الرئيسية / حوارات / “علينا تكوين مؤرخين محققين”

“علينا تكوين مؤرخين محققين”

ما زال باب كتابة وتأريخ الثورة الجزائرية غير مستوف نصابه بعد، فمن الصعب احتواء 132 سنة من الاستعمار في بضعة مؤلفات، خاصة مع انعدام قسط معتبر من الأرشيف ورحيل أغلب الفاعلين في الثورة وندرة مؤرخين نقاد ومحققين يوازنون بين مختلف المعطيات فيمحصونها ويهذبونها.

وحاورت “الموعد اليومي” الكاتب والمجاهد والإطار بمديرية الأمن، الأستاذ سعيد قاسمي، الذي تحدث عن أهمية التأريخ للثورة وأحداثها وعن صفة مؤرخها ومدى حاجة الجزائر والجزائريين من هذا الجيل والأجيال المقبلة بالأخص في تحصيل رصيد معلوماتي منقح ومحقق عن الثورة، فكان لها معه هذا الحوار. 

* في البداية حدثنا عن أهمية الثورة وتاريخها؟

– من الصعب أن نستوفي كتابة قرن ونصف من الاستعمار في مرحلة قصيرة، ولكنه ليس بالأمر المستحيل ولقد كتبت كتابي الأخير “ذاكرة فرد.. تاريخ أمة”، فبتجميع شهادات نتقدم في التأريخ للثورة، شيئا فشيئا، ويجب الإسراع في هذه المرحلة، حيث أن أغلب من عايشوا أحداث الثورة من الرعيل الأول هم ممن ولدوا بين العشرينيات والثلاثينيات، ولقد رحل أغلبهم آخذين معهم الكثير من الحقائق النفيسة التي لها وزنها في التأريخ والتوثيق للثورة.

* بالنسبة لكم هل هو أفضل كتاب كتب حديثا أو قديما عن تاريخ الجزائر؟

– أملي أن أرى مؤرخا جزائريا يؤلف كتابا بعنوان “حرب 132 سنة بين الجزائر وفرنسا”، كما فعله توفيق المدني حين ألف كتابا اسمه “حرب ثلاثمائة سنة بين الجزائر وإسبانيا” وأن يلمّ بتفاصيلها ودقائقها وألغازها، فهناك لغز في الثورة هو أنها دامت 132 سنة وتم الإنتصار عليها في سبع سنوات فقط، ولقد كشفت ثورة الجزائر عن عبقرية خارقة تبدأ من بيان أول نوفمبر الذي يجب أن يقرأه الجيل الحالي بتمعن، فلقد كتب هذا البيان من رجال تخرجوا من كبرى الكليات السياسية بالعالم.

* ودعت الجزائر السنة الماضية بفراق أحد أعظم أبنائها المناضلين، حسين آيت أحمد، واستقبلت السنة الجديدة برحيل رجل آخر هو الآخر من كبار المناضلين الذين ضحوا بحياتهم وبذلوا النفس والنفيس من أجل أن تحيا الجزائر، هو الطاهر بن عيشة، ما قولكم في هذين العملاقين؟

– قلت إنه يجب علينا الإسراع في كتابة التاريخ بشهود التاريخ بسرعة، فنحن نفقدهم يوميا، حسين آيت أحمد، أحد عظماء الثورة التحريرية والحركة الوطنية، فهو شجرة الزيتون التي لم تتغير، عاش للجزائر وكرّس حياته للنضال من أجل جزائر مستقلة وديمقراطية، استقر على هذه الفكرة، لم يحد عنها أبدا، وأما الطاهر بن عيشة فكانت لي معه مواقف وأشهد أنه من أجرأ وأشجع الناس في التعبير عن رأيه، فحينما يريد قول شيء ما يقوله دون أن يخشى لومة لائم، ضف إلى ذلك أنه مؤرخ ومختص في الدين والتاريخ وكانت له حصص رائعة، لكن أعظم ميزة فيه هو أنه كان يقول الحقيقة وإن كانت مرّة، فرحمهما الله ورحم جميع من دافعوا عن الجزائر.

* هل هناك حاليا مجهودات مبذولة في مجال التأريخ للثورة؟

– هناك مبادرة متحف المجاهدين، فهو يجمع شهادات الفاعلين في الثورة، من خلال جلسات استماع وهم حاليا في حدود الجلسة الـ20، شهادات هؤلاء الذين عاشوا الثورة وهم في نقص مستمر لكبر سنهم، وذلك من أجل بناء التاريخ، فهي مبادرة يجب دعمها وتثمينها.

* ما تم كتابته لحد الساعة قليل أم كافٍ للإلمام بمختلف زوايا الثورة؟

– تاريخ الجزائر لا ينتهي، فكل شجرة وكل صخرة وكل جبل يروي جانبا مهما من الثورة يملأ كتابا، فمهما ألفنا من الكتب وأنجزنا من مسرحيات وأفلام فلن نفي الجزائر وثورتها حقهما.

* هل لديكم تخوفات ممن قد يقدمون شهادات خاطئة أو يدّعون الجهاد والمساهمة في الثورة لأجل مصالح شخصية والإستفادة من امتيازات مادية؟

– لا، لست متخوفا من ذلك، فمهما كانت الشهادات خاطئة أو مزورة وباطلة، فإن الجزائر تنجب مؤرخين أكفاء يميزون الأخضر من اليابس والصحيح من الخاطئ، يحققون ويدققون فيما جمعوه من أخبار بكل مصداقية وموضوعية، فالحقيقة ستظهر لا محالة، وهي ملك للجميع.

للإشارة، فإن عيسى قاسمي إطار أمني سامي، التحق بالثورة في سن الـ 17، انضم بعد الاستقلال إلى صفوف الأمن، له أربعة مؤلفات آخرها “ذاكرة فرد.. تاريخ أمة” الصادر في 2014، قال عنه الأديب ووزير الثقافة حاليا، عز الدين ميهوبي، في تقديم للكتاب بكونه “واحد من أبناء الجزائر البررة الذين خدموا البلاد بصدق وأفنوا زهرة شبابهم خدمة للثورة وبناء جزائر ما بعد الاستقلال”.