الرئيسية / ملفات / … ولرمضان نكهة أخرى بمدينة الورود البليدة.. مزيج بين عراقة التقاليد وروح العصر

… ولرمضان نكهة أخرى بمدينة الورود البليدة.. مزيج بين عراقة التقاليد وروح العصر

“لبليدة الوريدة” أو البليدة مدينة الورود، هي ألقاب أطلقت على مدينة البليدة وصارت لا تعرف إلا بها ولا تطلق على من سواها،

تعددت ألقابها وأصبحت تلقّب أيضا بمدينة الأصالة والجمال، فبالإضافة إلى أنها قلعة الثوار إبان ثورة التحرير وساهمت قبل ذلك في الحركة الوطنية الجزائرية، فهي مخزون ثقافي وتاريخي، وتعدّ الآن مركزا اقتصاديا وتجاريا هاما.

الوريدة… اسم على مسمى

تقع جنوب العاصمة الجزائر، وعلى بعد أربعين كيلومترا تقريبا تستقبلك هذه المدينة التي تحتضنها جبال الشريعة، فتبدو عروسا في موكب زفافها، فرحة وخجولة أيضا، لأن الجبال تلفها من كل جانب.

 ربع المدينة وسط الحدائق وكروم البرتقال والزيتون وأشجار اللوز بسهل متيجة الغربي، حيث تستهوي زوارها وتبهرهم بمناظرها الخلابة وطبيعة مرتفعات الشريعة الجميلة وحقول المتيجة وبساتينها الغناء، فلا يخلو بيت من بيوتها من الأزهار والياسمين والقرنفل ومسك الليل التي تزين حدائقها، ولازالت بعض البنايات القديمة بالأحياء شاهدة على الطابع العربي الأندلسي بما توحيه لنا الزخارف الجميلة للأقواس بالنمط الهندسي الرائع الذي كان يزين بعض مداخل مساجدها وحماماتها.

“الوريدة” قصة أمومة لعمالقة الفن

عند الحديث عن مدينة سيدي الكبير  بادر إلى أذهاننا أسماء بعض العمالقة في الطرب والفن التي برزت على الساحة الوطنية والعربية، فنجد على سبيل المثال، لا الحصر، المطرب الكبير رابح درياسة وأغانيه العذبة، ودحمان بن عاشور رائد الفن الأندلسي، والحاج المحفوظ في الغناء الحوزي، والمطربة سلوى وقسوم ومحمد وجدي وغيرهم.

وفي ميدان التمثيل كلنا نتذكر عميد المسرح البليدي محمد التوري والممثلة القديرة فريدة صابونجي، وفي ميدان الفن التشكيلي لا ننسى الرسامة الكبيرة باية محي الدين ولوحاتها المميزة، كما تزخر البليدة بالطاقات الإبداعية المختلفة في شتى مجالات الفنون، فهي مركز إشعاع ثقافي ورائدة في ترقية وتثمين الثقافة ذات الطبوع العربية والإسلامية.

و واجد بالساحة الثقافية عدة جمعيات محلية ذات خبرات في مختلف الفنون والمهن والحرف التقليدية، بها نوادي فنية وورشات للفنون التشكيلية والرسم والزخرفة الإسلامية وجمعيات للطرب الأندلسي.

البليدة وسر الأبواب السبعة

ولمدينة البليدة تاريخ عريق في الذاكرة الوطنية يعود تحديدا إلى سنة 1535 اريخ تأسيس هذه المدينة من الرجل الصالح والمهندس :”سيد أحمد الكبير الأندلسي” الذي أتى من الأندلس سنة 1519 يحمل لمسات أهل الأندلس الفنية في البناء والعمران، فلما وجد الطبيعة الخلابة والإمكانات التي تزخر بها راعه حال العمران الموجود حينها فأعطاها صبغة أندلسية في بناء البيوت والحمامات والمحلات والقصور، فتحولت إلى جنة غناء لا تضاهيها جمالا إلا قصور غرناطة وإشبيلية في أندلسنا المفقود.

أم عن سر تسميتها “البليدة الوريدة” فيعود الفضل في ذلك إلى “سيدي أحمد بن يوسف ” الذي جاء لزيارة سيدي الكبير وأعجب بروعة طبيعة المدينة وذهل لما رأى في هذه المدينة من اخضرار يسحر القلوب ويبهج النظر، وكذا جداول المياه والأزهار والورود المنتشرة في كل مكان، مختلفة الأشكال والألوان تملأ رحب المدينة. فاقترح عليه التسمية الجديدة للمدينة، فبدل أن تعرف بالبليدة، أي البلدة الصغيرة، سميت بالوريدة ومعناه الوردة الصغيرة.

فحملت البليدة هذا الاسم من ذلك الوقت وذاع صيته وتوارثته الأجيال حتى أثناء فترة الاحتلال وزحف عسكر الفرنسيين على هذه المدينة الذي جوبه بمقاومة كانت باسلة، لكن تمكّن الفرنسيون من اقتحام أبواب البليدة السبعة.

هذه الأبواب التي تروي بقاياها قصة فريدة لمن يبحث في التاريخ -كما يفعل محدثنا السيد :” يوسف وراغي”- والتي لم يبق منها حاليا إلا الاسم.

فنجد أول هذه الأبواب وأكثرها شهرة هو باب الجزائر أو باب الدزاير وموقعه في الطريق المؤدية إلى الجزائر، وكان من الأبواب الأربعة الرئيسية للمدينة سابقا وكان يفتح مع الفجر ويغلق استثناء مع آذان العشاء.

الباب الثاني هو باب الرحبة وسمي كذلك نسبة لساحة سوق الرحبة، كما كان موقعه قريبا من الجبل حتى يتمكن ساكنو المناطق المحاذية للمدينة من اللقاء والتجارة وتبادل السلع.

باب السبت كان بدوره سوقا قبل أن ينقل إلى سوق الشفة عام 1855 وحوش السمارة، وكان من سبت إلى سبت وكان يضم متسوقين من كل الجهات.

ونجد أيضا باب الزاوية وعرف كذلك نسبة لزاوية سيدي محجر ولم يكن هذا بابا رئيسيا وكان يغلق مع المغرب.

أما الباب الخامس فهو باب الخويخة، ويعتقد الكثير أن هذا الباب سمي كذلك نسبة للخوخ، لكن هذا معتقد خطأ، لأن المنطقة لا تعرف بالخوخ وإنما بالحمضيات، إنما أصل هذه التسمية تركي، ذلك أن كلمة الخويخة تعني الباب الصغير، وفعلا كان هذا الباب يشبه الفتحة وليس بابا لمدينة كما هو متداول عليه.

وكذا الأمر بالنسبة لباب القصبة فهو بدوره فتحة تؤدي إلى تراب سيدي يعقوب ومنها إلى الجبل وهو باب من قصب.

وباب القبور سمي كذلك نسبة لمقبرة المسيحيين التي كانت موجودة بمحاذاته لكن بعد الاحتلال وتحديدا سنة 1869 هدمت أجزاء من هذه الأبواب وغيرت السلطات الاستعمارية منها الكثير، وعلت بعض الأسوار بأربعة أمتار ولم يبق من الأبواب إلا أربعة لم تلبث بدورها أن زالت مع مرور السنوات.

بنت البليدة بين الحداثة والأصالة

المرأة البليدية مع كل ما حققته من تقدم هائل على كافة الأصعدة إلا أنها لم تفتقد إلى ذلك الحس الفني الذي يشحذ الهمة، فتسلقت سلالم الإبداع والأناقة بتلك الأنامل الناعمة التي صنعت من الخيط أبهى فرشة لكل امرأة تعشق فنون التطريز والخياطة مثل الشبيكة، غرزة الحساب، غرزة الياسمينة، غرزة القفي، الفتلة، المجبود، الكروشي … ل جسد لدى الناظر لوحة فنية غاية في الروعة وإن كانت تدل على شيء إنما تدل على أصالة هذا الموروث وحب الفن والموهبة بحد ذاتها.

أفراح الوريدة لوحة تعبر في عمقها عن الذوق الراقي

اشتهرت المرأة البليدية بمحافظتها على الزي والأصالة الجزائرية، فرغم رواج الملابس العصرية إلا أن محلات المدينة لا تخلو من الملابس التقليدية، فنجد شارع العرائس الموجود منذ القدم بباب الجزائر غنيا بمثل هذه الأعمال كالبرنوس الذي كان وما زال عادة ضرورية لإخراج العروس من بيت أهلها.

ففي هذا اليوم تقيم العروس كما يقال بالعامية (التصديرة) التي  م عادة بقاعة الحفلات، حيث تف حها وهي ترتدي (الكاراكو) وهو لباس مطرز بالخيط المذهب بتقنية (الفتلة أو المجبود) ومتزينة بحلية تسمى (خيط الروح) ومحرمة (الفتول) وعليها (حايك المرمى) هذا الأخير لباس ترتديه المرأة عادة عند خروجها من البيت، وما زالت لحد الساعة هذه الصورة الجميلة يصادفها أبناء الوريدة في حياتهم اليومية.

ولا تقتصر العروس على شراء الملابس التقليدية فهي تقصد بكثرة بائعي الحليّ والذهب، ومن أهم ما تقتنيه نجد كرافاش بولحية، خيط الروح، خلخال، سباعيات، مقياسات…

الحناء كانت ولا زالت زينة المرأة وميزة أفراح مدينة الورود

عادات البليديين راسخة في أفراحهم ومناسباتهم لتشمل المأكولات الشعبية، الحلويات التقليدية، الحناء… فالحناء زينة العروس وفأل الخير عليها توضع على يديها وهي جالسة على وسادة مطرزة، وأفرشه خاصة بهذه القعدة في الوسط وباتجاه القبلة.

تحضّر الحناء مع أشياء أخرى مثل ماء الزهر الذي هو رمز المودة واللطف، البيض رمز الخصوبة والغنى، القطعة النقدية الذهبية رمز الثراء.

بعد وضع الحناء تدخل يد العروس في قفاز مطرز بالخيط المذهب وهي تسمع أعذب الأصوات بمزيج من الزغاريد وكلمات ذات معاني جميلة وقيمة.

والحناء حاضرة في معظم المناسبات، مصاحبة لعادات أخرى مثل المولد النبوي الشريف، يميز هذا اليوم مظهر الحناء على أيدي الأطفال وهم يداعبون الشموع، دون أن ننسى طبق الرشتة بالخضر والدجاج الذي يقدم كطبق خاص، يميز أمسية هذا الاحتفال. أما في اليوم الموالي تقدم الطمينة والبغرير.

يوم عاشوراء تقص المرأة لبناتها خصلة من الشعر وتزينهن بالكحل والحناء، وتقدم لهن ولكل أفراد العائلة الطبق المشهور عند أبناء المدينة البركوكس.

المرأة البليدية ماهرة كذلك في صنع مختلف أصناف الحلويات، فنجدها في حركية كبيرة مع اقتراب أي مناسبة دينية كعيد الفطر والأضحى.

فهي لا تستغني في المناسبات الدينية والعائلية عن تحضير ما جادت به قريحتها من حلويات وأطباق مختلفة سواء كانت تقليدية أو عصرية.

فتحرص الأسر البليدية على تحضير بعض الحلويات المشهورة (كالبقلاوة، الصامصة والخشخاش، والقريوش، التشاراك، مقروط اللوز..) ، التي تعكف العائلات على تحضيرها كل يوم ذي شأن لإضفاء نكهة خاصة على سهرات الشاي، دون أن تنسى تزيين قعدة المائدة بالفواكه الموسمية كالعنب والخوخ والتفاح الذي تشتهر به عاصمة المتيجة.

… ولرمضان نكهة أخرى في البليدة

وتعيش الجزائر كغيرها من ولايات الوطن أجواء خاصة بمناسة حلول شهر رمضان، حيث تستقبل العائلات البليدية شهر رمضان الكريم بعادات وتقاليد متنوعة تعكس موروث هذه المدينة العتيقة، وتبرز مدى حفاظ أهلها على عاداتهم الخاصة بهذا الشهر الفضيل.

ولعل أبرز الطقوس التي يتخذها السكان مع بداية رمضان انتقاء أجود التوابل من أهم التحضيرات، فتبدأ أولى أيام رمضان بالبحث عن أجود وأجمل التوابل المستعملة في طهو الأطباق الرمضانية وخاصة ما تعلق منها بطبق وسيد المائدة الرمضانية الشوربة أو الحريرة، حيث تسارع ربات البيوت أياما قليلة قبل حلول الشهر إلى اختيار واقتناء التوابل مثل الفلفل الأسود والكروية والكمون والكبار والزعيترة والزعتر اليابس والحبة السوداء ورأس الحانوت وتوابل أخرى تعد العنصر الأساسي في إعداد الأطباق الرمضانية التي تحمل نكهات وأذواقا مميزة.

قِدر الفخار وملاعق الخشب صورة أخرى من صور الاستعداد للشهر الفضيل

لا يحلو لعدد كبير من العائلات البليدية تناول الشوربة أو الحريرة إلا إذا كانت مطبوخة داخل القدر المصنوع من الفخار وتحريكها بملعقة من خشب.

فضولنا الدائم جعلنا نستفسر عن سبب هذا التميز والاختيار لهذه الأواني بالذات لطهو الشوربة وبعض الأطباق الأخرى كطبق طاجين لحلو وطاجين الزيتون الذي لايفارق المائدة البليدية طيلة شهر رمضان، فقالت لنا إحدى السيدات البليديات إن طهو الشوربة في قِدر الفخار يعطي لهذا الطبق حلاوة وطعما رائعا، والشيء نفسه بالنسبة لباقي الأطباق المذكورة، وأشارت إلى أن تحريك هذه الأطباق بملاعق من خشب له طعم آخر ويحافظ على المذاق الأصلي للأطباق الرمضانية. مع العلم أن بعض العائلات البليدية تحبذ تناول السلطة وطبق الشوربة في صحون من الفخار وسلل مخصصة للخبز مصنوعة من الحلفاء

صناعة شوربة “المقطفة” وتصبير الطماطم بطريقة تقليدية عادة لا يمكن للبليديين نسيانها

تسارع النساء البليديات كغيرهن من نساء الجزائر إلى تحضير الشوربة وصناعتها بطريقة تقليدية، والتي يستعمل فيها الدقيق والماء والملح لصناعة العجينة ثم يقمن بتعريضها لأشعة الشمس بعد أن يقمن بتقطيعها قطعا صغيرة ثم يقمن بتخزينها لاستعمالها في شهر رمضان المعظم، والأمر نفسه بالنسبة للرشتة والكسكسي اللذين يحضران أياما قبل حلول الشهر الفضيل، ويقدمان خلال السحور، كما تسارع العائلات البليدية إلى تصبير الطماطم بطريقة تقليدية حيث تقطّع أعداد كبيرة منها ويوضع الملح فوق الشرائح المقطعة ثم يتم تعريضها لأشعة الشمس وتطحن بعدها لتصبح عبارة عن معجون طماطم ويتم تخزينها في الثلاجة، وتستعمل في الأطباق المختلفة، وهي عادة لا يمكن للنساء البليديات الاستغناء عنها أو نسيانها، كما أن هذه العادة تعطي لأطباق رمضان نكهات مميزة.

طلاء المنازل وشراء أواني جديدة للتبرك برمضان

تقوم العائلات البليدية استقبالا لشهر رمضان بطلاء غرف مساكنها وتجديد الأثاث بالنسبة لبعض العائلات ميسورة الحال، وكذا شراء أواني جديدة لطهو أطباق رمضان. وتجد هذه العائلات هذه العادة عادة للتبرك بالشهر وجلب الخير والهناء والصحة للمنزل، كما أنها -بحسب بعض العائلات- طريقة للهروب من الروتين بالنسبة للأواني القديمة المستعملة وصورة لاستقبال الضيف بأبهى وأنقى الأواني.

تنظيف المنازل وغسل الأفرشة لابد منه

من العادات التي لا يمكن للأسر البليدية نسيانها، خاصة بالنسبة لسكان الأحياء العتيقة مثل حي الدويرات بقلب مدينة البليدة، وحي باب خويخة وباب الزاوية وحي باب الجزائر، وسكان حمام ملوان والشريعة وغيرها، هي عادة تنظيف المنزل بغسل الجدران وتنظيفها من الغبار إن وجد، وكذا غسل الأفرشة والأغطية تبركا واستعدادا لاستقبال الضيف العزيز، وتبديل الأغطية التي تزين بها المقاعد والموائد والأرائك وتغيير ما يمكن تغييره. المهم لدى العائلات البليدية هو استقبال شهر رمضان بأثاث وأوان جديدة وبغرف نظيفة وصالون نظيف وبديكور مختلف عن رمضان السنة الماضية.

تصويم الطفل الصغير والاحتفال به فرحة أخرى

تقوم الكثير من العائلات البليدية، تعبيرا عن فرحها بحلول شهر رمضان، بحث أطفالها على الصيام ولو لنصف يوم في محاولة لتعويدهم على أداء هذه الفريضة، وتقوم خلالها هذه العائلات بإلباس أطفالها الذين صاموا لأول مرة ألبسة جديدة ومنها من تلبسهم ألبسة تقليدية والاحتفال بهم بذر حبات الحلوى فوق رؤوسهم وإعطائهم الشاربات المصنوعة من الماء والسكر وماء الزهر، شريطة أن يكون داخل الكأس خاتم من الفضة وهي عادة ما تزال متجذرة في أوساط سكان البليدة، وكذا تناول قلب اللوز والزلابية والقطايف ومنح الطفل نقودا بهدف تشجيعه على الصيام.

زلابية بوفاريك والشاربات سيدا المائدة البليدية في شهر الصيام

في هذا الشهر المبارك تزين المائدة بألذ الحلويات وأشهرها الزلابية، وهي حلوى تقليدية مشهورة خاصة في شهر رمضان، دخلت لأول مرة في الجزائر عند عائلة عكسيل في منطقة بوفاريك، وهي إحدى دوائر مدينة البليدة يقصدها الناس من كل صوب من أجل شرائها. ولازالت تقدم مثل هذه الحلويات في مواسم الأعياد وفي شهر رمضان خاصة.

فلا يمكن للعائلات البليدية مهما اختلف مستواها المعيشي الاستغناء عن الحلويات الشرقية على مائدتها الرمضانية خاصة ما تعلق منها بحلوى الزلابية، ويفضل أغلب سكان مدينة الورود تناول زلابية بوفاريك المعروفة وطنيا وحتى دوليا حيث نجد كافة العائلات تسارع إلى جلب الزلابية من مدينة البرتقال للاستمتاع بطعمها الرائع والتي يتفنن أصحابها في صنعها.

ونشير إلى أن هناك عائلات بالمدينة معروفة بصناعتها لهذه الحلوى منذ سنوات طوال مثل عائلتي “شنون” و”عكسيل” اللتين تقصدهما خلال شهر رمضان أعداد كبيرة من الأسر قادمة من الولايات المجاورة ومن مختلف ولايات الوطن رغبة في الظفر بهذه الحلوى الرائعة التي تصنع بوصفات سحرية يمتنع أصحابها الكشف عنها، معتبرين الأمر سر المهنة، لكن في الأغلب والمعروف أنها تصنع بالماء والخميرة والسميد والملح ومواد أخرى تضاف لها، وبعد قليها تغطس في العسل لتحليتها، وهو ما يمنحها طعما حلوا رائعا. والشيء نفسه بالنسبة لقلب اللوز والقطايف اللذين لا يمكن أن يغيبا عن مائدة البليديين، أما مشروب الشاربات فتلك حكاية أخرى حيث من المستحيل أن تجد العائلة البليدية لا تضع هذا المشروب على مائدة الإفطار، أو السحور، ولهذا المشروب طعم مميز وطبيعي حيث يصنع من الماء وماء الزهر والحليب وحبات الليمون وعصيرها ولكل بائع سره الخاص في صناعته.

“الشعبانية” .. عادة متجذرة وسط العائلات بالبليدة

تصاحب الأيام القليلة التي تسبق حلول شهر رمضان الكريم العديد من الممارسات المرتبطة بروحانية المناسبة وقيمتها وكذلك عادات وتقاليد شعبية  جلى في مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية مثلما هو بالنسبة لعادة “الشعبانية” التي تميز طريقة استقبال شهر الصيام لدى العائلات بمنطقة البليدة..

“الشعبانية” عادة تقاوم متغيرات الحياة اليومية

تتشبث الكثير من العائلات بالبليدة بهذه العادة الجميلة المرتبطة بأصالة ماضي جميل تحن إليه القلوب. وجدت عائلات أخرى نفسها مرغمة على تجاوز “الشعبانية” التي يرى فيها البعض تقليدا غير ضروري ومدعاة لمصاريف إضافية تثقل كاهل العائلة التي تجد نفسها مضطرة إلى تكييف ميزانيتها مع هذا الحدث لاسيما العائلات التي تكون لها أكثر من بنت متزوجة.

كما هناك وجهة نظر أخرى تقول إن “الشعبانية” كانت في الماضي فرصة للسيدات لزيارة ذويهن لأنهن لم يكن يتمكن من ذلك في غالب الأحيان لقلة وسائل النقل في حينها، فيما  وفر اليوم هذه الوسائل التي تسمح للسيدة بزيارة أهلها في كل وقت وحين بالإضافة إلى وجود وسائل الاتصال على غرار الهاتف النقال لمعرفة أدق التفاصيل عن أخبار العائلة مما يلغي حميمية اللقاء مع الأخوات والأم وباقي أفراد العائلة في الوقت نفسه.

وبالمقابل، هناك من يتمسك بهذه العادة لما ترمز إليه من أصالة لا يمكن أن تغيب بين عشية وضحاها أو حتى مع مرور الأيام والسنين “وذلك لارتباطها الوثيق بممارسات مجتمع بأكمله يعتز بتقاليده”.

وحتى وإن أدخلت على “الشعبانية” بعض التغييرات التي  ماشى مع متطلبات هذا الزمن وتبقى المناسبة من أجل الالتقاء والاجتماع في بيت الأسرة بشكل يعزز من روابط المحبة والمودة.

وتبقى عادة “الشعبانية” في كل الأحوال تذكّر بمظاهر تفننت فيها الكثير من العائلات سواء بالبليدة أو بغيرها من المناطق للإبقاء على صلة الرحم وتنظيم علاقات التلاقي والاجتماع بين أفراد الأسرة بحسب كل ظرف.

“فسحة العرايس” لزيارة العائلة قبل حلول رمضان

ومن بين مظاهر “الشعبانية” في منطقة البليدة عادة “فسحة العرائس” والتي تعني قيام البنات المتزوجات حديثا بزيارة ذويهن وقضاء فترة  راوح بين 3 إلى 7 أيام في حضن العائلة، وتعني هذه الزيارة أنه لن تستطيع هذه البنت زيارة عائلتها خلال شهر رمضان نظرا للالتزامات العائلية والأشغال المرتبطة بشهر الصيام والتي لن تسمح لها بزيارة أهلها.

و ميز هذه الزيارة التي تقوم بها الفتاة المتزوجة إلى ذويها بكونها عامة لدى كل الأسر حتى وإن راحت ” تندثر” في السنوات الأخيرة لتغيّر نمط الحياة عند الأسرة البليدية التي كانت تحيي “الشعبانية” بطقوس خاصة ارتبطت أيما ارتباط بمفهوم العائلة الكبيرة، حيث كانت الأخوات وبنات الأعمام يخططن لهذا الموعد مسبقا من أجل الالتقاء في التوقيت نفسه وعدم تفويت فرصة الاجتماع سوية ما يمكنهن من استرجاع ذكريات أيام الطفولة.

تخضيب بالحناء وكسوة جديدة وأكلات تقليدية وحمام “الهنا”

إنها طقوس، لا يمكن الحديث عن “الشعبانية” دون التطرق إليها، وتشمل تخضيب يدي ورجلي الفتاة القادمة إلى بيت ذويها بالحناء وتخصيص سهرات عائلية على وقع أكلات تقليدية على غرار “الرشتة” و”الكسكسي” وصولا إلى قعدة الشاي بـ” المقروط المعسل ” تمهيدا لسهرات رمضان.

كما تستفيد الفتاة التي تزور أهلها من “حمام الهنا” كما يتعارف على تسميته باللهجة البليدية، حيث تكون الوجهة إلى الحمامات الشعبية أمرا لا بد منه.

ولا يمكن للفتاة المتزوجة حديثا بالخصوص العودة إلى منزل زوجها دون أن تكون قد توجهت نحو الحمام مع شقيقاتها، أو دون كسوة جديدة تحرص الأم على أن تحضرها لها لتعود إلى عش الزوجية في أبهى حلة.

كما تكون الشعبانية مناسبة أخرى لوالدة العروس يتوجب عليها فيها أن تحضر لابنتها ما أمكنها من أجود أنواع الحلوى وأشهاها تأخذها إلى عائلة الزوج ويمكن أن تشمل أصنافا تقليدية على غرار” السفنج” و”المعارك “.