الرئيسية / ملفات / مدينة الماء ومملكة الجنان, ميلة.. متحف مفتوح على الطبيعة بحاجة للحماية

مدينة الماء ومملكة الجنان, ميلة.. متحف مفتوح على الطبيعة بحاجة للحماية

ميلة، مدينة ليست ككل المدن الجزائرية لخصوصيتها التاريخية، حيث يعتبرها الكثيرون عاصمة للرومان، لأنها حفرت في ذاكرة سكانها اسم “ميلاف” أي باللغة الرومانية، “مدينة الألف منبع للمياه العذبة”، التي تخرج من الجبال المجاورة لها، فيما وصفها الكثيرون بأنها عاصمة الفتوحات الإسلامية التي شهدتها الجزائر، حيث دخلها القائد أبو المهاجر دينار خلال غزوة الصحابي عقبة بن نافع للشرق الجزائري لنشر الإسلام، وشيد فيها أول مسجد في الجزائر، يطلق عليه اليوم “مسجد سيدي غانم”.

الداخل إلى مدينة ميلة من جهة الشرق الجزائري يمر عبر منافذ عديدة، فهي التي حملت بين جنباتها حضارة الأمازيغ ثم البيزنطيين وبعدهم الرومان، حيث تزخر المدينة بالعشرات من مصادر المياه واكتشفوا مصدرها الرئيسي في أعالي جبل “مارشو” أو جبل المياه العذبة حيث تسقي عيونه بساتين وأراضي المدينة ومنابع للمياه تمون مختلف المدن المجاورة لها.

تظل مدينة ميلة العتيقة المدن القديمة من مدن الألفية الوحيدة الآهلة بالسكان. تبهر الزوار بآثارها الضاربة في التاريخ ضمن متحف مفتوح على الطبيعة، لكن دون أن يتم استغلالها والحفاظ على الموروث الذي بدأ يندثر شيئا فشيئا.

“عين البلد”.. العين التي لا يُعرف منبعها

نافورة، التي بنيت في القرن الثالث الميلادي من قبل الإمبراطور هادريان، تعد حاليا الوحيدة التي تعود للعصر الروماني حيث لا تزال مياهها تتدفق بوفرة ما جعلها قبلة للسواح والراغبين في إرواء ظمئهم، وأيضا لتجريب الأسطورة التي تقول إن “من يشرب ماء هذه النافورة يتزوج مرة ثانية” ! ويبدو أن كثيرا من سكان ميلة وزواره لا يزالون يؤمنون بالأسطورة!

يكشف تواجد نافورة “عين لبلاد” بميلة أو ميلاف، كما كانت تسمى أيضا، تعاقب حضارات على المنطقة خاصة والجزائر عموما: الهندسة المعمارية في العصر الروماني (النوافير والبلاط)، البيزنطية (الجدار وقطع الحجارة) والإسلامية (القصور العثمانية).

غير أن المثير في هذه العين أن كل الدراسات لم تتوصل بعد إلى منبعها الرئيسي ومجراها، وهي تحمل أيضًا اسم “العين الرومانية”.

غير بعيد عن “عين البلد”، وعلى بعد أمتار فقط، يحيط بالمدينة سور من حجارة ضخمة، يقود الزائر نحو مخرج يسمى بـ ” باب البلد” وهو عبارة عن باب شيد بالحجارة، يعتبر المخرج والمدخل الرئيسي للمدينة العتيقة، حيث يشير أحد السكان إلى أن “المدينة كانت قبل سنوات طويلة تعج بالتجار وخصوصًا تجار الصوف والبقول الجافة الذين يأتونها من مختلف المدن المجاورة، فيما بقيت ليومنا هذا دكاكين ومحلات صغيرة، فضلًا عن مقاهي تعج بالزوار ليلاً”.

 

حمامات طبيعية مستغلة عشوائيا

تحصي الولاية  13 منبعا حمويا منتشرا عبر مختلف البلديات وهي منبع بني هارون  ببلدية حمالة، منبع أولاد عاشور ببلدية  العياضي برباس، منبع قروز ببلدية وادي العثمانية، منبع صونا ببلدية التلاغمة، منبع الصفصاف بتلاغمة، منبع أولاد جالي 1بتلاغمة، منبع ولاد جالي 2 بتلاغمة، منبع قردة ببلدية تبرقنت، منبع دار الشيخ بالراوشد، منبع واد الغول ببلدية تسالة لمطاعي، منبع الكاف لحمر بيحيى بني قشة  ومنبع صوني ببلدية التلاغمة، غير أن الملاحظة المسجلة في هذا الجانب من الاستغلال الحموي هي عشوائية الاستثمار  في هذا الجانب، مما اضطر السلطات الولائية لاتخاذ قرار دراسة ميدانية لإعادة  تنظيم هذا القطاع بما يساهم في الحفاظ على الموارد المائية مستقبلا، ويسمح بخلق أكبر عدد ممكن من مناصب الشغل ويستقطب مستثمرين جادين لإحياء السياحة الحموية  بإقامة هياكل استقبال قاعدية كفيلة للخروج عن استغلال هذه الحمامات من دائرة الفردية إلى أن تصبح سوقا واعدا يستقطب  مداخيل اقتصادية معتبرة، ناهيك عن كون  بعض الحمامات مغلقة حاليا بسبب نزاعات  قضائية، فيما البعض الآخر ما يزال دون  إدخال تحسينات عليها وحالها نفسه منذ عقود.

يد الإنسان…أكبر مخرب للمواقع السياحية

تتوفر ولاية ميلة حاليا على أكثر من ثلاثمائة وخمسين موقعا ومعلما أثريا، تاريخيا وثقافيا أغلبها مواقع رومانية ومن أهم المواقع  نذكر على سبيل المثال في جنوب الولاية مشتة العربي بشلغوم العيد، حمامات، وادي العثمانية، البعالة بعين الملوك، أما وسط الولاية المدينة القديمة   لميلة (ميلاف)، فرجيوة، المزامط وبني قشة  وحمالة، وسجلت المصالح المختصة عدة أنواع من الاعتداءات والانتهاكات التي تعرضت لها هذه المواقع، لعل أولها هو الزحف العمراني والبناءات الفوضوية  وخير مثال يكمن في الوضعية التي تشهدها  مدينة ميلة القديمة، إضافة للجهود الفردية  لبعض المواطنين للتنقيب والبحث عن الآثار  والكنوز التاريخية، وهذا في ظل غياب ثقافة  التبليغ عن أي اكتشاف أثري. وحسب مصادرنا الموثوقة من مديرية الثقافة، فقد تعرضت ثلاثة مواقع أثرية عبر عدد من البلديات لعمليات تشويه وتدنيس شوهت المعالم الأثرية، وتحصي المصالح الأمنية   معالجة ست قضايا للمتاجرة بالممتلكات الثقافية المنقولة هي حاليا قيد المعالجة القضائية على مستوى محاكم الولاية.

آثار بحاجة إلى ترميم

تاريخيًا، تحول مكان المسجد والمساحة المجاورة له خلال الاستعمار الفرنسي إلى مركز لجنود الاحتلال في المنطقة ككل، غير أنه عقب استقلال الجزائر وبالضبط في سنة 1968 تمكنت الحفريات من اكتشاف كنيسة رومانية مسيحية تحت أنقاض الأقواس الإسلامية للمسجد. ويتأسف الكثيرون لوضعية المسجد حاليًا، حيث تشرف وزارة الثقافة من خلال مديرية حماية الآثار على ترميم هذا المعلم التاريخي، إلا أن سكان المدينة العتيقة لا يخفون حسرتهم على عديد الآثار التي تندثر سنة بعد أخرى.

الزلزال خرب المدينة وأبكاها

بعد أكثر من شهر مرّت على الهزة الأرضية الأولى، التي ضربت ولاية ميلة، تحوّل على إثرها حيّ الخربة بأعالي المدينة، إلى خراب، حسب تصنيف وزارة الداخلية ووزارة السكن والعمران.

فالزلزال الذي ضرب “عاصمة الماء” الجزائرية، عرّى حقيقة هشاشة البنية التحتية في المدن الجزائرية، وأزاح الغطاء عن حقيقة البناء والسكن والعمران أيضًا في مدن كثيرة وأحيائها الجديدة، التي قضت على مساحات شاسعة من الأراضي الفلاحية، وأغفلت معها خصوصية الأرض وباطنها من أجل منح المواطن فضاءً للسّكن، إذ اتفق مختصّون على أنّ الأرض عندما تهتزّ تُخرج ما في باطنها. تتحرّك نظرًا لطبيعة تكوينها، وتُحدِثُ انزلاقات قد تستمرّ بعد ذلك لأيام وأشهر.

لمياء. ب