الرئيسية / ملفات / قلعة “بني حماد” بالمسيلة تراث عمراني يبكي على الأطلال

قلعة “بني حماد” بالمسيلة تراث عمراني يبكي على الأطلال

قلعة بني حماد أهم مدن الإمبراطورية الحمادية وأقواها، ذات مناعة وحصانة وفرتها لها جبال “تقريست” التي تشكل خلفية ملائمة لهذا الموقع،

انتقل إليها أهل إفريقيا عند خراب “القيروان” ودمارها، هي مقصد تجار آنذاك، وبها تحلّ الرحال من العراق والحجاز ومصر وشام وسائر بلاد العرب، ما جعل آثارها مهمة كونها تشكل نموذجاً وشاهداً على المستوى الرفيع للمهارة الهندسية التي كان يتمتع بها صناع ذلك الزمن.

تقع المدينة الإسلامية المحصنة “بني حماد” جنوب شرق ولاية “المسيلة” على سفح جبل “المعاضيد”، و”المعاضيد” بلدية تابعة لولاية المسيلة وتبعد عن عاصمة الولاية بحوالي 30 كلم.

وأدرجت اليونيسكو قلعة بني حماد سنة 1980 في لائحة المواقع الأركيولوجية المهمة.

1007 م.. بداية البناء الذي دام 30 سنة

تعد قلعة بني حماد  بالمعاضيـد التابعة لولاية المسيلة من أحد رموز الدولة الإسلامية بالجزائر، وتعتبر امتدادا لدولة حماد بن بلكين الذي حاول صقل وتثبيت الهوية الإسلامية، يعود تاريخ إنجاز وبناء قلعة بني حماد ما بين سنة 1007 إلى 1008 م على يد حماد بن بلكين الذي اختار مكانا محصنا لقلعته وإستراتيجيا فوق سفح جبل “تيقريست” وعلى ارتفاع 1000 متر فوق سطح البحر وذلك بغية تسهيل عمليات المراقبة العسكرية للأماكن المجاورة، ودامت مدة بناء هذا الصرح الإسلامي العظيم 30 سنة استخدمت فيها الهندسة المعمارية الإسلامية الأصيلة بزخارف وتصميمات تعكس التراث الإسلامي الممتد عبر القرون الغابرة في أي بقعة يوجد بها الإسلام.

يحد القلعة من الغرب هضبة قوراية ومن الشرق شعاب وادي فرج وقد وضع للقلعة ثلاث أبواب، باب الأقواس وباب جراوة وباب الجنان ويحيط بها سور عظيم مبني بطريقة مذهلة وبالحجارة المسننة المستخرجة من جبل تيقريست، ويوجد بالقلعة عديد الكنوز والمعالم الأثرية المهمة وأهمها المسجد الكبير ومصلى قصر المنار الذي يعتبر أصغر مسجد في العالم بطول بلغ 1.60 سم، هذا بالإضافة إلى القصور الأخرى الممتدة عبر مساحات القلعة وعلى امتداد أكثر من 50 كم والتي بناها حماد بن بلكين على غرار قصر الأمير الذي يحتوي على بحيرة تعد مشابهة لقصر الحمراء بالأندلس، بالإضافة إلى قصر المنار الذي يمثل أعظم صرح وذلك بفعل حجمه الهائل الذي يحتوي على عديد الكنوز الأثرية أهمها المصلى الصغير الذي اكتشف سنة 1968 من الدكتور رشيد بورويبة، كذلك قصر السلام وقصر الكواكب اللذان ما يزالان تحت الأنقاض إلى حد الآن ولم تجر بهما أية حفريات حتى اليوم.

قلعة بني حماد تجسد مفهوم المدينة

حسب ما جاء في “مقدمة ابن خلدون”  كان “المنصور” مولعا بالبناء، وهو الذي حضر ملك “بني حماد” وتأنق في اختطاط المباني وتشييد القصور وإجراء المياه في الرياض والبساتين، فبنى المنارة والمسجد، وأنشأ في القلعة قصر الملك أو قصر البحر كما يسمى وذلك لاحتوائه على صهريج طوله 64 م وعرضه 54 م، ويعتبر من أوسع الأبنية و بنى برج المنار العسكري لأغراض المراقبة العسكرية، ويمثل نموذجاَ فريداً للعمارة العسكرية الحمادية.

وتشهد الهندسة المعمارية للموقع والتحف التي أنجزت به على اختلاف التأثيرات التي عرفتها القلعة والتي يمكن ربطها بتنوع الاستقرار البشري بها، ما أعطى عدة معالم هامة كالجامع الكبير وعدة قصور من بينها قصر المنار، وصهريج لتخزين المياه وعدة تحف وأشياء نفعية إضافة إلى خزفيات ذات بريق معدني، وتستفيد قلعة بني حماد من طبوغرافيا الموقع، بحيث تحيط بها جبال ذات منحدرات وعرة يصعب تجاوزها، كما أن الموقع محاط بسور متين مبني من الحجارة وتخترقه ثلاث أبواب رئيسية. واحد من هذه الأبواب ما زال واقفا وهو يتوفر على دهليز مستطيل وتلتصق به بناية كانت تستخدم من الحرس، أنجزت التهيئة العمرانية للمدينة بأربعة مجالات سفلية على شكل أحياء تتوفر كل واحدة منها على قصر: قصر المنار، قصر البحر، قصر السلام وقصر النجمة، وفي الجانب العلوي يمتد قلب المدينة حيث يوجد قصر البحر والجامع الكبير والحمامات. أما الجزء الجنوبي للتلة وهو الأكثر انبساطا واتساعا، فكان مخصصا للأسواق ويوضح الموقع الجغرافي الوعر للموقع قلة مواد البناء التي أعيد استعمالها.

القرن 11.. قلعة بني حماد مركز الإشعاع الفكري والعلمي للعالم

بنيت قلعة بني حماد التي تعد أول عاصمة للحماديين، في سياق التطورات السياسية والاقتصادية لدولتهم، وحسب المصادر التاريخية، فإن القلعة عرفت إبان القرن 11م إشعاعا كبيرا على المستويات الثقافية والعلمية والاقتصادية انعكس جليا باستقطاب شخصيات مشهورة خلال الفترة كالعالم عبد الرحيم ابن اسحاق ابن المجلون الفاسي والشاعر العالم أبو الفضل ابن النحوي.

وقد انكب الباحثون المهتمون بالموقع على دراسة أصول الأشكال الهندسية التي تم اكتشافها، فهناك عدة عناصر تم ربطها بإيران: الأقواس والقباب على جنبات ركنية، أما بعض العناصر مثل تصميم أبواب القصور التي تكون فيها مقدمة البناية مزينة بكوات نصف دائرية تفصلها دعامات، فوجدوا أصلها في بوابة مسجد المهدية بإفريقيا وبوابة مسجد الحكيم بالقاهرة (القرن10 م) ، ويبرز تأثير الفن المصري في القلعة من خلال بعض عناصر الزخرف من الزخارف النباتية، أما الكوات النصف أسطوانية كثيرة الاستعمال خلال الفترات الفاطمية والزيرية والنورمندية بصقلية، والكوات ذات العمق المستوي التي نجد لها مثالا في قصر الأخيضر بالعراق وبالقيروان والمهدية وصفاقس بتونس، كما نجد ارتباطا بالأندلس من خلال التيجان المركبة وتنظيم المدينة في شكل مدرجات تذكرنا بمدينة الزهراء.

وإذا كان الباحثون قد رأوا في زخارف المدينة وأشكالها الهندسية تأثيرا للشرق الإسلامي، فإن للفن الحمادي مميزاته الخاصة التي نقلها إلى صقلية وإسبانيا.

قلعة بني حماد بالمعاضيد الوجهة المفضلة لسكان المسيلة

تتحول قلعة بني حماد التي تحتضنها جبال “تقريست” بالمعاضيد خلال فصل الصيف إلى موقع يقصده بكثرة سكان عديد البلديات الشرقية لولاية المسيلة، ويعود هذا التفضيل، حسب ما علم من بلدية المعاضيد إلى عدة معطيات أولها موقع القلعة على ارتفاع يفوق 1.000 متر ما يتيح للزوار التمتع بهواء بارد منعش ونقي يجنبهم التيار الهوائي الساخن الذي يلازمهم في المدن التي يقطنون بها خصوصا بعاصمة الولاية المعروفة بانخفاضها عن مستوى سطح البحر ما يجعلها ذات مناخ حار أثناء فصل الصيف، أما العامل الثاني الذي يساهم في جلب الزوار إلى قلعة بني حماد قربها من عديد كبريات مدن الولاية فهي على بعد 30 كلم من عاصمة الولاية و25 كلم عن “أولاد دراج” وما يفوق عن الـ 40 كلم عن “مقرة” و”برهوم” بل ويقصدها كذلك عديد الزوار من بلديات أبعد على غرار “تارمونت” و”أولاد منصور” اللتين تبعدان عن “المعاضيد” بما يزيد عن 60 كلم، ووفق نفس المصدر، فإن العامل الأساسي في هذا الجلب السياحي للقلعة خصوصا أثناء فصل الصيف الذي يصادف العطل يتمثل في كونها صرحا معماريا إسلاميا بامتياز تشهد عليه منارة القلعة وقصورها، إضافة لوجود غطاء غابي يحيط بالقلعة وما يحتويه هذا الأخير من تنوع حيوي، وغالبا ما يكون الزوار من العائلات تأتي لقضاء يوم من الراحة والاستجمام وأحيانا أخرى شبابا يمتطون دراجات نارية قادمة خصوصا من عاصمة الولاية وأولاد دراج كونهما الأقرب إلى القلعة والمعاضيد، وعلى الرغم من هذا الإقبال الملحوظ في مثل هذه الفترة من السنة بالذات تبقى وسائل الاستقبال ببلدية المعاضيد حسب رئيس جمعية التضامن مع الشباب الريفي محمد دحماني وبعض أعضاء جمعية القلعة منعدمة بل وتقتصر في بعض محلات المواد الغذائية وأكشاك دون وجود أي مرفق فندقي من شأنه أن يكون في المستقبل موقعا لإيواء المقبلين على القلعة من مناطق بعيدة، ويرى رئيس الجمعية أنه أصبح من الضروري العمل على ترقية الإستثمار بالقلعة من خلال الإشهار بها واستحداث تنظيم بعض التظاهرات الفنية والثقافية على غرار السنوات الأخيرة التي استقبلت فيها قلعة بني حماد زوارا من مختلف أنحاء الوطن ضمن ملتقيين وأيام ربيع القلعة.

وبالتوازي مع ذلك، فإن السلطات المحلية مدعوة إلى بذل الجهد لأجل خلق فضاءات ثقافية وفنية وإعادة إحياء بعض المهرجانات التي كانت تنظم بالقلعة، خصوصا المهرجان الدولي لقلعة بني حماد، وذكر رئيس جمعية التضامن مع الشباب الريفي أن الزيارات إلى قلعة بني حماد تكثفت خلال السنة الماضية لتشمل ما يزيد عن 10 آلاف زائر خلال ستة أشهر، ويرتقب أن تعمل الجمعية على رفع هذا العدد خلال العام الجاري إلى الضعف من خلال تحضير خارطة للنشاطات الثقافية والفنية والعلمية التي سيتم إحياؤها بالقلعة خلال فصل الصيف المقبل.

.. قلعة الحماديين مهددة بالانهيار.. بسبب التهميش وعدم الترميم

رغم تصنيف القلعة من منظمة اليونيسكو سنة 1980 ضمن المواقع المهمة التي تستوجب الاهتمام والعناية اللازمة كالقصبة بالجزائر، إلا أن الواقع يثبت أنه كلما تقدم الزمن إلا وبقت القلعة في خطر، فبعدما أعاد العباس الحفصي للقلعة مكانتها المرموقة واتخذها ملجأ له وبعد أن كانت نبراسا للعلم وملهمة للعديد من العلماء أمثال يوسف بن محمد بن يوسف المعروف بابن النحوي والعالم اليهودي عبد الرحيم ابن إسحاق ابن المجلون الفاسي، صارت القلعة اليوم مزارا وملجأ للتنزه العائلي بكل ما تحمله من رموز ومعان تمثل أهم الميزات الإسلامية الخالدة اليوم.

واليوم القلعة لم تحظ بأي اهتمام يذكر أو ترميم مسها عدا بعض المحاولات سنة 1974، حيث رممت صومعة المسجد الكبير التي تعد نسخة مطابقة لمسجد إشبيلية كذلك سنة 1976.

وفي 1982، حيث وضع تصميم للأنقاض وترميم الموقع من منظمة اليونيسكو، وكذلك في سنة 1987 أين اتجهت بعثة جزائرية وبولونية لترميم القلعة وإنقاذ ما أمكن إنقاذه، لكن الواقع يثبت أن أجزاء كبيرة من القلعة تضررت وبشكل كبير، فالمسجد الكبير لم يعد كبيرا كما كان، حيث لم تبق منه إلا المئذنة التي ما تزال شامخة لحد الآن، والحفريات التي كانت تقام هنا وهناك فجل ما كان يعثر عليه ويستخرج كان يوجه إلى خارج الوطن، فأول حفرية بالقلعة كانت على يد بول بلا نشي سنة 1987 ثم لوسيان قولوفان ما بين 1950 و1960، لكن ما وجده هذا الأخير وجه إلى متحف الباردو بباريس ومما ساعد على نسيان وطي صفحة اسمها من التراث الإسلامي بالجزائر هو غياب التحسيس الإعلامي والخرجات الميدانية التي تكاد تكون معدومة، كل هذه الأمور عجلت باندثار تدريجي للقلعة إن لم نقل زوالا نهائيا لها.

يذكر رواد التاريخ والآثار أن بناء القلعة في هذا الموقع لم يكن هكذا عبثا وإنما ينم عن دراسة إستراتيجية معمقة لها أهداف بعيدة كل البعد عن الهدف العسكري وحده، فحماد بن بلكين قصد بناء القلعة أمام أو بالقرب من سوق حمزة المشهور وذلك لجعل الحياة بداخل أسوار القلعة سهلة وتقرب كل ما هو بعيد للمواطن، فهنا كانت النظرة للقلعة على أنها مثال حي لمدينة مثالية تجمع كل الطوائف والأعراق المختلفة والتي وحدها الدين الإسلامي.

بما أن هذه الآثار كانت مركزا للحضارة الحمادية، فإن البنايات كانت أوسع وأكثر تعقيدا من تلك المتواجدة في مواقع أركيولوجية مماثلة ومن بين هذه البنايات نجد القصر الذي كان مشهورا آنذاك والذي يتكون من ثلاث بنايات موحدة ويعتبر شاهدا على المستوى الرفيع للمهارة الهندسية التي كان يتمتع بها الصناع وتعلموها من صفوة التجار الذين عاشوا في الإمارات الحمادية وأجبروا على الإنفاق لصالح الحاكم.

هناك بناية بارزة أخرى بهذا الموقع وهي المسجد الذي ما زال يعتبر لحد الآن الأوسع بالجزائر، كل مظاهر هذا الموقع الأركيولوجي تستحق المشاهدة والتعرف عليها، لذلك حاول قدر المستطاع أن تكون قلعة بني حماد جزءا من مخطط سفرك للجزائر.

بني حماد عرضة للإهمال ومخاطر سقوط قلعة الحماديين

رغم تصنيف القلعة من منظمة اليونيسكو سنة 1980 ضمن المواقع المهمة التي تستوجب الإهتمام والعناية اللازمة كالقصبة بالجزائر، إلا أن الواقع يثبت أنه كلما تقدم الزمن إلا وبقت القلعة في خطر.

يذكر رواد التاريخ والآثار أن بناء القلعة في هذا الموقع لم يكن هكذا عبثا وإنما ينم عن دراسة إستراتيجية معمقة لها أهداف بعيدة كل البعد عن الهدف العسكري وحده، فحماد بن بلكين قصد بناء القلعة أمام أو بالقرب من سوق حمزة المشهور وذلك لجعل الحياة بداخل أسوار القلعة سهلة وتقرب كل ما هو بعيد للمواطن، فهنا كانت النظرة للقلعة على أنها مثال حي لمدينة مثالية تجمع كل الطوائف والأعراق المختلفة التي وحدها الدين الإسلامي.