الرئيسية / منبر القراء / قصة لحظة رجوع (2014)
elmaouid

قصة لحظة رجوع (2014)

جلست والدمع ينهمر من عينيها كمطر يتدفق من السماء، غادة حسناء رغم الحزن الذي يعلو محياها. مريم فتاة عشرينية، ممشوقة القد، عيناها سودوان، تحملان سرا عميقا، هي وردة تسكن في أحد الأحياء الشعبية بقلب مدينة البليدة. بعد مرور خمس سنوات على سفر توأم روحها “مراد” إلى دبي باحثا عن فرصة عمل تاركا قلب مريم ينزف ألم الفراق، طوال تلك السنوات كانت تمني نفسها برسالة تطفئ أشواقها التائهة في قلب…ها المكلوم. لم تكن تدرك تلك الفتاة الغارقة في أحزانها ما يخبئه القدر من مفاجأة سارة وكأن ملكا من العالم الآخر؟ أبرق كل ذكريات الحب المنسية في قلب “مراد” هناك في غربته أحس على غير العادة

بحرقة في قلبه وهو يسترجع أحداث قصته التراجيدية بداية من طفولته القاسية والموصولة بحرمانه من أميرته مريم بسبب البطالة اللعينة.

حكايتي شهدت عليها ورود وشوارع البليدة وردة وردة وشارعا شارعا….. يقول مراد.

جملة من الذكريات غذت في روحه المنهكة نار الأشواق وأنهت آخر قطرة من صبره الإيوبي. تنهد مراد طويلا وقال اه و آه وألف اه ألا يوجد مسكن لكل هذا الألم ليتني أجد قرصا يزيل أشواقي التي لا تنطفئ لكن…. مهلا ما الذي أنتظره لست سوى سائح تائه ومهما طال بي الزمن لابد أن يعود الطير الشريد إلى عشه الدافئ…آه تبا للذاكرة….. ترى كيف هم أحبتي… أمي… إخوتي… مريم غاليتي….أنا قادم يا بلادي… بدأ مراد يهذي بحمى الرجوع.

كانت أم مراد مشغولة في المطبخ تعد طاجين باللحم الحلو…أحد الأطباق المفضلة لمراد… أرادت أن تسلي نفسها وتحتفل بعيد ميلاده الثلاثين.

قرع الباب…. لقد عاد السائح…. حاملا في جعبته ذكريات وبعض من الدراهم الاماراتية وهدية خاصة لمريم…….لم يخبر أحدا بعودته.

(أم مراد): من الطارق تساءلت بصوتها المبحوح….

مراد: أريد أن أتناول اللحم الحلو….يا أمي…. قبل أن يبرد…. افتح يا سمسم…

لم تصدق الأم ما سمعت إنه مراد ابني ايعقل ذلك لكنه لم يخبرني بقدومه……هرعت الى الباب تتأكد وما إن رأت ابنها الغالي

ضمته إلى صدرها وقبلته كما يقبل الطفل الرضيع.

مراد: أماه…أماه ضميني أكثر ودعيني أشم عطرك الزكي…..أماه …اذهبي عني يأسي وحنيني.

وبعد فصل طويل من العناق ….ودموع غزيرة هطلت من الأحداق….احتفلت العائلة الصغيرة بقدوم مراد.

بعد تناول العشاء غفا مراد على صدر أمه الرؤوم. أشرقت شمس الصباح لتعلن بداية الربيع كان يوم الواحد والعشرون من آذار.حل موسم الحب بحلول الأمير العائد، ها هو يفتح عينيه على جبال الشريعة التي ودعت ثلوج الشتاء.

فكر مراد طويلا في ردة فعل مريم وهل ستسامحه وهو الذي رحل بعيدا دون أن يضمد جراحها الدفينة أو يودعها ظانا بذلك أنها ستنساه بمرور الأيام وتلتفت لحياتها أفضل من التعلق برجل دون مستقبل.

لكن ….هل تزوجت أم أنها لا زالت حرة طليقة… سؤال نزل كالصاعقة التي أنسته فرحة العودة تسمر في مكانه وحدق بخوف كبير في الأرجاء. لم يكن يملك الشجاعة الكبيرة في مواجهة قدر محتوم…(ج1)

الشعور بالغربة والوحدة بين أناس لا نعرفهم إحساس مفهوم ومقبول نسبيا، لكن الشعور بذلك وسط العائلة أمر مرفوض وغير منطقي.كل هاته الخلجات النفسية والمعقدة رافقت بطلة قصتنا مريم التي أضحت بائسة بعد وفاة أبويها اثر حادث أليم. كان ذلك العام العاشر بعد الألفين سنة واحدة فقط من سفر مراد إلى دبي.

تلك الأعين الحزينة التي ما فتئت تذرف الدموع المدرارة، فكل دمعة هي فصول من رواية فتاة تعوّد خدها على اللطم، فلا أم تحنو عليها ولا أب يعطف ولا مراد يضمد جراحها النازفة.خذلها الأهل، ذلك أنهم لم يكترثوا لحالها بسبب عداوتهم القديمة لوالدها.اضطرت إلى البحث عن عمل يحفظ كرامتها.

بعد أيام عصيبة، قررت مريم أن تعمل في صناعة الحلويات وتنظيف البيوت فهي لم تكمل دراستها رغم تفوقها وشغفها للكتابة.

حل المساء، لتعود الفتاة المسكينة منهكة خائرة القوى لترتمي في أحضان بيتها وتسترسل بذاكرتها المثقلة أيام حبها العذري فتتذكر شيئا من اللحظات السعيدة مع مراد.كانت تلك الذكريات هي السلوى الوحيدة في حياتها ما جعلها تكتب في دفترها اليومي خواطر رومانسية تلهب القلوب من شدة اشتياقها للحبيب كرسائل حب تارة وأحزانها التي أثخنتها بالجراح تارة أخرى.رغم المحنة التي ألمت بها إلا أنها اعتصمت بالصبر والإيمان بقضاء الله.

لم تكتمل فرحة مراد برجوعه إلى البليدة فقد شغله حال المحبوبة….ها هو يصول ويجول ذهابا وإيابا في شرفة البيت الصغير، مزيج من الفرح والحزن

والقلق كانت كافية لجعله لا ينام الليل بأكمله.

أراد الخروج في ذلك الوقت المتأخر من الليل غير أنه كتم انفعاله في نفسه، فقد رجع لتوه من سفر طويل، ما يثير شكوكا لدى أمه.كان ينتظر الصباح وهو يرمق في الأفق بنظرات الحسرة والندم ذلك أنه فطر قلب مريم.حاول أن يلهي نفسه بقراءة ما كتب لها فقد كان شاعرا هو الآخر.

كان يقرأ والدموع تترقرق في عينيه كموج حار حرارة الأشواق التي لا تنطفئ……

دقت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، اليوم الثاني والعشرون من شهر آذار للعام الرابع عشر بعد الألفين، ها هي مريم تهذي بالحمى وتتصبب عرقا لم تكن تهتم بصحتها فقد كانت تعمل طوال اليوم وبالكاد تسد رمقها، قبل أن تنام اشتاقت كثيرا لمراد روحها فاعتراها طيفه في حلم طويل كان يرتدي قميصا أبيضا وسروالا أسودا….مقبلا صوب حبيبته مريم التي تجلس وسط حديقة غنّاء…الجو ممطر يغازل الوجدان.

مراد (فرحا): أنت الشمس وأنا القمر الذي يضيء من عينيك… إن غبت عن العين ففي القلب موطنك…. وفي الغد إن شاء الله ألقاك…. هاك شهادة ميلادي واكتبي انك الميلاد….لوّني حياتي وارسمي فاليوم أجمل الأعياد……

مريم (متلهفة): كم هو جميل هذا الصباح الذي سمعت فيه كلاما حلوا مباحا….. حين التقيتك صار لدقات قلبي معنى….. فزدني ولا تصمت عن الكلام المباح….

بينما الاثنان يتبادلان أصدق المشاعر وأجمل الكلمات…. بدأ طيف مراد يختفي

ويتلاشى……. وكأنه سراب….

مريم (قلقة): لا ….لا تتركني… مراد…. لا ترحل…… لا تتركني اشتاق………..لا…لا…لا……..

استيقظت مريم باكية بشدة من حلم جميل تحول إلى كابوس،… انتابها شعور مخيف وضعت يدها على قلبها الذي كان يعتصر من الألم و كأن مكروها ما حدث لمراد…

مريم (قلقة): ترى أين مراد؟ أحلّ به أمر جلل؟ يا رب احفظه من كل سوء…

غلبها النعاس رغم الفزع الذي اعتراها، ذلك أن الحمى التي أصابتها جعلتها تدخل في سبات عميق.

أقبل الصباح معلنا بداية يوم جديد… يلوح في الأفق ظل رجل طويل وعلامات الحيرة والقلق بادية على قسمات وجهه.. إنه مراد… ها هو يقترب من منزل مريم ودقات قلبه تتسارع من الشوق والحنين لم يخبر والدته بالأمر لقد جاء خلسة.

يطرق الباب ببطء… يواصل الطرق …يتحسس وجود أحد…. يحاول أن ينادي لم يستطع وكان أحدا ابتلع لسانه….

يطرق بقوة… في هذه اللحظات تستفيق مريم وهي في حال يرثى لها… بخطوات بطيئة فتحت الباب وما إن لمحت مراد ابتسمت وأغمي عليها.

مراد (فزعا): ما الذي حل بك يا أميرتي؟…. مريم أفيقي ها قد عدت أخيرا…. لن أتركك بعد الآن…. أرجوك سامحيني….

نقلت مريم على جناح السرعة إلى المستشفى حيث ثبت إصابتها بمرض السل. حزن مراد حزنا شديدا لما علم وأدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه. يدخل مراد إلى غرفة مريم، إنها لحظة اللقاء الذي طال انتظاره، لحظة اللوم والعتاب.

مراد (وهو يحاول التبسم): عذبيني كيفما شئت…. اضربيني…. مزقيني…. عذبيني كيفما شئت…. لكن سامحيني… الله وحده يعلم لما هجرتك… رغم أني أحبك ولا زال عطرك الفواح يسكن أنفاسي وأضلعي…

لقد خط الشيب شعره وكان كل شعرة بيضاء بمثابة يوم كريه على اعتبار أن الشيب هو تعبير لأزمات عصبية مر بها مراد هذا ما قالته مريم هامسة.

مريم (بصوت مبحوح): لا ينفك طيفك عن ملاحقتي في يقظتي ومنامي.. أراك ولست أراك إلاّ ظلا كليل طويل لا ينتهي فمتى ترحل عن ذاكرتي المتعبة، فأنا لم أعد احتمل البقاء أسيرة لطيفك.. متى أتوقف عن معاقرة خيالك كل ليلة… تنتحب مريم وتغرق في بحر من الدموع السخينة.

مراد (بتأثر): كفا حزنا كفا دموعا… دعيني اضمد شيئا من الجراح… واغفري لي قطيعتي…. فأنا مراد السواح…. تائه كنت في صحراء دبي أجمع الحقائب وقلبي غير مرتاح…. فيك التفكير دائم وقلبي مغرم لا ينزاح…. لوصلك العطر أدعو الله.

أمطر مراد كلماته السحرية على مسامع أميرته التي ذاب قلبها حبا…. لتتفتح من جديد وردة.

بقلم: حليمة بن عبد الرحمن/ ولاية بشار