غرفة تجارة مشتركة

أفق اقتصادي جديد بين الجزائر وإيطاليا

أفق اقتصادي جديد بين الجزائر وإيطاليا
  • منصّة عملية لربط المستثمرين وتحريك المبادلات الثنائية

  • أداة جديدة لتحويل التعاون إلى قيمة مضافة مشتركة

يأتي مقترح إنشاء غرفة تجارة جزائرية–إيطالية في سياق سياسي واقتصادي واضح، عبّر عنه رئيس الجمهورية خلال لقائه الدوري مع وسائل الإعلام الوطنية، تزامنا مع التحضير لزيارة مرتقبة لرئيسة مجلس الوزراء الإيطالية إلى الجزائر.

هذا الطرح، الذي يندرج ضمن تقييم مسار التعاون الثنائي وبحث آفاق تطويره، يعكس توجّها رسميا نحو تعزيز الإطار المؤسساتي للعلاقات الاقتصادية، والانتقال بها من منطق التنسيق الظرفي إلى شراكة منظمة تدعم الاستثمار والتبادل التجاري على أسس أكثر استقرارا.

يأتي طرح فكرة إنشاء غرفة تجارة جزائرية–إيطالية في لحظة تشهد فيها العلاقات بين البلدين تحوّلا نوعيا، بعدما تجاوزت منطق التعاون التقليدي المرتبط بالطاقة إلى شراكة أوسع تمس قطاعات الاستثمار والصناعة والفلاحة. هذا التحول تعزّز خلال الفترة الأخيرة عبر تكثيف التواصل السياسي رفيع المستوى، الذي أدرج البعد الاقتصادي ضمن أولويات الحوار الثنائي، بما يعكس رغبة مشتركة في إعطاء التعاون بعدا أكثر عملية واستدامة. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى غرفة التجارة المقترحة كآلية تنظيمية تهدف إلى إعادة ترتيب العلاقات الاقتصادية ضمن إطار مؤسساتي واضح، يسهّل المبادلات ويقرب المتعاملين الاقتصاديين من الجانبين. فمثل هذه الهياكل لا تقتصر على الطابع التمثيلي، بل تؤدي دورًا محوريًا في تنسيق الأعمال، وتبادل المعطيات حول فرص الاستثمار، وفهم الأطر القانونية والتنظيمية التي تحكم الأسواق. ويكشف هذا التوجه عن وعي متزايد بالإمكانات الاقتصادية التي ما تزال غير مستغلة بالشكل الكافي، خاصة مع تنامي حضور الشركات الإيطالية في الجزائر، وسعي الأخيرة إلى توسيع دائرة شركائها خارج المجال الطاقوي. كما يتقاطع هذا المسعى مع تحولات أوسع يعرفها المحيط الإقليمي والدولي، حيث أعادت اضطرابات سلاسل الإمداد الاعتبار للأسواق القريبة جغرافيًا، ما يضع الجزائر في موقع متقدم ضمن الرؤية الاقتصادية الأوروبية عبر المتوسط. ومن الناحية العملية، يرتبط المشروع أيضا بالزيارة المرتقبة لرئيسة الحكومة الإيطالية إلى الجزائر بعد شهر رمضان، والتي يُنتظر أن تشكّل محطة لتجسيد هذا التوجه على أرض الواقع، من خلال تحديد الإطار القانوني والتنظيمي للغرفة وآليات عملها. وتندرج هذه الزيارة ضمن مسار منتظم من اللقاءات الثنائية، يعكس استمرارية الدعم السياسي للتقارب الاقتصادي. وبذلك، يندرج مشروع غرفة التجارة الجزائرية–الإيطالية ضمن رؤية أوسع تهدف إلى نقل العلاقات الثنائية من منطق التنسيق الظرفي إلى شراكة اقتصادية مهيكلة، قائمة على أدوات دائمة تضمن استمرارية التواصل بين الفاعلين الاقتصاديين، وتدعم الاستثمار، وتؤسس لتبادل أكثر انتظامًا واستقرارًا، بما يخدم مصالح البلدين على المدى المتوسط والبعيد.

 

ماذا تعني غرفة التجارة الجزائرية – الإيطالية؟

تكتسب غرفة التجارة الجزائرية – الإيطالية دلالات تتجاوز المفهوم الإداري الضيق. فهي لا تُختصر في دور تنظيمي شكلي، بل تُعد أداة عملية لتنشيط الحركة الاقتصادية وتوجيهها ضمن مسار أكثر انتظامًا وفعالية. ومن خلال جمعها لمختلف الفاعلين الاقتصاديين، من مستثمرين ومؤسسات صغيرة ومتوسطة وحرفيين، تخلق الغرفة فضاءً يسمح بتلاقي المصالح وتبادل الفرص وبناء علاقات أعمال قائمة على المعرفة الدقيقة بخصوصيات السوقين. وفي هذا السياق، تُسهم غرفة التجارة في سد الفجوة بين القطاع الخاص والإدارة، عبر تسهيل الإجراءات المرتبطة بالنشاط التجاري والاستثماري، وتوفير معطيات اقتصادية ومؤشرات تساعد المتعاملين على اتخاذ قرارات مبنية على أسس واقعية. كما تضطلع بدور داعم لمسار انفتاح المؤسسات نحو الخارج، من خلال المرافقة التقنية، والتكوين، والمشاركة في التظاهرات الاقتصادية، ما يعزز تنافسية المنتجات ويشجع على تنويع الصادرات.

وتتعاظم أهمية هذه الأداة في ظل بيئة اقتصادية دولية تتسم بعدم الاستقرار، حيث تصبح الحاجة ملحّة لآليات تدعم الابتكار والمشاريع الناشئة، وتوفر أشكالًا جديدة من المرافقة والتمويل غير المباشر. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى غرفة التجارة كمنصة قادرة على ربط الأنشطة التقليدية بالأسواق الحديثة، وتحويل التعاون الجزائري – الإيطالي من مجرد تبادل تجاري إلى مسار يقوم على خلق قيمة مشتركة وتنمية مستدامة.

 

توقيت محسوب..

يأتي تحرّك إيطاليا نحو اقتراح إنشاء غرفة تجارة مشتركة مع الجزائر في توقيت دقيق يعكس قراءة استراتيجية للتحولات الجارية في المنطقة. فشمال إفريقيا يشهد إعادة رسم لخريطة الاستثمارات، في ظل تغير سلاسل الإمداد العالمية وعودة الاهتمام بالأسواق القريبة جغرافيًا من أوروبا. وفي هذا السياق، تبرز الجزائر كوجهة تحمل عناصر الجذب من حيث الاستقرار، وحجم السوق، والتحولات الهيكلية التي تمس قطاعات الصناعة والطاقة والبنى التحتية. وتُفهم هذه المبادرة، باعتبارها محاولة لإضفاء طابع مؤسساتي على العلاقات الاقتصادية الثنائية، بما يسهّل تدفق المبادلات والاستثمارات بين البلدين. فالغرفة المقترحة تُعد إطارًا منظمًا يتيح للشركات الإيطالية الولوج إلى السوق الجزائرية وفق قواعد واضحة، وفي المقابل يفتح أمام المؤسسات الجزائرية قنوات أكثر انتظامًا نحو الأسواق الأوروبية. ويأتي ذلك في ظل إصلاحات اقتصادية وتحسينات تدريجية في مناخ الأعمال، عززت من جاذبية الجزائر كشريك اقتصادي قابل للبناء عليه على المدى المتوسط والبعيد. ومن زاوية أوسع، يُنظر إلى غرفة التجارة كأداة لتثبيت تعاون اقتصادي طويل الأمد، يحدّ من المخاطر المرتبطة بالتقلبات الظرفية، عبر آليات متابعة ومرافقة للمشاريع المشتركة. فبدل الاكتفاء بعلاقات تجارية موسمية، يهدف هذا التوجه إلى ترسيخ شراكات إنتاجية قادرة على خلق قيمة مضافة، ونقل خبرات، وفتح آفاق تشغيل، ضمن رؤية تقوم على التكامل الاقتصادي عبر المتوسط لا على تبادل المصالح الآنية.

 

مكاسب مباشرة ومتعددة..

تُطرح غرفة التجارة الجزائرية – الإيطالية كآلية عملية قادرة على تحويل التقارب الاقتصادي بين البلدين إلى عوائد مباشرة على الاقتصاد الوطني، من خلال توجيه التعاون نحو أنشطة إنتاجية ذات قيمة مضافة حقيقية. فبدل الاكتفاء بعلاقات تجارية تقليدية، يفتح هذا الإطار المجال أمام بناء شراكات صناعية وتقنية ترتكز على التصنيع المحلي، وتدعم منطق نقل الخبرة وتوطين المعرفة داخل النسيج الاقتصادي الجزائري. وفي هذا السياق، تبرز إمكانية إطلاق مشاريع صناعية مشتركة في قطاعات واعدة، من بينها صناعة مكونات السيارات والميكانيك الدقيقة، بما يسمح برفع نسبة الإدماج الوطني وتعزيز قدرات المناولة المحلية. مثل هذه المشاريع من شأنها المساهمة في خلق فرص عمل مستدامة، وتطوير مهارات اليد العاملة، وبناء قاعدة صناعية أكثر تكاملا وقدرة على الاستمرار، بدل الارتهان لواردات جاهزة محدودة الأثر على التنمية. أما على مستوى الاستثمار، فتُعد الغرفة إطارا مؤسساتيا لتثبيت الاستثمارات القائمة وتوسيعها، خاصة في القطاعات التي تشهد حضورا إيطاليا معتبرا، مثل الطاقة والصناعات الغذائية والميكانيكية. كما يمكن لهذا الإطار أن يسهل ولوج المنتجات الجزائرية غير النفطية إلى السوق الأوروبية، عبر توفير قنوات تواصل ومرافقة تنظيمية وتجارية، بما يدعم تنويع الصادرات ويرفع مردودية الإنتاج الوطني. وفي بعده الاستراتيجي، يشكل نقل التكنولوجيا وتطوير الموارد البشرية أحد أبرز المكاسب المنتظرة من هذه الآلية، من خلال إدخال تقنيات حديثة في الفلاحة والصناعة، والاستفادة من التجارب الدولية في دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وهو ما ينسجم مع هدف بناء نمو أكثر استدامة، يقلل من التبعية الخارجية، ويعزز قدرة الاقتصاد الوطني على خلق القيمة داخل حدوده.

 

فعل ميداني..

يمثّل مشروع غرفة التجارة الجزائرية – الإيطالية انتقالًا واضحًا من منطق الاتفاقيات العامة إلى منطق الفعل الاقتصادي الميداني. فبعكس الآليات التقليدية، مثل اللجان المشتركة أو مذكرات التفاهم، التي غالبًا ما تبقى رهينة الإطار الرسمي والوتيرة البطيئة، تقوم غرفة التجارة على مقاربة عملية تضع المتعاملين الاقتصاديين في صلب العلاقة، وتوفر قناة دائمة ومباشرة للتواصل بين الشركات، بما يسمح بتحويل النوايا إلى مشاريع ملموسة. وتكمن القيمة المضافة لهذا الإطار في طابعه التطبيقي، إذ لا يقتصر على تنظيم اللقاءات أو تبادل التصريحات، بل يوفّر أدوات مرافقة حقيقية للاستثمار، من خلال تسهيل الإجراءات، ومتابعة تنفيذ المشاريع، وتذليل العقبات اللوجستية والتنظيمية. هذا التحول من التنسيق الظرفي إلى المتابعة المستمرة من شأنه تقليص كلفة الزمن والبيروقراطية، وهما عاملان حاسمان في جذب الاستثمارات واستقرارها. كما تتيح غرفة التجارة بناء جسر ديناميكي بين القطاع الخاص والإدارات العمومية، بما يعزز الثقة ويضمن استمرارية الشراكات. فوجود فضاء مؤسساتي دائم يسمح بتبادل المعطيات الاقتصادية، وتحسين جودة المنتجات والخدمات، وتحويل التعاون الثنائي من مسار تفاوضي متقطع إلى مسار إنتاجي فعلي قائم على المصالح المتبادلة.

 

بعد استراتيجي..

وفي بعده الاستراتيجي، تتجاوز غرفة التجارة دورها التقني لتصبح أداة لبناء شراكة بعيدة المدى، ترتكز على الاستقرار المؤسسي والتكامل الاقتصادي. فالتوقيت الذي يطرح فيه هذا المشروع يعكس إدراكًا لتحولات مناخ الاستثمار في الجزائر، ولحاجة الشراكات الدولية إلى أطر أكثر مرونة وفعالية، قادرة على مرافقة الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز الثقة لدى المستثمرين. ومن هذا المنطلق، يمكن للغرفة أن تتحول إلى رافعة لتكامل صناعي أعمق، من خلال تشجيع نقل التكنولوجيا، ودعم سلاسل الإنتاج، وتمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من الاندماج في شراكات دولية أكثر توازنًا. وهو ما ينسجم مع هدف تنويع الاقتصاد الوطني وبناء قاعدة إنتاجية قادرة على خلق قيمة مضافة مستدامة. وبقدر ما ينعكس هذا المسار على المؤشرات الاقتصادية، فإنه يسهم أيضًا في ترسيخ العلاقات الثنائية على أسس أكثر متانة، عبر جعل التعاون الاقتصادي عامل ثقة واستقرار طويل الأمد. بذلك، تصبح غرفة التجارة أداة عملية تخدم توجهات الجزائر في تنويع الصادرات وتقليص الاعتماد على المحروقات، وفي الوقت نفسه تعزز حضور الشركاء الأوروبيين ضمن رؤية تقوم على الإنتاج والشراكة المستدامة، لا على المبادلات الظرفية. في ضوء هذا المسار، تبرز غرفة التجارة الجزائرية – الإيطالية كإطار يتجاوز البعد الإجرائي ليحمل دلالات أعمق مرتبطة بإعادة تشكيل طبيعة الشراكة الاقتصادية بين البلدين. فهي تعكس إرادة للانتقال من علاقات يغلب عليها الطابع القطاعي أو الظرفي إلى تعاون منظم يقوم على الاستمرارية، ويضع الفاعلين الاقتصاديين في قلب المعادلة بدل الاكتفاء بالتنسيق الحكومي التقليدي. ويُنتظر أن يشكّل هذا الإطار، في حال تجسيده فعليًا، أداة لتثبيت الاستثمارات وتوسيعها، ومرافقة المشاريع المشتركة، وفتح آفاق جديدة أمام المؤسسات الجزائرية للاندماج في سلاسل القيمة الإقليمية والأوروبية. كما يتيح تحويل القرب الجغرافي والتكامل الاقتصادي عبر المتوسط إلى مكاسب عملية، من خلال تسهيل المبادلات، وتحسين تدفق المعلومات، وتعزيز الثقة بين المتعاملين في بيئة اقتصادية دولية تتسم بالتنافسية وعدم اليقين. وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إعلان إنشاء غرفة تجارة مشتركة، بل في قدرتها على التحول إلى منصة فاعلة تُترجم الرؤى السياسية إلى نتائج اقتصادية ملموسة. فإذا ما أُحسن تأطيرها وتفعيلها، يمكن لهذا المشروع أن يشكّل نموذجًا لشراكات أكثر توازنًا واستدامة، تسهم في تنويع الاقتصاد الوطني، وتقليص التبعية، وبناء تعاون طويل الأمد قائم على الإنتاج والقيمة المضافة، لا على المبادلات الظرفية.