الرئيسية / ملفات / من زرع القيم الثورية إلى تكريس مبادئ المواطنة “الكشافة الإسلامية الجزائرية”.. شعلة نار أوقدت لهيب ثورة نوفمبر المباركة
elmaouid

من زرع القيم الثورية إلى تكريس مبادئ المواطنة “الكشافة الإسلامية الجزائرية”.. شعلة نار أوقدت لهيب ثورة نوفمبر المباركة

ساهمت الكشافة الإسلامية الجزائرية في دعم الثورة المظفرة، من خلال تربية النشء لقيادة الكفاح من أجل تحرير الوطن من قيود الاستعمار الاستيطاني الفرنسي، ويعود ظهورها في الجزائر بعد الحرب العالمية

الأولى على يدّ الفرنسيين الذين كان هدفهم تربية أبنائهم، وكانت صورة للكشافة المتواجدة بفرنسا، رغم انخراط بعض الشبّان الجزائريين في صفوفها لإعجابهم بالنظام والانضباط الكشفي والزي الموحد.

لكن الاحتفالات بالذكرى المئوية للاحتلال، وما رافقها من استعراضات استفزازية شاركت فيها الكشافة، دفعت الجزائريين إلى الانسحاب من صفوفها والاتجاه نحو تأسيس كشافة إسلامية جزائرية.

 

الاحتفالات المئوية.. الاستعراض الذي ولّد الفكرة

في سنة 1930 أقامت فرنسا احتفاليتها المئوية لاحتلالها الجزائر وبرمجت عروضا ومهرجانات بالمناسبة بحضور وفود أجنبية غربية لتريهم الجزائر الفرنسية وما قامت به فرنسا من إضفاء الحضارة والمدنية على شعب بدوي متخلف، وهو ما أثار حفيظة الجزائريين الذين كان ردهم  بتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في 05 ماي 1931 بقيادة الشيخين عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي، لإثبات عروبة وأصالة وإسلام الشعب الجزائري.

خلال تلك العروض المقامة، شد انتباه الشاب محمد بوراس ذلك اللباس الموحد والأداء المنسق والمنتظم لمجموعة من الفتية والشباب، ففكر في لمّ شمل الشباب والفتية في هيئة وكانت أقرب منظمة لمثل هذه النشاطات الكشافة، فأسس فوج الفلاح عام 1936 ثم توالت الأفواج الكشفية في تيزي وزو وقسنطينة والجلفة وغيرها من المدن، وهنا فكر القائد بوراس رحمه الله في لم شمل تلك الأفواج في هيئة واحدة، وتم ذلك من خلال فدرالية الكشافة الإسلامية الجزائرية في مؤتمر 1939 في منطقة الحراش (البريسدو) في ضواحي العاصمة وتم من خلال هذا المؤتمر وهذه الأفواج بث روح الوطنية لدى الشباب وكان يشدهم المنديل الملون بألوان الجزائر (الأحمر-الأخضر-الأبيض) وكذلك اللباس الموحد الذي يدل على التنظيم العسكري، وكانت الكشافة نواة للأنشودة الوطنية المعبرة عن تطلعات الشعب الجزائري إلى الحرية والاستقلال.

 

مدرسة لتلقين الروح الوطنية ورافد من روافد الثورة

وتحوّلت الكشافة إلى مدرسة حقيقية لتلقين الشبان الأفكار الوطنية، ومبادئ الإسلام واللغة العربية، والتشبّع بالفكر الاستقلالي من خلال المخيمات الكشفية وعرض المسرحيات المعبّرة عن واقع الجزائريين المزري تحت نير الاحتلال، وترديد الأناشيد الوطنية وبثّ روح الانتماء القومي في صفوف الشبان، ما جعل النشاط المكثف للكشافة الإسلامية الجزائرية عرضة لمضايقات السلطات الفرنسية التي عملت كل ما في وسعها لعرقلة نشاطاتها.

ورغم العراقيل، واصل الكشفيون مهامهم الوطنية بتوزيع منشورات الأحزاب الوطنية مثل منشورات حزب الشعب وحركة أحباب البيان، عقد الاجتماعات التكوينية في بيوت المناضلين والمشاركة في المظاهرات، وأبرزها مشاركة الكشافة في مظاهرات 08 ماي 1945، وأوّل من أٌستشهد الكشاف بوزيد سعال حامل الراية الوطنية، استخدام مقرات الكشافة كملاجئ للمناضلين المطاردين من طرف الشرطة الفرنسية.

وبالمقابل، شكلت الكشافة الإسلامية الجزائرية رصيدا هائلا من الرجال المستعدين، للقيام بالعمل المسلح، إذّ تسابقت العناصر الكشفية إلى الالتحاق بالمجاهدين عند اندلاع الثورة التحريرية، وأعلنت عن حلّ نفسها استجابة لنداء جبهة التحرير الوطني، فتدعم جيش التحرير الوطني، بكفاءات شبانية مدربة تتمتع بروح انضباط عالية وإخلاص للوطن، ووجدت الثورة التحريرية في الكشفيين عناصر واعية مدربة على العمل والنظام ومستعدة للتضحية من أجل الوطن بقناعة تامة.

 

الكشافة.. محطات بارزة ودور فاعل في الحركة الوطنية

للكشافة الإسلامية دور بارز  في الحركة الوطنية، و رغم أنها مسار حافل إلا أن لها من المحطات ما ظلت شاهدة على تضحيات الكشافة ومساهمتها في الثورة:

– أول محطة في مسيرة الكشافة الإسلامية هي الأفواج التي كانت من أهم روافد الإطارات الوطنية من المناضلين في مختلف الهيئات (حزب الشعب، جمعية العلماء المسلمين، المنظمة الخاصة،…..).

– 27 ماي 1941 الشهيد محمد بوراس يقدم حياته فداء للوطن ويعدم لأنه مصدر الوطنية والتحرر.

-08  ماي 1945 أول شهيد في مجازر فرنسا الرهيبة هو سعال بوزيد باللباس الكشفي في مدينة سطيف، وكان شباب الكشافة في طليعة المتظاهرين وكذلك الأمر في قالمة وخراطة ومختلف المدن الأخرى.

بعد مجازر 08 ماي 1945 اقتنع أبناء الحركة الوطنية أن ما أخذ بالقوة لا يرد إلا بالقوة، فتأسست المنظمة الخاصة ولأنها منظمة عسكرية، فإن أفرادها لابد أن يكونوا على تكوين عسكري عال هدفهم التحضير مستقبلا للثورة وهذه المواصفات كانت تتحقق في شباب الكشافة الإسلامية الجزائرية لأنهم تربوا على الوطنية وفق تحضير وتكوين شبه عسكري (اللباس، النظام المنظم، المورس، السيمافور) وكذلك حياة الخلاء (الطبخ، المشي في الغابة وما له من تقنيات، الإسعافات الأولية) وكانوا أكثر الناس حفظا للسر، كما كانوا ذوي تكوين سياسي عالي المستوى، فكان أغلب أعضاء المنظمة الخاصة من أبناء الحركة الكشفية (حسين آيت أحمد، محمد بلوزداد،….).

وبعد اكتشاف فرنسا للمنظمة الخاصة تم القبض على الكثير من أعضائها وأما البقية  فقد هربوا واختفوا عن الأنظار، وبعد تأسيس حزب جبهة التحرير الوطني وما جرى بعده من بعض سوء التفاهم بين ما سمي بالمصاليين والمركزيين، انشغلت فرنسا بهذه المسألة ووضعتها تحت المراقبة والمتابعة، هنا قام ثلة من الشباب باستغلال هذا الانشغال وفكروا في التحضير للثورة والإعلان عن بداية العمل العسكري المنظم لأن الشعب لم يعد يحتمل الانتظار، وبدأ السي الطيب الوطني محمد بوضياف وأسد الأوراس مصطفى بن بولعيد وغيرهما في إعادة بعث المنظمة الخاصة من جديد لكن بشكل أكثر تنظيما وأوسع وأشمل، فبدأت سلسلة الاجتماعات من مجموعة الـ22 إلى مجموعة الـ06 ثم إعلان الثورة.

 

الإطارات الكشفية والتحضير للثورة

لعل من الإسهامات الهامة للحركة الكشفية في ثورة الفاتح نوفمبر من حيث التحضير والإعلان ثم المشاركة الفعالة فيها، هو أن اجتماع مجموعة الـ22 تم في بيت أحد الإطارات الكشفية بالعاصمة وهو إلياس دريش، كما ضمت هذه المجموعة عددا كبيرا من الإطارات والمناضلين في الكشافة الإسلامية الجزائرية منهم: العربي بن مهيدي، محمد بلوزداد، بن عودة بن مصطفى، ديدوش مراد، سويداني بوجمعة، زيغود يوسف وإلياس دريش، ووراء هذه المجموعة المئات من مناضلي المنظمة الخاصة وكان الكثير منهم قادة وإطارات كشفية، ثم فوضت مجموعة الـ22 أمر إعلان الثورة إلى ستة منهم فاجتمعوا في دار القائد بوقشورة مراد في الرايس حميدو بضواحي العاصمة، وتقرر أن يكون إعلان الثورة ليلة 31 أكتوبر/01 نوفمبر 1954.

شارك وفد من الكشافة يرأسهم القائد عمر لاغا في أوت 1954 في مهرجان بالزبداني بسوريا وفي طريقهم التقوا بآيت أحمد، بن بلة وخيذر وكذا الشيخ البشير الإبراهيمي بالقاهرة وهناك حمّلوهم رسالة إلى بن مهيدي، ولهذا تم الإعلان الرسمي عن الثورة في الفاتح نوفمبر، فقامت فرنسا في اليوم الموالي باعتقال الإطارات الكشفية عمر لاغا والطيب خراز وغيرهما كثير لأنها كانت تعتقد أنهم هم من كانوا ينسقون مع المصريين لإعلان الثورة.

 

شباب الكشافة وقصة تضحيات خلدها التاريخ

يكفي الكشافة فخرا أنها زودت الثورة بخيرة من شبابها وأبطالها، ونذكر في هذا الإطار أن 07 من مجموعة الـ22 هم إطارات كشفية: العربي بن مهيدي، إلياس دريش، ديدوش مراد، زيغود يوسف، محمد بلوزداد، بن عودة بن مصطفى، سويداني بوجمعة.

 

نماذج حية من الولاية السابعة

ويذكر التاريخ مشاركة شباب الكشافة الإسلامية الجزائرية في العمليات التي كانت تتم في الخارج في فرنسا، وهي ما يعرف تاريخيا بالولاية السابعة، ونكتفي هنا بذكر نموذج حي لهذه المشاركة، القائد بن صدوق الذي كان قائدا بأحد أفواج عنابة، قام بعملية فدائية ضد أحد الحركى الموالين لفرنسا وهو الخائن شكال، حيث قتل القائد بن صدوق هذا الخائن بمسدسه وهو جنبا لجنب مع رئيس جمهورية فرنسا آنذاك روني كوتييه، ولما تم إلقاء القبض عليه واستجوابه هل أنت من FLN  فقال لا، فقالوا إذن أنت من MNA  فقال لا أنا من SMA.

في داخل الجزائر نذكر كمثال لتضحية شباب الكشافة الإسلامية الجزائرية فوج الأمير خالد بالعاصمة الذي استشهد منه بين 64 و67 شهيدا، والنماذج كثيرة جدا أكبر من أن نحيط بذكرها في هذه الأسطر وما ذكرناه على سبيل المثال لا الحصر.

 

بعد الاستقلال.. تكوين واعد لشباب الجزائر الصاعد

وبعد الاستقلال في سنة 1963، عقدت الكشافة مؤتمرها الذي سمي بمؤتمر “الوحدة” تحت راية المنظمة الأم، فكان لقاء حاسما بين الأشقاء ولكل التيارات داخل وخارج الوطن.

وفي المؤتمر الرابع لحزب جبهة التحرير تم توحيد الشباب بانضمام الكشافة التي أصبحت بموجبه منظمة جماهيرية، وتم تنظيم مؤتمر الانبعاث للكشافة الذي جاء بعد الإعلان عن دستور فيفري 1989، تلاه بعــد ذلك مؤتمر الاستقلالية في فيفري 1990، ضـم الإطارات الكشفية التي كانت تحت لواء الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية، وقد أصبحت الكشافة بموجب هذا المؤتمر منظمة مستقلة.

ولكن هناك من الإطارات الكشفية من يرى أن كل من ساهم في الثورة التحريرية قد كرموا بعد الاستقلال، وهم يستحقون ذلك كالفنانين الذين مثلوا الثورة وكذا فريق جبهة التحرير الذين كانوا أبطالا ومثلوا الجزائر الثائرة خير تمثيل في الخارج، لكن الإطارات الكشفية لم تنل حقها من الاعتراف كحركة ساهمت وبقسط كبير في تحرير الجزائر وتأطير واحتضان الشباب الجزائري.