الرئيسية / ثقافي / واسيني الأعرج :”الكتابة سباق ماراطون”
elmaouid

واسيني الأعرج :”الكتابة سباق ماراطون”

قال الروائي، واسيني الأعرج، “إن عالم الكتابة، عالم جميل وساحر، يمنح فرصا خاصة لحياة أخرى، تكاد تكون موازية، غير تلك التي يعيشها جميع الناس، حياة بها الفرح الذي يحسد المرء عليه، وبها الظلمة القاسية أيضا، والتي لا يخرج الكثير من الفنانين من أنفاقها بسلام.”

 

وأضاف واسيني أن “الشهرة لا تعني استقرار الحياة لدى الفنان، بل بالعكس، هي حالة تماوج مستمر، ويؤكد هذا أن فعل الكتابة ليس أمرا بسيطا ولا سهلا، فهو شبكة شديدة التعقيد، الكتابة مثل أية ظاهرة اجتماعيّة ونفسية وثقافية مركبة، يلتبس فيها الذاتي بالموضوعي، الظاهر بالخفي، الباطني بالأكثر ظهورا.”

وأضاف واسيني قائلا “من هنا شدة حساسيتها وتناقضها الشكلي أو الأعمق فهي تفضح عمق صاحبها، بوصفها مساحة مفتوحة، بقدر ما يكثر فيها المحبون الذين يأنسون للكتابة وللفعل الإبداعي الخلاق، تنشأ في حضنها أيضا الضغائن الأكثر مرضية.”

وأردف الأعرج يقول :”إن الكتابة بهذا الفهم هي صراع مستميت ضد التوحش المجاني، بوسيلة واحدة ووحيدة هي الكتابة نفسها، لأنك عندما تلتفت وراءك وقتها لن ترى إلا رماد جيش من المهزومين وغبار معاركهم الخاسرة، لست أنت من هزمهم لكن الكتابة نفسها هي التي تفعل فعلها بلا استئذان.”

وأوضح الكاتب قائلا :” طبعا، الكتاب ليسوا متشابهين، هناك مجموعة تشتغل في الظل وفي السكينة، تنحت من الحياة وقسوتها حبها ورهاناتها الكبيرة ومنجزها، وتحاول جاهدة أن لا تلتفت إلى الوراء، وقتها ثمين وتخاف من تسرّبه، وهناك مجموعة ثانية شغلها الشاغل ما يفعله الآخرون، تتصيدهم في حياتهم وعملهم، انتقامها أعمى لا من الكاتب الذي تفصله عنها سنوات ضوئية في نمط الحياة وإبداعها، ولا من الإبداع لأنه لا يجاريها في أميتها، ولكن من نفسها لأنها تتعرى كليا ويبدو واضحا القبح والتشوه الذي تتأسس عليه، والعفن الذي تنام فيه، ومرض المخ العصبي الذي يستهلك وقته في الحلقات السرية للمهزومين، وفي المطاردة بدل الكتابة، وتتشبث بانتهازية سامية، بتصيد كل من يمنحها سلطة المناصب التي توفر لها وجودا ما إذا أخطأت منصب المدير تتعرى أكثر كي لا تخطئ منصب السكرتير الصغير، أو أيّة سلطة توهمها بالقوة.”

وأكد واسيني الأعرج على أن :”جوهر الفن أن لا يتشابه المبدعون في التخصص الواحد..هذا هو الأمر الطبيعي، لأن المبدع الحقيقي في اللحظة التي ينفصل فيها إبداعه عن دائرة التكرار يكون قد حقق وجوده.”

وواصل  الكاتب قائلا :”صحيح أن حاجات الأجيال تختلف من حيث القيم الإبداعية، لكن الجيلية يمكنها أن تكون أيضا لحظة هزيمة وقناعا مهزوما، فكثيرا ما تدخل مأساة الجيلية صنفا من المبدعين في نقاشات ومهاترات لا شيء ينتظر من ورائها.”

وأشار صاحب رواية “2084..حكاية العربي الأخير”، إلى ” سؤال يتكرر دائما في معظم محترفات الكتابة، التي أشرفت عليها عربيا ودوليا: ماذا نفعل تجاه العداوات المجانية ضد ما نكتبه؟ أجيب بشكل يكاد يرميني في عمق العبث والسخرية، اشتروا سلة مهملات تتسع لكل ما تسمعونه، فالكتابة سباق ماراثون كما يقول موراكامي، فيها الكثير من الأبطال المتنافسين، ولا يصل في النهاية إلا مجموعة صغيرة يتبادلون الأدوار باستمرار إلى أن ينشأ الذي يشترك معهم في السباق بقوة أكثر ولا يلتفت إلى الوراء.

التجاوز ليس صراخا وليس شتائم وليس تنظيرًا، لكنه قوة إبداعيَّة خلَّاقة، إما متوفرة أو غائبة.

وشدد الروائي قائلا :”لا كاتب يمكنه أن يمنع كاتبا من البروز إلا إذا كان هذا الأخير فاشلا،  لا قوة تكسر إمكانية الحلم، أن تختار مسلك الكتابة عليك أن تفترض سلفا عداوة أصحاب نفس “الكار”، لكن هناك المناهض لك بالوسيط الإبداعي، وهناك حلقة الندابين وصناع الضغينة، الذين لا شغل لهم إلا الترصد، وكأن وجودك الإبداعي أصبح معوقا لهم، والإعاقة مثل بقية الأمراض، تكبر إذا تم تجاهلها، وتخف وتنطفئ إذا وجدت من يهتم بها، الكتابة ككل الفنون، جميلة وكثيرا ما تكون ظالمة، والحظ أيضا جزء من العملية الإبداعية، لكن القدرة الخلَاقة والموهبة، سيدة كل شيء في النهاية.”