَاءً زَكِيَّةً، وَإِنَّ الأُمَّةَ الَّتِي تَتَنَكَّرُ لِتَارِيخِهَا، أَوْ تَسْتَرْخِصُ تَضْحِيَاتِ أَجْدَادِهَا، تَضَعُ نَفْسَهَا في مَهَبِّ التَّلاشِي.
الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر






