الرئيسية / منبر القراء / يوم استشهاد
elmaouid

يوم استشهاد

 لم يهدأ وابل الرصاص على مدينة غزة، لقد أضحى ليلها نهارا، القنابل الفسفورية تدوي، الرصاص، البيوت تتهاوى، أشجار الزيتون احترقت، كل شيء كان مستباحا في الحرب.

 

الساعة الآن منتصف الليل وثلاثون دقيقة من العام الرابع عشر بعد الألفين، كان الجو حارا.

هجعت جمانة برهة من الزمن ثم عاودت البحث عن طفلها أو شيء يؤنس وحشتها بعد أن قصف الاحتلال الصهيوني بيتها المتواضع.

جمانة امرأة فلسطينية ذات الثلاثين سنة، أم لأربعة أطفال وزوجة الشهيد البطل نضال جديدة، فقدت ثلاثة من أبنائها في الحرب الضروس على غزة عام ألفين وثمانية ولم يبق غير ولدها الصغير جهاد، خرجت للبحث عنه بعد غارة عنيفة على المدينة.

كانت جمانة تبكي تارة وتهدئ من روعها تارة أخرى، بحثت في الأرجاء المتاخمة لركام المنزل العائلي علها تجد آخر العنقود، لكنها لم تعثر سوى على لعبته التي كان يحبها كثيرا.

انتحبت ضام الشهداء وصرخت ونادت في الأفق:

ياااااااااا رب ….يااااارب الأرض والسماء اللهم لا اعتراض…..اللهم لا اعتراض على حكمك…..يا رب إن أخذت ابني جهاد فارحمه واحشره في زمرة الشهداء…. وإن كان حيا رده إلي ردا جميلا….يا اارب ألهمني الصبر…يااارب ألهمني الصبر….

خارت قوى المسكينة من البحث المضني، وأمضت الليل في العراء، كانت تغفو للحظات وتستفيق بعدها وتئن: ابني جهاد…ابني جهاد….جهااااااااااد…….

أثناء العدوان على المدينة وقبل أن يقصف حي الزيتون ويدمر منزل جمانة خرج جهاد دون علم أمه بحثا عن قطته المدللة، لقد نجا، لقد نجا بسبب قطته لكن ما الذي حدث بعد الغارة اللعينة؟.

إن عناصر من كتائب القسام كانوا متواجدين بالحي نفسه بغية تحذير الأهالي والذود عنهم، في الوقت الذي كان فيه الصبي خائفا من رصاص المحتل بعد إصابته على مستوى اليد، أسعف جهاد ونقل على جناح السرعة نحو معسكر الفدائيين.

جهاد ذلك الصبي ذو الخمس سنوات، حنطي البشرة، رغم صغر سنه إلا أنه ذكي وفطن.

مرت الأيام والسنوات على تلك الحادثة التي لم تعرف فيها جمانة مصير ابنها، أهو حي أم أستشهد في تلك الغارة.

تعبت من البحث الطويل هنا وهناك، فقررت أخيرا أن تسلم أمرها لله، تجملت بالصبر واعتصمت بحبل الله الذي لا ينقطع.

التحقت بعد ذلك بأحد الأماكن السرية التابعة لكتائب القسام.

خلال تلك السنوات ترعرع جهاد في كنف الفدائيين وأطلقوا عليه اسم ياسر.

تعلّم مبادئ الجهاد والحق في الحرية كما تدرب على حمل السلاح ومواجهة العدو بكل شجاعة.

لقد كبر الصبي قبل اوانه كان يحلم دوما أن يشرفه القائد أبو عمار بعملية بطولية ضد الاحتلال الاسرائيلي.

لم تكن تعلم جمانة أن صغيرها على بعد رمية حجر من مقر سكناها فقد كانت تعمل مع حرائر فلسطين، حيث ينضج الطعام وتحاك الملابس، أما ابنها ياسر كان يناضل مع اخوانه الفدائيين حيث السلاح والعتاد.

في صبيحة يوم مشرق نادى القائد أبو عمار في صفوف جنوده قائلا: بشرى إليكم إخواني، سنقوم بعملية فدائية في قلب تل ابيب….أحتاج إليكم يا بواسل غزة ويا ابطال فلسطين……فمن منكم يريد اللحاق بالفيلق الخاص بهذه العملية، وفيما بعد سأشرح لكم التفاصيل بدقة…

هتف الجميع: كلنا فلسطينيون…. وكلنا فداء للوطن…. فلتحيا فلسطين….الله أكبر….الله أكبر…

ابتسم القائد وقال: أعلم أن قلوبكم وأرواحكم محبة ومخلصة لغزة وفلسطين: لكن يجب ألا يتجاوز العدد 40 فدائيا ولكي لا أظلم أحدا سأجري اختبارا ميدانيا اليوم فليستعد الجميع…..

قبل الاختبار العسكري قام جهاد وتوضأ وصلى ركعتين متضرعا لربه ودعا قائلا:

يا رب وفقني في مهمتي واجعلني من شهدائك الأبرار يا رب توفني مسلما والحقني بالصالحين…….

أسفر الاختبار على تفوق العديد من المجاهدين المقبلين غير مدبرين على تحقيق الانتصار، كان من ضمنهم جهاد رغم حداثة سنه ما جعل القائد يتردد في أمره إلا أن جهاد أصر بشدة على النصر أو الشهادة.

يوم العملية: الساعة السادسة صباحا، وبعد صلاة الفجر انطلق الفيلق بقيادة أبو عمار متوكلين على الله -عز وجل- معلنين الحرب على بني صهيون، كانت مواجهة شرسة بين الندين سقط خلالها عدد كبير من الجنود الإسرائيليين واستشهد بعض المقاومين الأبطال، كانت حربا مباغتة.

كل شيء بدا لصالح كتائب القسام غير أن نفاذ الذخيرة عند البعض أجبر ثلة من الفدائيين على تغيير مواقعهم… ما جعل جهاد وبعض من رفاقه يخرجون وجها لوجه صوب الأعداء لحماية المجاهدين لحظة تزويدهم بالسلاح اللازم: فوقع ما لم يكن في الحسبان أطلق الرصاص بشدة من جانب الاسرائيليين فأصيب جهاد على مستوى القلب إصابة بليغة.

أحست جمانة بغصة في قلبها وشعرت بحرقة كبيرة في صدرها ما جعلها توقع صحنا من يدها وأصيبت بالذهول ….

قام عناصر الفيلق بسحب جهاد من ساحة المعركة الدامية بصعوبة كبيرة وأحضروه إلى القائد أبو عمار.

القائد أبو عمار قال: تحمل بني ….تحمل …..ستنجو ….بإذن الله………

جهاد وهو يهذي: الحمد لله الذي رزقني الشهادة أخبروا أمي أن جهاد قد نال الشهادة…. والتحق بإخوته وأبيه….. أخبروا أمي أن لقاءنا في الجنة-إن شاء الله-.

القائد أبو عمار مستغربا: ما الذي تقوله……هل اسمك الحقيقي جهاد…..لابد وأنك تهذي…

جهاد تعبا: أخبروا أمي المدعوة جمانة جديدة أنني استشهدت …..ودليلي على أنني أدعى جهاد هذه القلادة التي أحملها منذ أن ولدت نقش عليها اسمي وفيها صورة لأمي …..أخبروا أمي أنني نلت شرف الشهادة ونطق بعد ذلك بالشهادتين والتحق بالرفيق الأعلى.

أحضرت جثة جهاد إلى غزة وطلب من الجميع أن يودعه تكريما له.

عثر على جمانة من خلال تعميم صورتها عند النساء بالمركز السري، ها هي إحدى المناضلات تقترب من جمانة طالبة منها أن تجلس لمحادثتها:

خالتي جمانة لقد شهدنا رباطة جأشك في مواقف عديدة ومعروف أنك أم الشهداء وزوجة الشهيد و…….و….وقبل أن تكمل قاطعتها جمانة: اخبريني أرجوك إن كان هناك أمر خطير دون مقدمات ……..أحس بضيق في صدري ولا أدري لما؟.

المناضلة: ابنك جهاد الذي طالما بحثت عنه…ابنك ….ابنك

جمانة فرحة: ابني جهاد ….الحمد لله …..هل عثر عليه…أين هو ….خذيني إليه …..أريد أن أضمه إلى صدري.

المناضلة متأثرة بشدة: ابنك جهاد يقرؤك السلام وأوصى أن نخبرك بأنه نال شرف الشهادة في سبيل الله

وأن لقاءكم الجنة -إن شاء الله-.

جمانة في حالة ذهول:الحمد لله…..الحمد لله…..وزغردت عاليا والدموع تمطر من عينيها.

خذوني إليه خذوني إلى الشهيد، كانت جمانة تتقدم بخطوات ثابتة محتسبة أن لله ما اعطى ولله ما أخذ مصحوبة بعدد من المناضلات.

زين نعش الشهيد بالورود البيضاء وعلم فلسطين لقد بدا حقا وكأنه عريس في ليلة زفافه.

بعد قراءة فاتحة الكتاب قدم القائد كلمة توديعية تكريما للشهيد جهاد:

يوم استشهاد…..يوم الميلاد

يوم مشرق على العباد …….ومخزي لسياسة الجلاد

زغردي يا أم الشهيد ……..فابنك اليوم سعيد

كفكفي دموعك……وامرحي في البلاد

وانشدي لحن الجهاد…….فنحن في الوطن أسياد

للحرب قمنا …..وحملنا المدفع …..وأطلقنا رصاص الزناد

وأقمنا للحرية وزنا …….وبذلك نلنا المراد

يوم الميلاد ……دحرنا العدو ……وقهرنا الاستعباد

فاكتب يا تاريخ …..أن حي على الجهاد

سلاحنا الحق …..وشعارنا أن لا بقاء للحداد

وللوطن قدمنا أرواحنا فداء للبلاد

واصل القائد كلامه لقد فقدنا غاليا من رجالنا وعزيزا من أبنائنا، لكن عزاءنا الوحيد أنه عند الله شهيد…..

لقد أوصى البطل أن نخبر أمه الكريمة أنه نال الشهادة وبعد أن عثرنا عليها لابد وأنها تريد أن تبقى مع ابنها للحظات خصوصا وقد طال انتظارها لسنوات فليخرج الجميع رجاء.إنها لحظة اللقاء لقاء الأم بابنها، لم تكن جمانة حزينة، على العكس المهم أنها التقت بابنها حتى ولو كان شهيدا.

جمانة: بني …..ما أجملك….. لقد كبرت وصرت اليوم شهيدا، الحمد لله أن أطفأ جمرة القطيعة ومتعني بوصالك ….بني في جنة الخلد إن شاء الله، ثم ضمته إلى صدرها وكأنها تعوضه حنان السنوات التي مضت وفجأة شهقت شهقة أخيرة ورحلت إلى العالم الآخر.