الرئيسية / ملفات / عراقة الموروث تعانق ذكرى خير الأنام “الجزائريون في المولد النبوي” ..اختلفوا في الأطباق واتفقوا على المفرقعات
elmaouid

عراقة الموروث تعانق ذكرى خير الأنام “الجزائريون في المولد النبوي” ..اختلفوا في الأطباق واتفقوا على المفرقعات

عادات مختلفة في بلد واحد

الله كرر في تبجيله سورَا .. وألبس الشمس مِنه النور والقمرَا .. وأخجل البحر مِن يمناه والمطرَا .. فهاك عذري فكم مثلي قد اعتذرَا .. إن الذي أعجز المداح والشعرَا .. أعيا الورى فهم معناه فليس يرى .. في القرب والبعد فيه غير منفحم .. مولاي صلِ وسلم دائماً أبداً على حبيبك خير الخلق كلهم.

 

هي كلمات عن خير الأنام وحبيب الله، محمد صلى الله عليه وسلم، في ذكرى مولده التي تهل علينا في الثاني عشر من ربيع الأول، و هي المناسبة التي يحرص الجزائريون على إحيائها عبر مختلف ربوع الوطن بتقاليد مختلفة في مظاهرها ومتشابهة في فحواها، حيث جرت عادة الاحتفال بهذه المناسبة الدينية بشراء مستلزمات خاصة، في المقابل فإن ربات البيوت يحرصن على تحضير أشهى الأطباق التقليدية والحلويات، بينما لايزال الرجال المحافظون على تراث أجدادهم في بعض المناطق يتمسكون بطقوس وتقاليد خاصة في الاحتفال، بذبح الأضاحي وتقديم الصدقات للمحتاجين كما لا يفوتون فرصة زيارة الزوايا وترديد المدائح النبوية.

إضافة لتلك العادات، فإن نساء العاصمة لازلن يتبركن بالمولد. مغتنمات فرصة قدومه بتنظيم حفلات الختان والخطوبة، وبالرغم من أن العادات القديمة بدأت في الاندثار بالعاصمة، بعدما طغت عليها طقوس الاحتفال بالمفرقعات، إلا أن بعض الأسر لازالت تحتفظ بتقاليدها القديمة في هذا اليوم، هذا ما دفعنا لرصد أجواء الاحتفال بالمولد، حيث استغل التجار زيادة الطلب على الخضر واللحوم البيضاء لتحقيق الربح، بينما حرص الزبائن على تحضير المستلزمات المناسبة قبل أيام.

لكن في الوقت الذي تقتني  ربات البيوت مستلزمات المناسبة، فإن بعض النسوة يحرصن على تحضير عجائن الشخشوخة أو “الرشتة” بمنازلهن، حيث زرنا بيت “مليكة” التي علمنا منها أنها تستغل كل سنة قدوم مناسبة المولد لبيع أكبر كمية من الرشتة التي تعدها بالطرق التقليدية، كما أضافت أن الطلب يزيد عليها قبل حوالي أسبوع من حلول المولد، في حين بات شراء المفرقعات والشموع عادة اجتمع حولها الجزائريون  وتتمسك بها عديد  الأسر الجزائرية تلبية لرغبة أطفالها .

 

عادات تتقاسمها ولايات الوطن في المولد النبوي

تحرص أغلب العائلات في ولايات الوطن على إعداد وجبات تقليدية، ففي سطيف تحرص الأسر على إعداد كميات كبيرة من الفطير فجر المولد، يخصص جزء منها لتذويق الجيران أو التصدق به للمحتاجين، كما تتفنن النسوة في إعداد طبق البربوشة التقليدي أو أكلة “قطّع وارمي” ولم شمل العائلة حول مائدة واحدة، أما ببرج منايل، فيعتبر الرقاق بالدجاج من الأكلات المفضلة بالمولد. في حين تتميز ولاية بسكرة، بطبق الشخشوخة حيث تحرص نساء المنطقة على تحضير معارك من نوع كبير بكميات كبيرة برفقة الجيران، وشراء توابلها الخاصة من رأس الحانوت والحار قبل أيام من حلول المولد، ليتم دعوة جميع الأقارب لتناوله بطريقة تقليدية في طبق كبير واحد على الحصيرة واستضافة الأقارب بالتمور واللبن.

 

“التريدة بدجاج عرب” تتربع على موائد قسنطينة

تتميز ولاية قسنطينة، بتقاليد خاصة بها لا زالت الأسر المحافظة خاصة القاطنة بالمنازل المشابهة في تصميمها لبيوت القصبة بالعاصمة، تتمسك بها خاصة أن تلك التقاليد توارثها السكان من البايات، حيث علمنا من إحدى ربات البيوت المحافظات أن بعض سكان المنطقة يبدأون بتنظيف المنازل وشراء كافة مستلزمات المولد من عنبر وبخور وشموع قبل حوالي أسبوعين من حلوله، حيث تحرص النسوة على تحضير عجائن “التريدة” بالتعاون مع جاراتها بكميات كبيرة بوسط الدار لتقسم بعد ذلك عليهن ليتفنن في إعداد وجبة الغذاء او العشاء التقليدية “كالتليتلي بدجاج العرب” الذي تحرص بعض الأسر على تربيته بمنازلها لذبحه في المناسبات، حيث تزين الطاولات بالشموع وسط الدار، كما يجتمع الأقارب على مائدة واحدة على ضوء الشموع، حيث يمنع استعمال الإضاءة الكهربائية كما يتوجه الرجال للتهليل والتكبير بالمساجد وتحرص النسوة على إضفاء جو من الفرحة بترديد المدائح، أما في اليوم الموالي فيقمن بتحضير “الزرير” أو “الطمينة” .

 

ولايات الصحراء تنفرد بعادات خاصة

ولعلّ أهم ما يلفت الانتباه بمناطق الصحراء، أنه سكانها لازالوا يتمسكون بعاداتهم الأصيلة في المناسبات الدينية، حيث أن أهالي منطقة الساورة بالجنوب الغربي الجزائري، لهم طريقتهم الخاصة في إحياء ذكرى مولد خير الأنام والتي توارثوها أبا عن جد، فارتبطت بوجدانهم كأكبر موسم للاحتفال يجمع شمل المجتمع وتطغى فيه مظاهر التكافل الاجتماعي والبهجة والاحتفال، حيث يدوم الاحتفال اثني عشر يوما ابتداء من مطلع شهر ربيع الأوّل، كما تعرف ديار الساورة ابتداء من مطلع شهر ربيع الأول، تحضيرات لإحياء ذكرى المولد النبوي الشريف، إذ تسمع من المساجد والزوايا قراءات جماعية للبردة والهمزية، وتحضّر النسوة الحنّاء في البيوت لتخضب بها أيدي النساء والأطفال لا سيّما الذكور منهم الّذين يتم ختانهم بمناسبة المولد النبوي الشريف.

كما تحضّر النسوة الأطعمة التقليدية الرئيسية التي تقدم يوم الاحتفال، ولعل أهمها “الكسكس” و”البركوكس” ويعرف في المنطقة بـ”المردود”، إضافة إلى “الروينة” وهي عبارة عن خليط من مسحوق القمح والفول السوداني والسكر وبذور نباتات عطرية تعرف في المنطقة بـ”حبة حلاوة والبسباس”، وهو خليط عادة ما يقدّم مع الشاي والحلوى بمناسبة استقبال إحدى الأسر في المنطقة لمولود جديد، وتبركا بهذه المناسبة العظيمة يكثر عقد القران والأفراح بكل أشكالها من عرس وخطوبة، وإبرام عقود والشروع في مشاريع جديدة لتكون ذكرى مولد خير الأنام عليه الصلاة والسلام ذكرى لكل الأفراح والمناسبات السعيدة.

 

بني عباس ..المدينة التي لا تنام ليلة المولد

تنفرد مدينة بني عباس، باحتفال لا تتدخل أية جهة رسمية في تنظيمه أو تمويله، فتفاصيل نظامه حددها الأجداد وتوارثها الأبناء، والأهالي الميسورون هم من يمولون هذا الاحتفال مع مطلع شهر ربيع الأول، حيث تبدأ التحضيرات لهذا الاحتفال الكبير داخل المساجد بترديد البردة والهمزية بشكل جماعي، وبعد صلاة العشاء يخرج الأهالي إلى الساحة المخصصة للاحتفال ليقيموا حلقة تعرف لديهم بـ”محمد صلوا عليه”، يقف فيها كل أبناء مدينة بني عباس على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية، يرتدون اللباس التقليدي المتمثل في العباءة البيضاء و”الشاش” الأبيض الذي يضعونه على رؤوسهم، يحملون البنادق مردّدين بصوت واحد أهازيجهم الشعبية الجميلة “محمد صلوا عليه”، ويطلقون البارود في تناغم مع زغاريد النسوة. فتتحول بني عباس إلى مدينة لا تنام ليخيّل إليك بأنّها تزف إلى فرح لا متناهٍ.

وفي يوم الثامن من ربيع الأول تحضر النسوة ما يعرف عندهم بـ”حبوس” و”مناتة” وهما عبارة عن أطباق الكسكس الذي يعرف في المنطقة بـ”الطعام”، يقدم لضيوف بني عباس أيام الاحتفالات، أما “مناتة” فأصلها “الطعام لمن أتى” إذ يحمل الطعام إلى المساجد ليأكل منه كل من جاء إلى بني عبّاس ليشاركهم فرحة ذكرى مولد خير الأنام (عليه الصلاة والسلام). كما تقيم النسوة ما يعرف “بالحضرة” داخل البيوت وهي عبارة عن مدائح دينية تعبر من خلالها المرأة عن فرحتها بمولد الهادي، فالمدينة لا تنام ليلة 12 ربيع الأول إذ يلتف الأهالي والزائرون ضيوف بني عباس في جموع كبيرة للاستمتاع بحلقة الراقصين “محمد صلوا عليه”، يؤدون الأهازيج ويطلقون البارود ويصفقون، كما يلفت انتباهك بعض الرجال وهم يحملون صبية صغارا احتفالا بختانهم بمناسبة المولد النبوي الشريف، يلبسونهم لباسا تقليديا يحملون في أيديهم الصغيرة سعف النخيل. كما تقام عقيقة المولد.

 

 “الوعدة” بمداشر تيزي وزو عادة لا تزول

تتميز قرى المناطق القبائلية بمظاهر التكافل والتضامن في كل مناسبة بعادة يطلق عليها “تمشط”، حيث يحرص الميسورون على جمع الاموال لذبح ثور لتوزيعه على المحتاجين، كما تتفنن ربات البيوت في تحضير أكلة “أحدور”، إضافة إلى كميات كبيرة من “الخفاف” أو “البغرير” لاعتقادهم أن صناعته تخفف عليهم شدة أيامهم، كما يقوم محدودو الدخل بذبح الدجاج أمام عتبة الأبواب لطرح الأرواح الشريرة لإعداد طبق “السكسو” بالدجاج والخضر، كما تحضر النسوة القدّيد مسبقا لخلطه مع هذا الطبق.

ويبقى المولد النبوي مناسبة روحية تعبر عن حبنا للمصطفى الهادي من أخرجنا من الظلمات إلى النور.