الرئيسية / منبر القراء / غـــدر الأيـــــام
elmaouid

غـــدر الأيـــــام

صادفتها وهي خارجة من باب الشركة الأجنبية التي أعمل بها، (دليلة) في عقدها الثاني أو تزيد بسنوات قليلة على ذلك، مليحة الوجه، جميلة السمت، ملبسها يدل على فقر حالها وعوز وضعها كانت تعمل كمنظفة والجميع كان يحبها هنا ويحنو عليها بكلمة مؤنسة أو بضحكة عطوفة، علها تخفف عنها ما تكابده إلا أنني كنت أرى في أعماق عينيها الزرقاوين ظلام القاموس وسواد الليل فكنت أمتنع من التقرب منها، ولكن عبثا حاولت فخافقي كان يدنيني منها كل يوم أكثر فأكثر حتى وجدتني أراها أمامي وهي غائبة وأشتاق إليها حين طرفة المقلة وتنهيدة الصدر، أحببتها أجل قد حركت فؤادي بل زلزلته فقررت أن أصارحها بحقيقة مشاعري ففعلت ذات

مرة وهي داخلة إلى الشركة التي أعمل بها كعون أمن، فرفضت ذلك وصدتني عن بغيتي فحز في نفسي ما فعلت ولكنني كررت طلبي ثانية فقبلت بعد إلحاحي الشديد وراحت تعطيني موعدا خارج العمل فكان لها ما أرادت.

جاء اليوم الموعود فالتقينا في حديقة جميلة جمال الربيع وأحسست أن كل شيء مغتبط باغتباطي فرح ببداية سعادة لم يكن لي عهد بها قبل هذا ولم تغن عصافير أضلعي لحنا جميلا كهذا، ولما قدمت دليلة كل شيء سكن حتى الوقت توقف فلم أعد أرى إلا ذاك الجمال والرقة ذاك الملاك البهي، فحيتني وحييتها فجلست وجلست، أردت التكلم وإذا بلساني قد عقر ولم يلد كلاما فإذا ببسمة خافتة تدلت على شفتها واستطردت:أنا أعلم أنك بحالة من الخجل تجعل لسانك لا يطيع قلبك فقد علمت من بعض عاملات الشركة بأنك خجول أمام النساء لا تجرؤ الحديث أمامهن ولكنني طلبت منك هذا الموعد لتسمع لا لتتكلم ولتعرفني جيدا قبل أن تعفر قلبك بالوحل أكثر مما هو عليه الآن لعلك تفيق من حلمك المزركش الملون اسمع قصتي ثم افعل ما تراه مناسبا:(جئت من أرض غير هذه كان لي فيها عائلة وأنا بنتهما الوحيدة، أبي رجل متدين محافظ وأمي كذلك، ربياني تربية حسنة تربية دينية وكنت من الأوائل في دراستي سواء أكانت الابتدائية أو الاكمالية وحتى الثانوية ولكنني كنت مرحة إلى حد كبير إلى درجة أنني تمردت على عائلتي ونزعت الحجاب نكاية وصاحبت الشبان ولكن والدي كان يثور في كل مرة ضد تصرفاتي إلا أن ضاق ذرعا وطردني فصرت أتعثر من مكان إلى آخر والشارع مضجعي إلى أن وصلت إلى هذه الأرض التي احتضنتني كما احتضنتني العجوز الوحيدة التي جعلتني بنتا كما جعلتها أما فوجدت لي هذا العمل الشريف أقتات منه أسد به رمقي ورمقها وأكف أنياب الزمان عني ولكن رغم أنني أنست بعيشتي هاته إلا أن صدري به جذوة نار تتقد من غضب عائلتي ولن تنطفئ وتبرد حتى ترضى عني، هذه هي قصتي فافعل ما تراه)

قد كنت أسمع كلامها وأنا صامت لا أنبس، لم أجسر أن أقاطعها ولا أعرف لم؟ فهو إحساس مختلط بين الدهشة والذهول وبين الإحباط واليأس، فكلامها كان صريحا مسترسلا مبللا بالعبرات، وإنا لكذلك حتى وقفت وقالت:(أعرف أنك لا تستطيع البت في أمر كهذا الآن فالأمر يستدعي التبصر والتمحيص لاستخلاص نتيجة مفيدة) فرددت:أجل أنت محقة في ما تفضلت به لذا سأرد عليك في الوقت المناسب.

وبعد يومين التقينا في  المكان نفسه والرد بجعبتي فقلت لها: سأخطبك ولكن شرطي الوحيد هو رضى عائلتك عنك ومباركتنا الزواج، فحركت رأسها إيجابا قائلة:(حسنا، ولو أنني أعرف بأن أبي قد تبرأ مني إلى الأبد، لأنني حاولت مرتين قبل هذا وطردني صاغرة ذليلة. فرددت:(افعلي ذلك من أجلي وألحي أكثر مما سبق عساه يقبل منك هذه المرة)

بعد يومين من لقائنا هذا أصبت بوعكة صحية فدخلت المستشفى أسبوعا كلمتني فيه دليلة تبكي بأن والدها طردها رغم أنها جثت على ركبتيها وقبلت قدميه ولكنه دفعها وهو يقول:( لم أنجب أولادا) ومضى، وبعد أن اضطجعت السقم أسبوعا آخر بالبيت، رجعت إلى العمل، فإذا بعمال الشركة ينظرون إلي نظرة شفقة كنت أظنها شفقة على داء جسدي ولكنهم كانوا على قلبي مشفقين، فعرفت بعد ذلك أن دليلة قد انتحرت، فبكيتها وتحسرت على حياتها وعلى موتها. وفي اليوم التالي حضر أبوها ليوريها الثرى وهو يذرف من الدمع ما يذرف ويقضم أنامل الندم والحسرة وهو يردد:(أنا من قتلت ابنتي الوحيدة).