الرئيسية / ملفات / يناير… المناسبة الجامعة للوحدة الوطنية والتعددية الثقافية

احتفالات متنوعة عبر ربوع الوطن

يناير… المناسبة الجامعة للوحدة الوطنية والتعددية الثقافية

اكتسب الاحتفال برأس السنة الأمازيغية الجديدة – في الآونة الأخيرة- أهمية إضافية باعتباره وسيلة لإرساء حيوية هوية ثقافية. ويحيي هذا التقليد، المتجذر التوازن الذي ينبغي على الإنسان أن يحققه مع الطبيعة.

تحيي الجزائر،هذا  الاربعاء، رأس السنة الأمازيغية، من خلال العديد من الفعاليات والنشاطات الثقافية عبر مختلف ربوع الوطن، واحتضنت ولاية تمنراست الاحتفالات الرسمية لهذه السنة، والتي انطلقت يوم التاسع جانفي وتستمر إلى غاية الثاني عشر من ذات الشهر.

من بقايا التاريخ إلى الترسيم الوطني

وبعيدا عن كونه من بقايا التاريخ المتلاشية (التقويم الجريغوري)، هناك ميل للاحتفال بيناير على أوسع نطاق لاسيما بعد ترسيم 12 يناير يوما وطنيا من قبل رئيس الجمهورية الراحل، عبد العزيز بوتفليقة في إطار إعادة الاعتبار للثقافة والتراث والقيم والتقاليد الأمازيغية التي تشكل جزءا لا يتجزأ من الثقافة الوطنية بمختلف تنوعاتها.

“يناير” وعاء جامع للوحدة واللحمة الوطنيتين

أكد الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية، سي الهاشمي عصاد، أن إحياء السنة الأمازيغية الجديدة “يناير” يعتبر “وعاء جامعا” للشعب الجزائري، من شأنه تعزيز اللحمة الوطنية.

وأوضح السيد عصاد خلال ندوة صحفية نشطها بمقر المؤسسة الوطنية للتلفزيون أن “الهدف من إحياء يناير، هذا الوعاء الجامع لوحدتنا الوطنية وتعدديتنا الثقافية، يتمثل في ترسيخ الروح الوطنية وتعزيز تماسك الشعب الجزائري”.

وأضاف الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية، أنه فضلا عن “حب الأرض واحترام البيئة”، التي يجب تلقينها للأجيال الجديدة، فإن إحياء السنة الأمازيغية الجديدة، يعد كذلك بالنسبة للمحافظة السامية للأمازيغية، فرصة “لتعزيز روح الفخر بحضارتنا الأمازيغية”، وكذا التضامن والأخوة التي تميز الشعب الجزائري.

أما فيما يخص تنظيم هذه التظاهرة بولاية تمنراست عاصمة الأهقار، فقد أشار السيد عصاد إلى أن هذا الخيار قد تم كذلك “من أجل المساهمة كمؤسسة رسمية في تعزيز الجبهة الداخلية والتأكيد على التماسك القوي الموجود بين الشعب وجيشه”.

تبسة.. عادات وتقاليد ترمز للخصوبة والحياة والازدهار

يتم الاحتفال برأس السنة الأمازيغية والمصادف لـ 12 يناير من كل سنة بولاية تبسة المعروفة بعاصمة النمامشة، من خلال إحياء عادات وتقاليد ترمز للخصوبة والحياة والازدهار بما في ذلك الشق المتعلق بالمياه.

ومن بين عديد العادات التي تميز الاحتفال بيناير في ولاية تبسة، أن النساء تستقبلن السنة الأمازيغية الجديدة من خلال ملء الأواني المنزلية المختلفة بالمياه في عادة ترمز للخصوبة والحياة والازدهار، وذلك أملا في وفرة المنتج خلال السنة الجديدة.

كما تقوم النساء بالمناسبة بتنظيف المنازل وتغيير ديكوراتها الداخلية، فضلا على وضع الأعشاب على أسطح منازلهم للترحيب بالعام الجديد في جو يسوده الفرح.

ويحتفل سكان بلديات ولاية تبسة البالغ عددها 28 بحلول رأس السنة الأمازيغية الجديدة في جو خاص وبهيج، من خلال إعادة بعث وإحياء الهوية الأمازيغية للمجتمع، حيث يجتمع جميع أفراد الأسرة الصغيرة والكبيرة حول نفس الطاولة التي تضم أشهى الأطباق والحلويات التقليدية.

وتبدع النساء بالمناسبة في إعداد طبق الكسكسي الذي يحضر أساسا من سبعة خضروات من بينها البطاطا والفلفل والجزر والبصل والحمص والفول وكذلك الدجاج أو اللحم والذي يتم تقديمه في إناء كبير يجتمع حوله جميع أفراد الأسرة.

وحسب الحاجة فاطمة المنحدرة من بلدية قريقر (50 كلم غرب تبسة) “تمثل مناسبة الاحتفال بيناير فرصة لإعادة توحيد الأسرة ونشر قيم التصالح والمحبة والإخاء بين الناس”، مضيفة بأنها تمثل أيضا “بداية سنة زراعية جديدة على أمل أن تكون خصبة وتسمح بجني إنتاج وفير ومتنوع”.

كما يمثل الاحتفال بقدوم يناير الذي يتم الترحيب به بحرارة في ولاية تبسة، تقليدا مهما لإعادة إحياء عادات وتقاليد أجدادنا وأسلافنا بما في ذلك تجديد الأحجار الخمسة المستخدمة في “الكانون” المستخدم لطهي وجبة يناير.

ويتم أيضا تسطير عديد الأنشطة الثقافية والفلكلورية المتنوعة بالمناسبة عبر مجموع المؤسسات الثقافية والتعليمية بالولاية من أجل الاحتفال بالموروث التاريخي والثقافي والحضاري الأمازيغي عبر العصور.

وقال لـ “واج” الشاعر والباحث في التاريخ والثقافة الأمازيغية من مدينة بئر العاتر، عادل سلطاني، إن الاحتفال بيناير “يستهدف إعادة بعث العادات والتقاليد الأمازيغية التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية الجزائرية”، مشيرا إلى أنه يتعلق بمفهوم الخصوبة الذي يرتبط أساسا بالأرض والثروة الحيوانية التي تشكل أعمدة أساسية في حياة المواطنين.

من جهته، أفاد عبد الرزاق بلقاسم أستاذ مادة الفلسفة في الطور الثانوي وباحث في التاريخ الأمازيغي للمنطقة بأن “الاحتفال برأس السنة الأمازيغية يورث من الأب إلى الابن ومن جيل إلى آخر”، مضيفاً بأنه “يبرز ملامح الوحدة الوطنية”.

 

خنشلة: “بركوكش بالخليع” و”أشخشوخث دشيشة المرمز” سيدا عشاء ينار بمنطقة بغاي

ما تزال بلدية بغاي الواقعة على بعد 16 كلم عن عاصمة ولاية خنشلة متمسكة بعديد المظاهر الاحتفالية تيمنا برأس السنة الأمازيغية والتي من بينها تحضير مجموعة من الأطباق التقليدية التي يتربع على عرشها طبقا “بركوكش بالخليع” و”أشخشوخث دشيشة المرمز “.

وتجتهد نساء منطقة بغاي في إعداد ما لذ وطاب من مأكولات لتجعلن من ليلة الـ12 من شهر يناير من كل سنة المعروفة لدى أهل المنطقة بـ “ينار”، فرصة سانحة لتجمع كافة أفراد العائلة حول مائدة العشاء.

وتتحدث لـ “واج” السيدة عائشة صاحبة الـ69 سنة القاطنة ببلدية بغاي والتي تملك مطعما للمأكولات التقليدية بالمدينة الجديدة بخنشلة، تهدف من خلاله الحفاظ على الموروث الثقافي الأمازيغي من ضمنه عشاء رأس السنة الأمازيغية، لتؤكد بـ “أنها ومثيلاتها من حفيدات كاهنة الأمازيغ ديهيا يقمن بطبخ البركوكش بالخليع في مثل هذا اليوم الذي يفتخر به الأمازيغ”.

وتقدم بالتفصيل كيفية تحضيرها عشاء ينار، إذ توضح أنها تقوم بفتل البركوكش صبيحة نفس اليوم من خلال وضع كمية من السميد الرطب مع كمية من الماء والملح تضيف لها كمية قليلة من الكسكسي في جفنة خشبية وتقوم بفتلهما بطريقة لولبية ودائرية بكفي اليدين لعدة مرات للحصول على حبات كبيرة من البركوكش تكون جاهزة للطهي فوق إناء الكسكاس ببخار الماء لثلاث مرات متتالية.

وبالموازاة مع تحضير البركوكش، تقوم عائشة بتحضير المرق في القدر بوضع قطع من “الخليع” وهو “اللحم المقدد” (مملح و مجفف) مع حبات طماطم وفلفل حار وحمص وفول مجفف وكمية من الطماطم المصبرة وثوم، تضيف لها كمية من الزيت والماء، وتقوم بطهي الكل لمدة ربع ساعة لتضع “البركوكش” يغلي في المرق كآخر مرحلة.

وبعد الانتهاء من عملية الطهي تضع عائشة “البركوكش بالخليع” في قصعة خشبية كبيرة يتجمع حولها أفراد العائلة في “جو حميمي يزيد هذه المناسبة بهاء ويرسخ لوفاء الأمازيغ لمثل هذا اليوم”، كما تقول.

وإلى جانب “البركوكش بالخليع”، يحتل طبق “أشخشوخث دشيشة المرمز” مكانة خاصة هو الآخر في أوساط العائلات الخنشلية وهو مشهور خاصة عند قبائل صحراء النمامشة.

ويحضر مرق هذا الطبق من خلال غلي الماء ووضع “دشيشة المرمز” إضافة إلى حبات الطماطم والثوم والقصبر والفلفل الحار الأحمر والأخضر والفول اليابس، ويعد إلى جانب ذلك “أشخشوخث” على طاجين حديدي بعد عجنه بشكل جيد وتقطيعه ثم وضعه في أواني فخارية لتقديمه لأفراد العائلة عند موعد العشاء.

وتكشف السيدة عائشة بأن طهي هذا الطبق باللحم “قد يفسد لذته”، مضيفة أن تحضيره لعشاء ينار مناسب لأن هذا الأخير يتزامن دوما مع موجة البرد التي تتميز بها المنطقة في فصل الشتاء، وعادة ما يدعو رب الأسرة أفراد العائلة الكبيرة لعشاء رأس السنة الأمازيغية.

 

عشاء ينار فرصة لتغيير المواقد التقليدية ولمّ الشمل

رغم أن الكثير من عادات الاحتفال برأس السنة الأمازيغية بخنشلة بدأت في الاندثار، إلا أن السيدة عائشة المولودة ببلدية بابار جنوب الولاية والتي انتقلت عند زواجها قبل أكثر من 45 سنة إلى العيش ببلدية بغاي، تقول بأن “هناك بعض العائلات بمنطقة بغاي لا تزال تحافظ عليها لاسيما النسوة القاطنات خارج الوسط الحضري”.

ومن بين هذه العادات استغلال عشاء ينار لتغيير “مناصب الكانون”، مثلما يطلق عليها محليا، والذي تعني به الموقد التقليدي المتكون من الحجيرات التي يوضع فوقها القدر ويطهى عليه الأكل أو الرغيف وذلك استعدادا لاستقبال سنة جديدة.

كما يعد ينار مناسبة للم الشمل وتبادل زيارات الأقارب، حيث يعترف من جهته لـ “وأج” السيد الشاذلي قليل شاعر وأديب من أبرز أعلام الحركة الثقافية بخنشلة، بأن “الغاية الأسمى من الاحتفال بعشاء ينار لدى سكان منطقة خنشلة عموما وبغاي خصوصا هو لمّ الشمل وكذا صلة الرحم”.

ويضيف أن كل أفراد العائلة يجتمعون حول مائدة العشاء، كما تقوم العائلات أيضا بتبادل الزيارات فيما بينها وتبادل الأطباق المختلفة والمحضرة خصيصا بالمناسبة، وذلك لتعميم البهجة والفرحة وترسيخ مبادئ الأخوة والتراحم بين الجميع.

ل. ب