الرئيسية / ملفات / في الوقت الذي منحتها القوانين حقوقها… العنف ضد المرأة في الجزائر.. أما آن له أن ينتهي؟
elmaouid

في الوقت الذي منحتها القوانين حقوقها… العنف ضد المرأة في الجزائر.. أما آن له أن ينتهي؟

20 % من الجزائريات يتعرضن إلى الإهانة..

يشكّل العنف ضد المرأة ظاهرة عالمية تتفاوت من مجتمع إلى آخر بحكم الأعراف والتقاليد والأنظمة، والعالم العربي ليس بمنأى عن هذا الإطار، إذ تشير الإحصاءات الصادرة بين الحين والآخر إلى مدى انتشار الظاهرة في المجتمعات العربية كما هو عليه الحال في العالم الغربي أيضاً، وفي الجزائر يعتبر العنف ضد المرأة من الطابوهات التي تم اقتحامها واتخذت استراتيجيات وطنية تضع حدا لانتشارها، وساهمت فعلا في ذلك، ولكن هذا لا ينفي استمرار الظاهرة، وهو ما يدفعنا للتساؤل عن انعكاس مبدأ مساواة المرأة مع الرجل الذي يكرّسه الدستور على وضعية المرأة الجزائرية؟

ما تزال المرأة في المجتمع الجزائري على غرار المجتمعات العربية، تخضع بشكل مستمر للسيطرة الذكورية، سواء الأب، الأخ أو الزوج، إلى جانب سلطة الأعراف والتقاليد التي تساهم نوعا ما في إذلالها. وبالرغم من تقلدها مناصب عليا في مختلف المجالات واقتحامها لمجالات كانت حكرا على الرجل، إلا أنها تظل في نظر المجتمع قاصرا، وليست لها الحرية الكاملة في تقرير مصير حياتها، وفي وقت سابق كان تأثير الأعراف البالية أكبر بكثير ومع أنه نقص في بعض المناطق والحالات إلا أنه لا يمكن القول أو الجزم بأن الأمر قد تغير كليا، حيث ما تزال سلطة التقاليد والأعراف تتفنن في إهانة المرأة، أين اتخذت من العنف وسيلة لتأديب المرأة باعتبارها طرفا يحتاج إلى التقويم الدائم، لذا تتعرض بشكل يومي لمختلف أشكال العنف، لأنها تعد كائنا من نوع خاص يشكل مصدر العار والفتنة. ونجد أن الرجل تفنن في تطبيق هذه السلطة بدليل أنه يتمادى كثيرا في إحكام سيطرته على المرأة والتصرف في حياتها، بمبرر أنه الوصي عليها والقائم بشؤونها، وبالتالي له الحق في الاعتداء على جسدها بالضرب، مستمدا هذه الشرعية من الأعراف والدين، رغم أنها مجرد اعتقادات خاطئة روجتها بعض التيارات بدليل أنه لا توجد إشارة تؤكد على أن الإسلام نص على العنف ضد المرأة، أو رواية تدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يستعمل العنف ضد بناته أو زوجاته، بل ما ورد عن الرسول (ص) “ما ضرب رسول الله (ص) امرأة قط ولا خادما ولا ضرب شيئا…..”. ولكن الأمية تفعل ما تريد باعتبارها أحد الأسباب الرئيسية وخصوصا في بعض الأسر التي لازالت تعتبر أن المرأة خلقت لتكون زوجة وأم فقط، واجبها الأول والأخير هو إنجاب الأطفال وطاعة الزوج وخدمة الأسرة.

 

زوجات ما زلن يتعرضن لعنف الأزواج

الأمثلة كثيرة ويكفي أن نشير إلى الاعتداءات التي تسجلها مصالح الشرطة ولو أنها في تراجع مستمر بسبب الجهود المبذولة، إلا أن المرأة تدفع الثمن باهضا وينتهي الأمر في الكثير من الأحيان بنهايات مأساوية، فوفق دراسة حديثة قامت بها الوزارة المكلفة بشؤون الأسرة وقضايا المرأة، أظهرت أن كل امرأتين من مجموع 10 نساء يتعرضن للعنف داخل الأسرة، وأن 10 بالمائة من النساء الجزائريات يتعرضن إلى عنف جسدي الممارس في أغلب الأحيان من قبل الأزواج وتعتبر النساء المطلقات والأرامل من بين النساء الأكثر عرضة للعنف في الأسرة، حيث أن 20 بالمائة منهن يتعرضن إلى الإهانة و5 بالمائة يتعرضن إلى عنف مادي.

 

الرجل المسؤول الأول عن العنف الموجه للمرأة

تعتبر المرأة الضحية الأولى وتتحمل لوحدها الإهانة نتيجة العنف الذي تتعرض له من قبل الزوج، كيف لا وهناك حالات تبعث على الأسى والحسرة بعد أن تجد الزوجة نفسها في أحد المراكز مطرودة من المنزل دون رحمة أو شفقة. “حورية” هي عينة حية عن أبشع أنواع العنف الأسري في الجزائر، هذه الأخيرة تحملت ضرب زوجها لها أمام أطفالها طيلة 5 سنوات، قبل أن يلقي بها في الشارع. ورفضت عائلتها استقبالها لتصبح بلا مأوى، ففضلت الانتقال إلى مركز للنساء بالعاصمة. ولم تتوقف مأساة “حورية” عند هذا الحد، فبعد استعادتها حضانة أطفالها التي خسرتها لبعض الوقت، اكتشفت أن صغارها كانوا ضحايا لاعتداءات وحشية من طرف الزوج الذي انتقلت وحشيته إلى الأبناء الذين كانوا يتلقون أبشع صور المعاملة تصل إلى درجة الضرب المبرح مستخدما بعض الأحيان وسائل قاسية. وعلى الرغم من أن هذه الضحية تقدمت بشكوى ضد العنف الذي تتعرض له من قبل زوجها، ومحاولة إعادتها إلى منزلها، إلا أنها ذاقت أبشع أنواع الضرب مرة أخرى على يد الزوج، وهو ضابط في الشرطة، لتهرب وتعود من جديد إلى المركز الذي وجدت فيه المأوى الحقيقي بعد أن انعدمت صور الأمان إلى جانب الزوج. والملفت في الأمر أن الرجل لوحده من يتسبب في هذا الوضع المأساوي، حيث توصلت دراسة أجرتها الشبكة الجزائرية لمراكز الاستماع للنساء ضحايا العنف وشملت 150 حالة عنف ممارس ضد المرأة، إلى أن 91 % من الرجال يقفون وراء العنف ضد النساء. وأشارت الدراسة إلى أن 68 % من النساء ضحايا العنف تتراوح أعمارهن ما بين 25 و44 عاما، وأن ثلثين منهن متزوجات و12 % مطلقات و23 % عازبات وعاطلات عن العمل.

 

“الرجلة” المزعومة و “حقرة” المرأة

إن الذهنيات السائدة في المجتمع الجزائري جعلت الرجل يرسم لنفسه مكانة خاصة على حساب المرأة التي تتعرض لشتى أنواع العذاب والمآسي، لأنها بكل بساطة تبقى ذلك المخلوق الذي عليه المشورة في كل أمر وفي كل صغيرة وكبيرة، وما لا يختلف عليه اثنان، أنه رغم المكانة التي تحظى بها المرأة الجزائرية وما تلعبه من خلال حضورها الذي يضاهي نظيرها الرجل في العديد من المجالات بحكم المساواة التي تتمتع بها في إطار الدستور، إلا أن الكثيرات يتعرضن لأبشع المعاملات سواء من قبل الأزواج والتي تحتل الرتبة الأولى، ناهيك عن العنف الذي تتعرض له من أطراف أخرى.. صحيح أن الظاهرة تشهد تراجعا ولكن الحالات اليومية التي تتناولها الصحافة الوطنية تنسيك أن هناك مستوى الوعي لدى البعض الذين فضلوا اقتراف الظلم في حق عماد المجتمع وفي حق امرأة لا حول لها ولا قوة أمام جبروت الرجل.

 

اتّحاد عالمي لوقف العنف ضد المرأة

“علينا أن نتّحد، إذ ليس بوسع أي قائد سياسي أو أي حكومة التسامح مع العنف ضد المرأة مهما كان شكله أو سياقه، أو ظروفه”.. هي صرخة أطلقها السكرتير العام للأمم المتحدة السابق “بان كي مون” متخذا إياها شعاراً لحملته “اتحدوا” من أجل منع ارتكاب العنف ضد المرأة أو الفتاة، واستئصاله من جميع أنحاء العالم. ووفق حملة “اتحدوا” الأممية، فإن حكومات العالم ومختلف هيئات المجتمع المدني مدعوة كلها للعمل معاً والتصدي لظاهرة العنف ضد المرأة في العالم، وتطبيق أهداف الحملة.

 

ثلث نساء العالم يتعرضن للعنف

أشارت إحصائية صدرت حديثاً عن الأمم المتحدة، إلى أن ثلث نساء العالم بشكل عام يتعرضن للعنف بكافة أشكاله، وعلى رأسها الضرب المبرح الذي تحتاج آثاره إلى فترة زمنية طويلة حتى تزول، كما أن 40 % من جرائم قتل النساء يرتكبها أزواجهن أو أصدقاء قدامى أو أي أحد من محيط أسرهن. وحسب نفس الإحصائية فإن نسبة العنف ضد النساء تجاوزت الخط الأحمر في كل من أستراليا وإسرائيل وجنوب إفريقيا وكندا والولايات المتحدة، حيث تشير الإحصائيات إلى أن حوالي 70 % من جرائم قتل النساء في هذه الدول ارتكبها أزواجهن. أما في بريطانيا فتتعرض حوالي نصف مليون امرأة للعنف سنوياً. وفي الدول العربية وبحكم الأعراف والتقاليد، فإن النساء اللائي يتعرضن للعنف يجبرن على البقاء في أوضاع مسيئة لأنهن لا يجدن مكاناً آخرا يذهبن إليه، ولم تحصل أي واحدة منهن على أي شكل من أشكال الإنصاف، كما لم تتلق أي منهن إغاثة فورية بل يتركن فريسة للمعاناة. ففي مصر صاحبة المركز الأول في ممارسة العنف ضد المرأة وخصوصا المتمثل في ختان المرأة، تتصدر مصر المركز الأول على المستوى العالمي من حيث النساء المختتنات، ناهيك عن حالات العنف الجسدي والنفسي والتحرش الجنسي، وتشير الأرقام إلى أن 83 % من المصريات و98 % من الأجنبيات المقيمات في مصر يشتكين من تعرضهن للتحرش الجنسي، وأن 12 % من اللواتي أبلغن عن تعرضهن للتحرش وافقن على تقديم شكوى للشرطة. أما في سوريا فإن عدد الجرائم التي ترتكب سنوياً ضد النساء تقدر ما بين 200 و300 جريمة، يقع معظمها في المجتمعات الريفية أو البدوية بحجة “الدفاع عن الشرف”. وفي فلسطين والعراق تزداد معاناة المرأة من العنف بسبب الحروب الدائرة هناك، حيث يشير تقرير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة إلى أن المرأة هي أكثر من يعاني تحت وطأة الاحتلال الأجنبي، إذ تنال في ظل هذه الظروف نصيباً مزدوجاً من الانتهاكات الجسيمة. وتأتي إحصائيات أخرى لتؤكد أن الجزائر هي واحدة من الدول التي لا زالت تتعرض فيها المرأة للإهانة على الرغم من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في الآونة الأخيرة بما فيها تكريس مبدأ المساواة مع الرجل في جميع المجالات، لكن لازالت 20 بالمائة منهن يتعرضن إلى الإهانة و5 بالمائة يتعرضن إلى العنف المادي. فمتى نودع هذا الوضع المأساوي الذي بات واحدا من بين المشاكل التي تؤدي إلى تشتت الأسرة الجزائرية؟

 

كيف يؤثّر العنف ضدّ المرأة على صحّتها؟

العنف ضد المرأة ليس مجرّد حدث قصير التأثير، بل ينتج عنه الإصابة بأمراض مزمنة. إليك أهم ما قد ينجم عن تعنيف المرأة جسديا ونفسيا.

ولا تقتصر خطورة تعنيف المرأة عليها فحسب، فعدا عن تهديد صحتها الجسدية والعقلية، يمتد التهديد ليطال أطفالها والصحة المجتمعية. سنتناول في المقال أثر العنف ضد النساء على صحتهن.

 

تأثير العنف ضد المرأة على صحتها للمدى القريب

ما نقصده في “التأثير على المدى القريب” هو التأثير الأولي والمباشر للعنف، حيث يكون في الغالب ما قبل تشخيص وتحول الأمر إلى أمراض مزمنة، وقد يشمل هذا الأثر الكدمات، الجروح والنزيف.

عندما نتحدث عن الأثر قريب المدى من المهم جدا أن تقوم المرأة بالكشف عنه بشكل مستعجل لدى الطبيب، مع العلم أن العديد من الإصابات لا يمكن اكتشافها سوى بعد إجراء الفحوصات اللازمة.

أهم الحالات التي يتم تسجيلها بالمستشفيات وتشمل آثار العنف الجسدية قصيرة المدى التالي:

– نزيف في المهبل وألم في الحوض

– الحمل غير المرغوب به

– الأمراض المنتقلة جنسيا

– اضطرابات في النوم، الأرق والكوابيس

– الإجهاض في حال كانت الزوجة حاملا.

تأثير العنف ضد المرأة على صحتها للمدى البعيد

أما التأثير بعيد المدى، فنقصد به الأمراض التي قد تنجم عن التعنيف المستمر للمرأة.

ويبدو أن هذه الأمراض هي الأكثر شيوعا لدى النساء المعنفات، وبالتالي قد يؤدي العنف ضدها لإصابتها بها:

تأثير الإصابات الدماغية الرضية نتيجة العنف

أكثر الإصابات شيوعا لدى النساء اللاتي يعانين من العنف الزوجي والأسري، هي إصابات دماغية رضية جراء التعرض للضرب المبرح أو السقوط على الرأس.

من الأعراض والأمراض التي قد تنتج عن هذه الإصابات الخطيرة:

الصداع

القلق المزمن والارتباك

فقدان الوعي

الدوخة

الاستفراغ والغثيان

صعوبات في النطق

فقدان الذاكرة

فقدان القدرة على التركيز.

تجدر الإشارة هنا إلى كون بعض الأعراض قد تستغرق بضعة أيام منذ تعرض المرأة للعنف، لذا من الواجب عدم الاستخفاف بإصابة الرأس وإخبار الطبيب عنها مباشرة لأخذ الحيطة وتدارك تداعياتها.

 

تأثير العنف ضد النساء على صحتهن العقلية

كما أشرنا سابقا، فإن النساء اللاتي يتعرضن للتعنيف، هن أكثر ميلا لتطوير بعض الأمراض العقلية والنفسية، ومن أكثر هذه الأمراض شيوعا:

اضطراب ما بعد الصدمة: هو اضطراب قد يحدث نتيجة لتعرض الإنسان لموقف مروع في حياته: حادث سير، حرب، اعتداء جسدي أو جنسي.

قد يشعر المصاب بهذا الإضطراب بتوتر مزمن، صعوبات في النوم، تقلبات مزاجية، صعوبة في تذكر تفاصيل تتعلق بالحدث، وهو اضطراب يقتضي رعاية طبية خاصة من الطبيب النفسي.

الاكتئاب: لا يمكن بتاتا الاستخفاف في اكتئاب المرأة المعنفة، فهو في الغالب يفوق كونه مجرد حالة، بل يصبح مرضا متأصلا في الغالب، لذا من الضروري توجيهها للعلاج.

القلق: قد تعاني المرأة المعنفة من نوعين من القلق، الأول عبارة عن حالة من القلق المزمن والعام الذي لا يفارقها خلال يومها.

والثاني قد يصيبها على شكل نوبات قوية من القلق، الاستنفار والعصبية تستحوذ عليها.

الانكفاء على النفس: قد تلجأ المرأة المعنفة إلى الانزواء والانكفاء على نفسها، حيث يصبح من المحرج لها أن تدافع عن معنفها وأن تخفي اثار الإصابات طيلة الوقت.

هذا الأمر يحد من احتمالات طلبها يد العون وبالتالي يجعلها تعيش حالة من العنف المستمرة التي لا تستطيع وقفها.

في النهاية يتوجب علينا أن نذكر بعض الملاحظات الهامة في هذا السياق:

إن كنت امرأة معنفة، تأكدي أنك قادرة على وضع حد للأذى الذي تتعرضين إليه، لا تتأملي أن يتغير الحال من تلقاء نفسه ولا تخلقي مبررا لاعتداء زوجك أو قريبك عليك.

يبدو أن الرجال الذين يميلون إلى تعنيف زوجاتهم، يميلون أيضا لتعنيف أطفالهم، هذا عدا عن الأثر النفسي الهدام الذي يتركه مشهد العنف ضد أمهم في نفوسهم، لذا يجب وقف التعنيف مباشرة وإعادة تأهيل الأطفال.

تميل المرأة المعنفة في البيت إلى تقبل العنف خارجه أيضا، فتصبح هشة أمام استغلال الغريب لها أيضا، لذا لا تعنف زوجتك لتقيها عنف الآخرين.

إن تعرضت لعنف جسدي أو جنسي تأكدي أنك لست المذنبة في ذلك أبدا، لذا عليك ألا تخجلي في فضح الأمر والتوجه للجهات المسؤولة.

يمكنك البدء في وضع حد لحالة العنف التي قد تعيشينها باللجوء إلى طبيبك الخاص وهو بدوره سيوجهك للجهات المختصة في منطقتك.