الرئيسية / ملفات / من ربوع بلادي: عروس المدن الأثرية “تيمقاد”.. واحدة من روائع الآثار الرومانية في الجزائر
elmaouid

من ربوع بلادي: عروس المدن الأثرية “تيمقاد”.. واحدة من روائع الآثار الرومانية في الجزائر

إذا كنت من عشاق التاريخ وذكرياته، المواقع الأثرية ومعالمها وتصميماتها، وإذا كنت ممن يهوون مشاهدة فنون الحضارة الرومانية، فأنت على موعد مع واحدة من أجمل مدن الرومان في إفريقيا والتي سترى فيها آثاراً

شاهدة على روعة الفن المعماري الروماني ودقة تنسيقه، وهي مدينة تيمقاد الجزائرية التي وصفها تقرير اليونيسكو بالمستعمرة الرومانية القوية والمزدهرة.

تعتبر تيمقاد، التي عرفت بمدينة الأثار الرومانية، المدينة الوحيدة من مدن الرومان المحافظة على هيئتها وتصميماتها الأولى في قارة إفريقيا إلى الآن.

وتعد مدينة تيمقاد الجزائرية من أجمل المواقع التي ما تزال تحافظ على آثارها دون تعديل فيها إو إعادة بناء وتزيين الآثار التي تغيرت بسبب التغيرات المناخية القاسية التي تعرضت إليها طوال السنين، وهي واحدة من 7 مواقع أثرية مدرجة ضمن التراث العالمي لليونيسكو في الجزائر.

 

“تيموقادي”.. حافظة المعالم على مرّ السنين

تيمقاد أو “تيموقادي” كما كانت تعرف، هي مدينة أثرية رومانية قديمة تقع في منطقة الأوراس شرق الجزائر، وبالضبط في ولاية باتنة وعلى بعد 36 كلم من عاصمة الولاية، و418 كيلومترا شرق الجزائر العاصمة، بناها الرومان في سنة 100 ميلادية في عهد الإمبراطور تراجان لأغراض عسكرية ودفاعية، ولكنها ما لبثت أن تحولت فيما بعد إلى مركز حضاري وتاريخي.

 

“تراجان”.. وقرار البناء

أمر تراجان ببنائها على شكل لوحة شطرنج مقسمة إلى طريقين رئيسيين تخترقهما طرق فرعية موازية لهما تشكل عند تقاطعها مربعات، وخُصصت المربعات لبناء المنازل، إلا أنه ومع تطور المدينة تم هدم الأسوار التي كانت تحيط بها لتحل محلها أحياء جديدة يضمها جدار كبير.

 

تيمقاد مدينة دفينة تبوح بأسرارها

“تاموقادي” أو “ثاموقادي”، هي التسمية الأولى لمدينة تيمقاد الأثرية الرومانية في الجزائر، واكتشف علماء الآثار سبب أو قصة تسمية المدينة بهذا الاسم.

ومن خلال “قوس النصر” الذي يوجد بالمدينة الأثرية، اكتشف العلماء “نص إهداء”، ليتضح أن الإمبراطور الروماني “تراجان” أسس مدينة تيمقاد عام 100 ميلادي على شرف شقيقته، وكتب على القوس “كولونيا مارسيانا تراجانا ثاموقادي، وكانت في البداية عبارة عن مستوطنة رومانية بشرق الجزائر.

وتغيرت تسمية المدينة إلى “تيمقاد”، وهي كلمة عربية مشتقة من الكلمة الأصلية اللاتينية، وتعني رخاء العيش أو العيشة الهنية.

 

شكل المدينة.. لوحة شطرنج

تعد مدينة تيمقاد الجزائرية الأثرية، الوحيدة مما تبقى من المدن الرومانية المحافظة على شكلها وتصميمها الأولي في القارة الإفريقية؛ حيث ذكر العديد من الدراسات التاريخية أن الإمبراطور الروماني “تراجان” أمر بأن يتم تشييدها على شكل لوحة شطرنج.

وتظهر المدينة حتى يومنا هذا، مقسمة إلى طريقين رئيسيين، تخترقهما مجموعة كبيرة من الطرق الفرعية الموازية، مشكلة عند تقاطعها مربعات كبيرة.

 

واحدة من أكثر المدن الرومانية تطورا

واستغل الرومان تلك المربعات لبناء منازلهم، ومع التطور الذي عرفته المدينة، هُدمت جميع الأسوار التي كانت محيطة بها، وشُيدت مكانها أحياء سكنية ومعابد وسوق كبير ومسرح كبير ومكتبة وحمامات معدنية، لتتحول تيمقاد إلى واحدة من أهم وأكبر المدن الرومانية وأكثرها تطورا.

وذكرت الدراسات التاريخية أن الإمبراطور “تراجان” غيَّر نظرته للمدينة من منطلق موقعها الاستراتيجي، فقرر تحويلها إلى أكبر مدينة رومانية “عسكرية ودفاعية” في إفريقيا، لكنها تحولت مع مرور الأعوام إلى واحدة من أفخم المدن الرومانية، ومن أهم المدن الحضارية للإمبراطورية الرومانية.

 

آثار المدينة الخالدة

بُنيت مدينة تيمقاد الجزائرية في بداياتها عام 100 ميلادي على مساحة 12 هكتارا، ومع قرار تحويلها إلى منطقة ذات أهداف دفاعية وعسكرية، توسعت مساحتها إلى 50 هكتارا.

“مدينة بأكملها”، هذا هو التوصيف الأدق لمدينة تيمقاد الأثرية في الجزائر، والزائر إليها يخيل له أنه يعيش حلما عاد به إلى عهد الرومان مثل التي يشاهدها في الأفلام السينمائية.

فهي مدينة تتميز بجمالها وفخامتها وفق الهندسة المعمارية الرومانية، ومن بين أهم ما يميز تيمقاد حتى يومنا، شارعان رئيسيان ينتهي كل واحد منهما بباب ضخم، وهي البوابات الرئيسية للمدينة.

ولم يصنع الرومان بابي المدينة من الخشب، بل من الحجارة الرومانية، وهما منحوتان بنقوش ورسوم، ومزينان بأعمدة لا تزال شامخة حتى يومنا هذا.

ومن بين ما يوجد في تيمقاد المبنية كلها بالحجارة، بقايا قوس النصر الذي يحمل اسم الإمبراطور تراجان، وهو القوس الذي شيد تخليدا لانتصارات الإمبراطور.

 

ساحة عمومية بساعة شمسية

إضافة إلى “تراجان فوروم” وتعني “ساحة عمومية”، وتتميز بساعتها الشمسية الضخمة التي تتكون من خطوط طويلة ومتعامدة تسمح بتحديد الوقت من خلال انعكاس أشعة الشمس عليها، أما شوارع المدينة فهي مبلطة بصخور مصقولة ومستطيلة الشكل وكبيرة الحجم.

توجد بالساحة آثار لـ14 حماما قديما، ويحيط بها مجلس بلدي ومعبد الإمبراطور وقصر للعدالة، وسوق شعبي به عدد كبير من المحال التجارية.

 

المسرح الكبير على مرّ الزمان

ما تزال كذلك آثار المسرح الكبير موجودة في تيمقاد حتى اليوم، وهو المسرح الذي كان يتسع لنحو 4 آلاف شخص، حيث كانت تقام عليه الحفلات والمهرجانات الثقافية بعد استقلال الجزائر، أكبرها “مهرجان تيمقاد الدولي”، غير أن تصدع المسرح دفع منظمة اليونيسكو إلى بناء مسرح جديد بالمدينة يشبه إلى حد كبير المسرح الروماني، وافتتح عام 2010.

 

الفسيفساء لتعويض الرخام الثمين

منازل تيمقاد الرومانية كان لها ديكور خاص بها لا تزال ظاهرة حتى اليوم، إذ اعتمد الرومان في تزيينها وديكورها على مجموعات كبيرة من الفسيفساء كتعويض عن نقص الرخام الثمين.

وبحسب الدراسات التاريخية، فقد عثر علماء الآثار على 263 فسيفساء فقط في تيمقاد، من بينها 85 في الحمامات الـ14.

وتوجد كذلك في المدينة بقايا كنيسة أو أسقفية المعروفة باسم “أوبتات”، وهو اسم الأسقف الروماني في المدينة.

أما مكتبة تيمقاد أيضا واحدة من أهم المعالم الأثرية التي بقيت موجودة حتى يومنا وكانت ثاني أكبر مكتبة عمومية رومانية، والتي كانت تتكون من 8 أرفف.

وتوجد في المدينة أيضا دورات للمياه بالهندسة الرومانية التي كان الرومان يولون لها اهتماما كبيرا عند تشييد مدنهم، حيث وجد العلماء آثارا لـ14 دورة مياه في تيمقاد.

 

اكتشاف المدينة

بعد خروج الرومان على يد الوندال ثم مجيء البيزنطيين وبقية الحضارات التي مرت على المنطقة، لم يعد هناك شيء اسمه مدينة تيمقاد الأثرية الرومانية، إذ غمرت الأتربة المدينة بكاملها.

غير أن المفاجأة تحققت سنة 1880، مع الاستعمار الفرنسي للجزائر، بعد أن اكتشف مجموعة من علماء الآثار الفرنسيين بعضاً من آثار المدينة إثر قيامهم بحفريات، وفي عام 1962 وبعد استقلال الجزائر، اكتشف علماء آثار جزائريون المدينة الأصلية بالكامل.

وفي عام 1970 أوصى المجلس الدولي للمعالم والمواقع بناءً على توصيات خرج بها تقرير لمنظمة اليونيسكو بإنشاء منطقة عازلة وغير قابلة للبناء بهدف حمايتها من السقوط، والحفاظ على مظهر المدينة، ووصف التقرير المدينة “بالمستعمرة الرومانية القوية والمزدهرة”.

وفي عام 1982، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونيسكو” مدينة تيمقاد الأثرية الرومانية الواقعة شرق الجزائر ضمن التراث العالمي، وصنفتها ضمن الإرث الثقافي العالمي الكبير.

وتعرف مدينة تيمقاد بأنها واحدة من أهم المدن التي تجلب عشرات آلاف السياح سنويا من الجزائر وخارجها، إذ تستقطب نحو 10 آلاف سائح أسبوعياً، مكتشفين سحر المدينة الذي لا يقاوم، وهم يتجولون في أكبر متحف جزائري على الهواء الطلق.