الرئيسية / ثقافي / نصر الدين دينيه.. الفنان التائه بين الكثبان
elmaouid

نصر الدين دينيه.. الفنان التائه بين الكثبان

 من أشهر الفنانين وأعظمهم شأنا بالجزائر، الراحل الحاج نصر الدين دينيه، الفرنسي الأصل، واسمه الأصلي، إيتيان دينيه، هذا الفنان الذي انبهر بجمال الصحراء حين قدم إلى بوسعاد

ة فسُحر بجمالها وقرر الاستقرار بها، فصار في حياته وحتى بعد موته، جزء من تاريخها وجمالها، وحتى بيته المتواضع الذي يشكل حاليا متحفه الخاص، صار معلما ثقافيا للمدينة.

ويضم هذا المتحف، 12 لوحة أصلية من أعمال نصر الدين، إلا أن أعماله تزيد على 500 عمل وهي موزعة بين المتاحف الوطنية والعالمية والمجموعات الخاصة، ودشن المتحف سنة 1993 لكنه انطلق سنة 2004، فقد تعرض سنة 1995 لحريق أتى على بعض أغراضه المنزلية كسريره لكن أعماله نجت، ولا زال المتحف يسعى لاسترجاع المزيد من الأعمال الفنية.

حج دينيه سنة 1929 إلى بيت الله الحرام رفقة صديقه المقرب وجاره، باعامر، وكتب هناك رسالته التي ذكر فيها انبهاره بهذه الرحلة التي “تركت في انطباعا لم أشعر به من قبل..” بعد أن توفي بفرنسا، أعيد جثمانه للجزائر ودفن ببوسعادة في ضريحه الذي بناه لنفسه بجوار قبر رفيق دربه باعامر.

 

متاحف العالم تقتني إبداعاته

ترك دينيه عدة لوحات خالدة، أشهرها: الصلاة، العودة، غداة رمضان، لكن “الأم كلوتيد” حظيت بقبول النقاد والمثقفين رغم أنها أول عمل قام برسمه بعد تخرّجه من مدرسة الفنون الجميلة وكرم مرارا فنال لوحة الشرف سنة 1882 على “صخرة صاموا”، ثم وسام صالون قصر الثقافة، والوسام الفضي في المعرض العالمي لباريس سنة 1889، وتتوزع أعماله على كل من: متحف برلين، متحف باريس، متحف سيدني، متحف طوكيو، ومتحف الفنون الجميلة في الجزائر وتباع أعماله بأسعار غالية في فرنسا وغيرها من دول العالم، فهي شديدة الطلب خاصة من طرف محبي الفنون التشكيلية من الأجانب الذين يجدون في لوحاته التفصيل العربي المغربي الفريد من نوعه الذي يمثل بالنسبة لهم حلما أو رحلة خيال.

ويستنتج المتتبع لأعمال دينيه أنها تنقسم إلى مرحلتين تميزت بهما حياته: مرحلة ما قبل الإسلام، ومرحلة ما بعد الإسلام، حيث تصور أعماله التي رسمها قبل الإسلام نساء مكشوفات مجردات، فيما تصور أعماله التي أبدعها بعد دخوله الإسلام نساء مستترات بلباسهن التقليدي، فكان لإسلامه عظيم الأثر على فنه، بل على حياته بالكامل.

كما صوّر في غالب أعماله مدينته المفضلة، بوسعادة التي سحر بجمالها وعشقها لدرجة أنه لم يرض عنها بديلا وهو الفرنسي كثير الترحال بين كبار مدن العالم، غير أن نصر الدين دينيه لم يكن طوال حياته ذاك الرسام المتتبع لتفاصيل المدينة ونسائها والهائم بين مناظر الطبيعة، وإن كان مشتهرا بفنه وريشته إلا أنه كان ـ و هذا ما يجهله الكثير من الناس ـ مفكراً وكاتباً عظيما، فلقد سخر نصر الدين قلمه للدفاع عن الإسلام والمسلمين، ولقد نشر آراءه في العديد من الكتب التي أثار فيها العديد من المواضيع والقضايا عن الإسلام، وعظمته وشرف الانتساب إليه، وسماحة علمائه ومشائخه، وكونه لا يقيّد العقل ولا يحارب الأفكار بل هو يدعو إلى إعمال الفكر في الذات والكون وفلسفة الحياة ومجراها، كما يرد فيها على كثير من الكُتّاب المروجين للفكر الإرتيابي المشكك في صحة دين الإسلام التي سعى عدة مستشرقين للدعوة إليها، ومن أشهر كتبه: أشعة خاصة بنور الإسلام، الشرق كما يراه الغرب، وفيه ترجمة لعنوانها: آراء غربية في مسائل شرقية، وكتاب “إنك في واد ونحن في واد”، الذي يرد على المستشرق لامانس، وهو قس تهجم في كتاباته على الإسلام وعلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكتاب “الحج إلى بيت الله الحرام”، كما كتب في السيرة كتاب “محمد رسول الله” الذي تحدث فيه عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد شاركه في تأليفه، سليمان بن إبراهيم، فهو من أهم مؤلفاته، وقدم هذا الكتاب القيم، شيخ الأزهر الراحل، الدكتور عبد الحليم محمود ـ رحمه الله ـ سنة 1956م.

للإشارة، فإن إيتيان دينيه، أو الحاج نصر الدين، من مواليد شهر مارس 1861م، ولقد اعتنق الإسلام عام 1913م، وانتقل إلى الرفيق الأعلى في شهر ديسمبر من سنة 1929.

محمد عبد النور