الرئيسية / ملفات / قلعة الصحراء المقاومة وحصن الجزائر الحرة

قلعة الصحراء المقاومة وحصن الجزائر الحرة

 

عندما تحط أقدامك في مدينة العين الصفراء، وتزور قصورها وتشاهد منحوتاتها ونقوشها، تشعر أنك تقوم برحلة عبر الزمن وتسافر عبر عصور وعقود لتصل إلى فترة قبل الميلاد

حيث وجد الإنسان الأول، وعمل وعاش ودفن هناك ليترك آثارا شاهدة على وجوده .

تقع مدينة عين الصفراء في الجنوب الغربي، بالهضاب العليا، تتوسط السلسلتين الجبليتين جبل عيسى وجبل مكثر، مساحتها الشاسعة تمد إلى الحدود المغربية المتاخمة لفرطاسة، مما زاد من عدد بلدياتها. اشتهرت مدينة العين الصفراء بمقاومتها الشرسة للاستعمار، وذلك بمقاومات غير منظمة أغلبها بجبال المنطقة كجبل مكثر، وبمقاومات منظمة كمقاومة الشيخ بوعمامة. تعتبر مدينة لعين الصفراء من أهم مدن الهضاب العليا وذلك لتميزها بطابعها السياحي، والتاريخي.

نقوش ومنحوتات تبين تاريخ الوجود البشري

يعود التواجد البشري بالعين الصفراء وضواحيها على أقل تقدير، إلى العصر الحجري الحديث (نيوليتيك) حيث كان تستعمل الأدوات من الحجارة، واستعملت في النقوش الصخرية المتوفرة بكثرة في المنطقة، حيث توجد نقوش تمثل عموما حيوانات ذلك العصر وبعض الأشخاص، أما عن معانيها فنظن، على حسب الحالات، أن هذه الرسومات المنقوشة على الصخور من المفترض أن يكون لها دور سحري أو فني أو ديني، ونذكر هنا أنه في هذا العصر كانت ميول لعبادة الحيوانات مثل الكباش، أما فيما يخص التأريخ، فيطرح مشكل كبير بسبب عدم العثور بمحاذاة هذه النقوش على بقايا بشرية، وبحسب توزيع الطبقات الزمنية للنقوش وبحسب مختلف التقنيات والنظريات للباحثين مكنت من تحديد تاريخ هذه النقوش بين 000 10 و500 2 سنة قبل الميلاد، وتعتبر النقوش الصخرية شهادات ذات قيمة لا تقدر بثمن تركتها شعوب قديمة، تثبت نمط حياتهم وعاداتهم وعالم الحيوان الذي كان يحيط بهم.

ويشير الباحث “هلوت “أن أكبر قسم من هذه الأعمال أنشئ قبل الحضارة الومرية وقبل أقدم الأهرامات المصرية، كما اعتبر نقوش عين الصفراء من بين أقدم المظاهر الفنية والطقوسية لإفريقيا، كما اعتبر الباحث أن الأطلس الصحراوي الذي يضم أكثر من 150 محطة، أحد أكبر المتاحف المفتوحة على الهواء في العالم.

إضافة إلى النقوش، ثبت التواجد البشري بمختلف الأدوات التي وجدت منها كميات وفيرة في محطات ورشات لوادي العين الصفراء وقال في هذا الباحث “س.قزال ” عاش العديد من السكان في الصحراء الحالية لفترة غير مؤكدة الحدود، لكنها طويلة جدا، ومن المحتمل أنها تنحدر إلى العصر التاريخي وتصعد دون شك إلى الأعلى” كما كتب لينيز عن منطقة العين الصفراء وهو باحث في ما قبل التاريخ: ” إذا كانت “المنطقة” تبدو اليوم مقفرة، قاحلة…فلم تكن الحال في الأحقاب الماضية، فلقد كانت المياه تسيل في المجاري المجففة (اليوم) وكان غطاء نباتي زاخر ينمو في هذه السهول القاحلة. عاشت أقوام كثيرة في المكان الذي تمور (اليوم) فيه الرمال”.

عينات مذهلة من آثار ما قبل التاريخ

عثر الباحثون في العين الصفراء على العديد من بقايا مهارات الفنانين البدائيين كصوان منحوت، محكّات، سكاكين، إبر، رؤوس سهم…وغيرها. كما تجدر الإشارة كذلك أنه وجدت حقول معتبرة هناك تعطي مذكرة الباحث د.لينيز، الذي أقام بالعين الصفراء من 1896 إلى 1898 عينات مذهلة من آثار ما قبل التاريخ وجدت على امتداد الأودية وعلى الكثبان الرملية وكذا بجانبها بمحاذاة المدينة، علاوة على النقوش الصخرية وبقايا الأدوات التي تشكل أقدم علامات الوجود البشري في هذه المنطقة، نجد ما يقارب خمس عشرة محطة رسومات صخرية، ممثلة للبقريات، والعديد من محطات لنقوش عربات تبين أن الناحية كانت في ذلك العهد منطقة عبور ذات حركة مروروية بين الجنوب والشمال وبين الشرق والغرب، إضافة إلى محطات تتواجد بها كتابات أبجدية .

“تومولوس” مقابر قدماء العين الصفراء

تشكل أقدم المقابر ما يقارب العشرين نصبا دائريا تقع على بعد كيلومترات من العين الصفراء، نذكر منها على وجه الخصوص: عين عرقوب المغار، على سفح جبل مكثر، وعين بن سرارة التي اكتشفها النقيب دوسيني بين 1902 و1907، واكتشفت كذلك بقايا عظام بشرية في هذه المعالم، غير أن المعلومات الأولى الأكثر صحة حول تعمير ناحية العين الصفراء بدأت في الواقع مع الجثوات.

“التومولوس ” مقابر أناس سكنوا هذه النواحي في تلك الفترة المتأخرة، تسمى في العرف الشعبي بـ “الكراكير”،”الرجم” أو ” قبور الجهالة”.

“تومولوس” هي المقابر بالعين الصفراء صنفها دوسيني إلى ثلاثة أنواع بحسب نوع البناء، يوجد النوع الأول على شعاع 35 كم من العين الصفراء، خاصة بثنية الغزالة وشقة المويلح، غارة الضبع ووادي الصفراء، النوع الثاني بجبل مكثر، فوناسة والمحيصرات والثالث بعين بن دومة، عرقوب المغار وغارة الضبع.

ويبين تواجد هذه المقابر التي تعد بالعشرات، بحسب دوسيني، أن عددا كبيرا من السكان عاشوا في ناحية العين الصفراء فجر التاريخ، وجدت في هذه “التومولوس” هياكل عظمية ومنقولات جنائزية، وكانت هذه المنقولات ترافق الموتى وهي التي سمحت بتأريخ هذه المقابر وتمثلت أساسا في خواتم وأطواق من حديد ومن فضة ومن نحاس، وفي سنة 1914، قبل الحرب العالمية الأولى، قدمت بعثة من الباحثين الألمان بقيادة الأستاذ فروبينيس لاستكشاف تومولوس جبال القصور، وقد كتب ل.غوتيي معلقا على نتائج البعثة التي نشرت سنة 1916 “هذه القبور التي لا تحصى تعود للفترة التاريخية أو الفترة ما بين التاريخ وقبله على الأكثر، ولا نعرف بعد منها أحدا يفترض أن يكون أكثر قدما من مسيبسا “. مسيبسا هذا هو ابن الملك النوميدي ماسينيسا وعم يوغورطا. حكم 30 سنة بين 148 إلى 118 قبل الميلاد. وهكذا، يمكن لنا القول إن في القرن الثاني قبل الميلاد كانت ناحية العين الصفراء مأهولة بالعديد من السكان. كان هؤلاء الأهالي شبه مستقرين، يسكنون الأكواخ ويربون الماشية خاصة منها الماعز والأبقار.

“جيتول ” عين الصفراء ..الدعم اللامتناهي للنوميديين

بينما كان لقب أهل الشمال بالنوميديين، لُقِّب أهل هذه الناحية بالجيتول، وأثناء الحروب التي خاضها القرطاجيون والرومان، دعم جيتول الجنوب هاميلكار القرطاجي بمقاتلين سنة 238 قبل الميلاد في طريقه من تونس إلى إسبانيا وعززوا بعد ذلك، وإلى غاية 207 قبل الميلاد، ابنه حنبعل الذي توجه إلى إيطاليا.

من الملفت للنظر أن من 146 قبل الميلاد، تاريخ تدمير قرطاجة، إلى غاية 40 بعد الميلاد لم يمارس الملوك النوميديون الذين حكموا الشمال أية سلطة على الجنوب. – بلاد الجيتول-. في سنة 40، قتل الملك النوميدي “بطلمي” واجتاح الرومان شمال إفريقيا فانتفض السكان، بعد معارك في الشمال, طارد الرومان جيتول الجنوب الذين ذهبوا لمساعدة النوميديين. لأول وآخر مرة, في أواخر سنة 40 / بداية 41 قدم الرومان بالناحية بقيادة الجنرال سويتونيس بولينيس ومروا بغرب جبال القصور حتى وصلوا إلى وادي “غير”.

قصة الكاتبة الصحفية التي أسلمت وجرفها وادي العين الصفراء

إنها الكاتبة الصحفية والروائية إزابيل إبرهارت ولدت في سويسرا بجنيف في 17 فيفري من عام 1877 م من أم أرستقراطية تدعى” نطالي إبراهارت” وأب روسي الأصل يسمى “ألكسندر تروفيموكس”، عاشت إزابيل في وسط ثقافي روسي وألماني وفرنسي، ففي سنة 1897 م توفيت والدتها وكانت بداية تفرق عائلة “إبراهارت”، حيث تركت أختها الكبيرة منزل العائلة بعد أن فرت مع ضابط كما أقدم أخوها ” فلادمير” على الانتحار وبقيت إزابيل وحدها، وبعد فترة من الزمن تركت إزايل هي الأخرى المنزل متجهة نحو الجزائر، وصلت مدينة الوادي سنة 1899 م معتنقة الطريقة القادرية، بعدها التقت برجل يدعى ”سليمان أهني” والذي أصبح شريك حياتها وفقا لتعاليم الشرع مستبدلة اسمها باسم ”سي محمود”.

وفي 29 جانفي من سنة 1901م أقدم رجل من الطريقة التيجانية – يدعى عبد الله بن أحمد – فوجه نحوها ضربة بسيفه فأصابها في الذراع إصابة بليغة نقلت على إثرها إلى مستشفى مدينة الوادي، حيث أقامت هناك مدة 40 يوما، وفي 18 جوان1901م حكمت محكمة قسنطينة على الجاني بالأشغال الشاقة رغم شفقة إزابيل ودفاعها عنه، بينما أقدم الحاكم الفرنسي على نفيها إلى فرنسا.

وبدعوة من ”فيكتور باريكاند” عادت إزابيل إلى الجزائر لتبدأ الكتابة الصحفية في جريدة الأخبار، بعد أن نصب زوجها أهني كموظف في مدينة تنس ثم لم تلبث إزابيل أن اختارت الرحلة نحو عاصمة الجنوب الوهراني ”العين الصفراء” وكانت تحب أن تلبس لباس الفارس العربي، متنقلة بين قرى الجنوب الغربي تجوب بجوادها الذي كانت تسميه ” سوف”- كافة أرجاء مناطق الجنوب الغربي الجزائري، حيث كتبت على مدينة العين الصفراء إبان مقاومة البطل ”الشيخ بوعمامة” إنها بلد الخوف، لا يمر مدني في الطريق، صمت ثقيل، نشعر أن البلد في خطر”. كما كتبت عدت مقالات عن مغرار، العين الصفراء، حجرات لمقيل، بني ونيف، ومدينة وجدة المغربية، لقد بقيت حياة الكاتبة الصحفية إزابيل يشوبها بعض الغموض بخلاف أسلافا بحيث لم يجد المؤرخون من ضمن ما كتبت أية إشارة لعملها الحقيقي وعلاقتها بالسلطة الفرنسية، وفي يوم 06 أكتوبر من العام 1904 م وبينما كانت إزابيل قادمة من مدينة بني ونيف تجاه العين الصفراء أصيبت بحمى أقعدتها بمستشفى المدينة لمدة 15 يوما، وفي 21 أكتوبر من العام 1904 م التقت بزوجها “سليمان أهني” في منزلهما المستأجر وسط المدينة وكانت تلك الليلة مطيرة حيث فاض الوادي الذي يقسم المدينة إلى قسمين واقتحم وسط المدينة وأسقط منزل إزابيل وزوجها وبعد يومين من البحث عن الجثث عثر على جثتها من بين 27 جثة كما تم العثور على المخطوطات والمقالات التي كانت تكتبها وجمعت في كتب بلغت أربعة مجلدات من بينها كتاب ” في ظلال الإسلام الدافئة ”.

دفنت إزابيل بمقبرة سيدي بوجمعة بمدينة العين الصفراء مع المسلمين وفقا لتعاليم الشرع. ولا يزال قبرها يزار من قبل السياح الأجانب .

قصر تيوت …الدور السياسي والديني البارز

“تيوت” كلمة أصلها بربري زناتي، مشتقة من كلمة “تيط” أو “تيطاوين” ومعناها العيون أو المنطقة الغنية بمنابع المياه، وكما هو شائع عند سكان القصور والواحات فإن أية كلمة تبدأ بحرف التاء في اللهجة البربرية الزناتية معناها أن المنطقة غنية بالماء.

وقد توصلت الأبحاث الهيدروجيولوجية الأخيرة إلى أن منطقة “تيوت” تعد خزانا للمياه الجوفية.

وينتمي قصر “تيوت” إلى مجموعة القصور أو القصبات المحاذية للجزء الغربي من الأطس الصحراوي في الجزائر، وتعرف الجبال المحاذية لها بجبال القصور، تمتد هذه القصور في الجزائر من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي وهي موازية لاتجاه السلسلة الأطلسية، وتقع جنوب الهضاب العليا الغربية في الجزائر وشمال الصحراء الجزائرية، وتضم: قصر بني ونيف ومغرار التحتاني الذي يعد معقل ثورة الشيخ بوعمامة، وكان لهذه الثورة بعد وطني وقومي، وقد لعب هذا القصر دورا سياسيا ومذهبيا في العهد الفاطمي في الجزائر، وتأسست هذه القصور بسبب وجود منابع المياه والأودية، ولولاها لما وجدت، وكذلك نتيجة لظروف سياسية واقتصادية وثقافية بحيث تدل مظاهرها المعمارية على جملة من الأفكار التي اعتمدت على الصدق الثقافي الذي ترجم إلى استقرار وتاريخ ونمط حياة منذ فترة قديمة، وتعرف هذه القصور عادة بالواحات وقد تعرضت المصادر العربية القديمة إلى ذكر هذه الواحات بأنها تمتد من بلاد مصر والإسكندرية وصيد مصر والمغرب، وأرض الأحباش، وأن الأخبار عنها مجهولة وكذلك عن كيفية العمران بها والخواص في أرضها، ووصفت بأنها أرضية شبّية وعيون حامضة، ويبدو من مصادر الضباط الفرنسيين أن واحة تيوت من أروع الواحات في منطقة جبال القصور.

فقد ذكر رينيه بقوله”…بعد أن تغادر قصر العين الصفراء ورماله، وتقطع  عشرات الكيلومترات في اتجاه الشرق، تصادفك فجأة بعض أشجار النخيل، وعندما تقترب يتضح المنظر أكثر، وعند وصولك إلى قصر تيوت، يظهر التناقض واضحا ورائعا في الوقت نفسه بين بساتين النخيل الخضراء واللون الأحمر للصور والأرض واللون الأبيض للقباب والنباتات الوفيرة في وسط سهل رطب يمتد في اتجاه الشمال الشرقي، بينما أشار “دي فولك” الذي قاد الطابور الفرنسي في اتجاه القصور أنه عندما وصل الطابور إلى قصر تيوت على الساعة الواحدة زوالا، لاحظ “دي فولك” أن سهل تيوت كثير الانجراف، وبعد أن تجاوز وادي تيوت، توقف عند مخيم رائع به ماء يسيل، وتحيط به صخور معزولة، في شكل أكثر غرابة، ويستطرد قائلا إن قصر تيوت في حالة سيئة، ولكنه يتميز بزراعة كثيفة، وعلى حافة الواحة لاحظ صخورا منقوشة مثيرة وغريبة تمثل صور رجال ونساء وصيادي النعامة والأسود وحيوانات ذات قرون وفيلة وكلها رسمت بخط إلى حد ما كبير.

تتوسط واحة قصر تيوت واحات جبال القصور، بحيث يحدها من الشرق واحة عسلة ومن الغرب واحة العين الصفراء، ومن الجنوب واحة مغرار التحتاني والفوقاني. وبالإضافة إلى موقعها الإسترايجي بالنسبة لقصور الأطلس الصحراوي الغربي، فإن طابعها العمراني والمعماري المميز هو الذي دفع بالباحثين الفرنسيين إلى تصنيفها على أساس أنها من الواحات الرائعة في المنطقة، وقد وصفها أحد الضباط الفرنسيين بأنها واسعة وغنية وخصبة، وأفضل من الواحات التي زارها، وهي محصورة من كل الجهات بهضاب صغيرة وتلال ذات تربة حمراء أو رملية حجرية، وعلى حافة القصر أبراج مبنية من التربة.

قصر مغرار .. حافظ الذاكرة الشعبية

يحتوي قصر مغرار على مادة توثيقية هامة تخص وصايا الشيخ بوعمامة ومخطوطاته التي تمثل مختلف ملفاته في مجال علوم الدين ومعارف الفقه والتفسير، كما تؤرخ لمختلف المراحل التاريخية التي شهدتها المنطقة لتعطيل توغل ونفوذ المستعمر الفرنسي نحو الصحراء الكبرى.

 ويحتوي قصر مغرار على جدران منقوشة بزخارف وفسيفساء من الفن المعماري الإسلامي القديم وبقايا أواني فخارية وعتاد بسيط استعمل

في زراعة البساتين بالمنخفضات الوديانية للمنطقة، وتنتمي جميع تلك الكنوز الأثرية إلى محيط حصن دفاعي شيده قائد المقاومة الشعبية بالجنوب الغربي للجزائر.

قلعة الشيخ بوعمامة رمز المقاومة الشعبية في المنطقة

يمثل قصر مغرار وقلعة الشيخ بوعمامة المنتصبان بالعين الصفراء، ذاكرة المقاومة الشعبية، ولهذا تمّ تحول هذين الموقعين المتجاورين إلى متحف أثري وفضاء مفتوح للاستراحة والاستكشاف بجانب دار للضيافة حتى يتسنى استقطاب السياح وإتاحة الفرصة للزوار من أجل الغوص في تاريخ المنطقة والتعريف بالهندسة المعمارية القديمة والحرف التقليدية المميزة لنمط حياة السكان القدامى بقصور جبال الأطلس الصحراوي الغربي.

وتتميز هذه القلعة بنظامها الدفاعي وأبراجها الحربية المصممة للرصد والشامخة في وجه قساوة المناخ وتغيرات الطبيعة، وتتميز القلعة أيضا بطابعها الهندسي الهرمي المستوحى من الطراز المعماري المحي، ما يجعلها تجذب إليها أنظار آلاف الزوار كل عام، وتتوفر القلعة على نحو 34 برجا للمراقبة وأطلال سور كبير وثلاثة مداخل رئيسية ومنارة لمسجد عتيق شيد بالمنطقة قبل ستة قرون خلت، إضافة إلى بقايا ورشة لصناعة أدوات حربية وذخيرة ومطمورات لتخزين المؤونة.

ويقول الخبير “زكي شتوح” أنّه جرى الاعتماد في بناء قلعة بوعمامة على مادة الجبس التقليدية نظرا لتوفرها في المنطقة، مع العلم أن قبة القلعة المبنية من الجبس وسط المدخل الرئيس للمتحف الحالي، هي أيضا تحفة معمارية في غاية من الدقة والجمال، ويلحظ الزائر للمكان قوة تماسك جزئيات القلعة خاصة في جدرانها الخارجية التي يبلغ عرض القطعة بها حوالي المترين.

وعلى الرغم من أهمية الإرث الحضاري والتاريخي للقلعة، إلاّ أنّ كثيرا من أسوارها ظلت معرضة للتلف ولم تستفد سوى من عمليات شكلية لم تتجاوز طلاء واجهاتها، تستوجب أشغال صيانة وتأهيل بعد أن أصبحت معرضة للانهيار في أي لحظة، في وقت -يقول مسؤول مكتب الآثار وحفظ التراث بمديرية الثقافة التابعة للمنطقة- أنّ قلعة الشيخ بوعمامة المصنفة كتراث وطي محمي تتشكل من آثار ثمينة تم صيانة البعض منها واسترجاع بعض ملامحها بعد أشغال التهيئة والترميم التي مرت بعدة فترات منذ سنة 1998.

واقع لا يسر ومؤهلات لم تستغل

تحوّلت مدينة العين الصفراء، أحد أكبر التجمعات الحضرية الجنوب الغربي من البلاد، وأهم مناطق الاستقطاب السيّاحي سنوات الثمانينات، إلى ما يشبه ”مدينة أشباح”، ولا يتوانى سكان العين الصفراء عن التنديد بسياسات التهميش والإقصاء التي صارت تنتهجها مختلف قيادات المجالس الشعبية المُتعاقبة، خصوصا خلال السنوت العشر الماضية،

تُعد العين الصفراء إحدى أكبر دوائر ولاية النعامة مساحة وتعدادا سكّانيا، بإجمالي يتجاوز 52 ألف نسمة، وإمكانات طبيعية هامة، مُتمثلة أساسا في تربعها على مساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة، وتوفرها على إمكانات الري، إلا أن الزائر لا يلبث أن يكشف غياب أبسط وسائل العيش الكريم، وملاحظة حقيقة توسع الطابع الريفي الرعوي على حساب تراجع مظاهر الطابع الحضري.