عبادة السر

هل لك عمل صالح خفي تتعبد به لله وترجو به الخلاص ولا يعلمه أحد من الناس؟ فالخبيئة قد تكون ركعاتٍ لا يعلم بها أحد، أو صيامُ أيام لا يعلم به أحد، أو تلاوةٍ وختمات للقرآن، أو استغفار بالأسحار، أو دمعةٍ في خلوة من خشية الجبار، أو صدقةٍ في السر فلم تعلم شمالك ما أنفقت يمينك، أو إصلاح في السر بين الناس، أو صلاة بالليل والناس نيام.

فعبادة السر وطاعة الخفاء زينة العبد في خلوته وزادُه من دنياه لآخرته، بها تُفرَّج الكربات، وتسموا الدرجات، وتُكفر السيئات. عبادة السر وطاعة الخفاء، لا تَخرج إلا من قلب كريم، وعمَّرت الرغبةُ فيما عند الله أرجاءَه، فأنكر نفسه وأخفى عمله وتجرد لله يُريد قبَوله ومحبته ورضاه. عبادة السر وطاعة الخفاء، دليل الصدق، وعُنوان الإخلاص، وعلامة المحبة وأثر الإيمان، وهي من أعظم ما يتقرب بها العبد إلى ربه، ويدخرها لنفسه في يوم أحوج ما يكون فيه إلى ما يَكسي عورته ويُطفئ ظمأه ويجعله تحت ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله. العبادة الخفية، والعمل الصالح في السر كنز من كنوز الحسنات، فلا تغفل عنها، واعقد العزم من الآن على أن تكون لك خبيئةٌ من عمل صالح بحول الله وقوته. وقد يطول بنا الحديث أيها العباد إن تكلمنا عن نماذج من السلف الصالح الذين كانت لهم أعمال خفية لا يعلمها إلا الله. فقد جاء في كتب السير، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يتعاهد عجوزاً كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل، فيستقي لها، ويقوم بأمرها، فكان إذا جاء وجد غيره قد سبقه إليها، فأصلح ما أرادت، فجاءها غير مرة حتى لا يُسبق إليها، فرصد عمر ذلك الفاعل، فإذا هو أبو بكر الصديق الذي يأتيها وهو يومئذ خليفة، فقال عمر: أنت هو لَعمري.