مخادعة

 

يجلسان متقابلين على طاولة مستديرة يتجاذبان أطراف الحديث، وسط غرفة كانت مكمن أسرار الإثنين، اليوم دلف المساء كان حديثهما مختلفا عما ألفاه من قبل، يسأل الشاب خاله الطبيب: أيا خال هل تؤمن بالحب؟ -آمنت به في كل شيء، آمنت أن اجتماع الحاء مع الباء هو مقدرة ربانية تحيل المستحيل ممكنا والممنوع مرغوبا، في الحاء حياة، أما في الباء بقاء بسمة ترسم على شفاه العاشقين فتمسح دموع المكلومين، آمنت بأن حبل الوصال مشدود مهما طال الزمن، آمنت به في كل شيء إلا في شيء قد خاب ظني فيه . -ماهو ؟ -وطني.  بقي الشاب مشدوها يرتشف القهوة من فنجانه الكرتوني لكن وقع هذه الكلمة في نفسه كان ثقيلا، متسائلا في عمقه عن سبب هذا الإلحاد.

في وطني ألحدت به، الحب في وطني استحالة، في وطني ما إن اجتمعت الحاء والباء إلا فرت إحداهما هاربة من الأخرى، في وطني إذا اجتمعت الحاء والباء تلطخت الأرض بحزن الثكالى، وحاد الميزان مع كفة أخرى ما ألفناها، وتغلغل الرصاص من فوهة بنادق الحاقدين في قلوب الأبرياء فتموت تلك الكلمة وتموت معها الأحلام. -هل تؤمن بحرية الإختيار؟ -لما آمنت بها اغتصبت رجولتي، فتنحيت من منصبي وبقيت أتابع اللعبة بصمت، هنا أنت لست حرا في إختيارك لا في الفكر ولا في الرأي ولا في المعتقد، هناك شيء واحد، إما أن تأخذ وإما أن تؤخذ فلا قابلية للترك هنا.  يدخن الطرف الآخر سيجارة ويتابع دخانها متصاعدا تدريجيا وهو يتلاشى كحلم بدده الزمن، متابعا ما يحاك من حديث. -أو تؤمن بأيادي الغدر و النفاق هنا ؟ -آمنت بها قبلا ولكن ليس هنا، تلك الذئاب الآدمية تنهش لحمك كما تنهش الفريسة، تموت في غياهب الضياع، وتنزوي في عالم الوحدة، تضرب، تصفع، تعذب وتموت حسرة، لكن ليست هنا . – أ تؤمن بالارهاب هنا؟ -لا ، كيف ذلك، لا أظن وجوده. -أ تجحد وجوده بيننا .- كل شيء مغلق بإحكام ولا سبيل للولوج  .من هناك يشهر مسدسه في وجهه، خفضه تدريجيا إلى صدره …لم أكن أعلم أنك ملحد لهذا الحد… كنت أظن أن كل شيء يموت في قلبك، في روحك، في عمقك، في وجدانك إلا هذا، سأشهرك في وجه الزمن، في وجه الوطن، دعهم يقولون كان من شهداء الواجب، وهل سيكون دواؤك يستطب به داؤك .

هذه قيمة وفائك، ما كنت ظانا بك هكذا، أو تفعلها، افعلها كل شيء في قلبي قتل، ما عدا روحي خذها الآن، هي هدية مني إليك ولتكتب على شاهد قبري ملحد ولكن ما آمنت إلا بربي.

عمروش لمياء