- من السدود إلى تحلية مياه البحر.. خطوات نحو استدامة الموارد
- مياه جوفية ومعالجة متطورة.. ركيزة الأمن المائي الوطني
في ظل تصاعد تحديات التغيرات المناخية وتزايد الضغط على الموارد الطبيعية، تتجه الجزائر إلى بناء منظومة مائية متكاملة تقوم على تنويع مصادر التزويد وتعزيز قدرات التخزين والإنتاج.
فمن السدود إلى تحلية مياه البحر، مرورا بالمياه الجوفية ومعالجة المياه المستعملة، تراهن الدولة على مقاربة استباقية تضمن الأمن المائي وتؤمن احتياجات السكان والقطاعات الحيوية في الحاضر والمستقبل.
امتدادا لهذا التوجه القائم على تعزيز الأمن المائي، تبرز ملامح منظومة وطنية متعددة المصادر تراهن عليها الجزائر لضمان استقرار الإمدادات في مختلف الظروف. وتقوم هذه المنظومة على تعبئة موارد متنوعة تشمل 81 سدا بنسبة امتلاء تقارب 45 بالمائة، إلى جانب 19 محطة لتحلية مياه البحر، واحتياطي ضخم من المياه الجوفية يقدّر بنحو 80 ألف مليار متر مكعب، فضلا عن نحو 230 محطة لمعالجة المياه، ما يعكس توجها واضحا نحو تقليص الاعتماد على مصدر واحد. ويعكس هذا التنوع في مصادر التزويد مقاربة استراتيجية تهدف إلى تحقيق توازن بين الموارد السطحية وغير التقليدية، بما يسمح بتأمين مياه الشرب وتلبية احتياجات الزراعة والصناعة على حد سواء. فالسدود تظل ركيزة أساسية في التخزين، في حين توفر محطات التحلية حلا فعالا للمناطق الساحلية، بينما تشكل المياه الجوفية مخزونا استراتيجيا يمكن الاعتماد عليه خاصة في المناطق الداخلية والجنوبية. وفي السياق ذاته، تسعى الجزائر إلى دمج هذه الموارد ضمن منظومة متكاملة تقوم على المرونة والقدرة على التكيف مع التقلبات المناخية، حيث يتيح هذا التعدد في المصادر تقليص مخاطر الجفاف أو تراجع التساقطات، ويعزز القدرة على ضمان استمرارية التزويد حتى في فترات الضغط المرتفع على الموارد المائية. كما يبرز دور معالجة المياه المستعملة كعنصر مكمل لهذه المنظومة، إذ تفتح آفاقا جديدة لإعادة استخدام الموارد المائية وتقليل الهدر، في إطار توجه عام نحو الاستدامة. وبهذا، تتجه الجزائر إلى ترسيخ نموذج مائي يقوم على التكامل بين مختلف المصادر، بما يدعم رؤيتها لبناء أمن مائي طويل المدى قائم على التنويع والنجاعة في الاستغلال.
السدود.. دعامة تقليدية لتعزيز الاستقرار المائي
وفي سياق هذا التنوع في مصادر التزويد، تظل السدود تمثل الدعامة التقليدية والأكثر رسوخا ضمن المنظومة المائية الوطنية، لما توفره من قدرة على تخزين المياه السطحية وتوجيهها نحو مختلف الاستخدامات.
إذ تعتمد الجزائر على شبكة تضم 81 سدا بنسبة امتلاء تقارب 45 بالمائة، ما يتيح تأمين جزء معتبر من احتياجات مياه الشرب، إلى جانب دعم النشاط الفلاحي وبعض الاستعمالات الصناعية. ويؤكد الخبراء أن هذه المنشآت تلعب دورا محوريا في تحقيق التوازن بين العرض والطلب على الموارد المائية، خاصة خلال فترات الجفاف أو تذبذب التساقطات. كما تساهم السدود في تنظيم توزيع المياه عبر مختلف المناطق، بما يعزز الاستقرار المائي ويحد من التقلبات المرتبطة بالظروف المناخية. وفي هذا الإطار، تتجه الجهود نحو تعزيز فعالية هذه المنشآت من خلال إطلاق مشاريع لإنشاء سدود جديدة، بما في ذلك السدود المتوسطة، بهدف توسيع القدرة التخزينية ومواكبة الطلب المتزايد. كما تحظى ظاهرة التوحل باهتمام خاص، باعتبارها من أبرز التحديات التي تؤثر على مردودية السدود، حيث يجري العمل على معالجتها للحفاظ على كفاءة هذه البنية التحتية الحيوية. ومع تزايد الضغط على الموارد المائية، يبرز تطوير السدود كخيار استراتيجي يندرج ضمن رؤية أشمل لتعزيز الأمن المائي، تقوم على تحديث المنشآت القائمة وتحسين أدائها، بالتوازي مع استكمال مشاريع جديدة. وبهذا، تواصل السدود لعب دورها كركيزة أساسية ضمن منظومة متكاملة تسعى الجزائر من خلالها إلى ضمان استدامة التزويد بالمياه في مختلف الظروف.
تحلية مياه البحر.. خيار استراتيجي لمواجهة الجفاف
وفي موازاة تعزيز دور السدود، تتجه الجزائر إلى توسيع الاعتماد على تحلية مياه البحر كخيار استراتيجي لمواجهة تحديات الجفاف وتقلبات التساقطات، خاصة في المناطق الساحلية ذات الكثافة السكانية العالية.
وقد ارتفع عدد محطات التحلية إلى 19 محطة بعد تدشين منشآت جديدة، ما يعكس تسارع وتيرة الاستثمار في هذا المجال لتأمين مورد مائي مستقر وغير مرتبط مباشرة بالعوامل المناخية. ويأتي هذا التوجه ضمن برنامج وطني طموح يهدف إلى بلوغ 25 محطة تحلية بحلول سنة 2030، وهو ما سيسمح برفع القدرة الإنتاجية إلى نحو 5.6 مليون متر مكعب يوميا. كما يرتقب أن تساهم هذه المحطات في تغطية ما يقارب 60 بالمائة من احتياجات السكان من مياه الشرب، مع إمكانية إيصال المياه المحلاة إلى مسافات تصل إلى 250 كيلومترا من الساحل، ما يعزز الربط بين المناطق الساحلية والداخلية. وتبرز أهمية هذا الخيار في كونه يوفر موردا مائيا دائما يمكن الاعتماد عليه في مختلف الظروف، خصوصا في ظل تراجع الموارد السطحية خلال فترات الجفاف. كما تساهم تحلية مياه البحر في تخفيف الضغط على السدود والمياه الجوفية، من خلال توزيع الطلب على مصادر متعددة، بما يدعم استقرار المنظومة المائية الوطنية. ورغم التكاليف المرتبطة بإنتاج المياه المحلاة، والتي تتراوح بين 150 و200 دينار للمتر المكعب، تواصل الجزائر الاستثمار في هذا المجال باعتباره ركيزة أساسية ضمن رؤيتها لتعزيز الأمن المائي. وبهذا، تتحول تحلية مياه البحر إلى أحد أعمدة الاستراتيجية الوطنية، التي تراهن على التكنولوجيا وتوسيع القدرات الإنتاجية لضمان تزويد مستدام يلبي احتياجات الحاضر ويستشرف تحديات المستقبل.
المياه الجوفية.. احتياطي ضخم يدعم الأمن المائي
وفي استكمال لهذا التوجه القائم على تنويع مصادر التزويد، تبرز المياه الجوفية كأحد الأعمدة الاستراتيجية التي تعزز الأمن المائي في الجزائر، خاصة في المناطق الداخلية والجنوبية.
إذ تُقدَّر هذه الاحتياطات بنحو 80 ألف مليار متر مكعب، ما يجعلها من أكبر المخزونات المائية في المنطقة، وتمنح البلاد هامشا مهما لمواجهة التقلبات المناخية وضمان استمرارية التزويد في مختلف الظروف. وتكتسي هذه الموارد أهمية خاصة في الجنوب، حيث تعتمد العديد من المناطق على المياه الجوفية لتلبية احتياجات الشرب والري والأنشطة الاقتصادية. وتشير المعطيات إلى أن نحو 50 ألف مليار متر مكعب من هذه الاحتياطات تتواجد ضمن الطبقة الألبية، وهي طبقة مائية مشتركة مع كل من تونس وليبيا، ما يبرز البعد الإقليمي والاستراتيجي لهذه الثروة الطبيعية. غير أن استغلال هذه الموارد يواجه تحديات تقنية، لاسيما ما يتعلق بارتفاع نسبة الملوحة التي تتراوح بين 5 و6 غرامات لكل لتر في بعض المناطق، ما يستدعي معالجتها قبل استخدامها. وفي هذا السياق، تعمل نحو 30 محطة لإزالة المعادن، خاصة في مناطق الجنوب مثل تقرت، على تحسين جودة المياه وجعلها صالحة للاستعمالات المختلفة، مع إطلاق مشاريع جديدة لتعزيز هذه القدرات. ومع تزايد الحاجة إلى موارد مائية مستقرة، تواصل الجزائر توجيه استثماراتها نحو تحسين استغلال المياه الجوفية وتطوير تقنيات معالجتها، بما يضمن استدامتها على المدى الطويل. وبهذا، تشكل هذه الموارد رصيدا استراتيجيا يدعم المنظومة المائية الوطنية، ويكمل دور السدود والتحلية في إطار مقاربة شاملة تقوم على التكامل والمرونة في مواجهة التحديات المستقبلية.
معالجة المياه.. توجه لتعزيز الاستدامة وترشيد الموارد
وفي سياق استكمال عناصر المنظومة المائية الوطنية، تبرز معالجة المياه المستعملة كخيار استراتيجي يعزز الاستدامة ويحد من الضغط على الموارد التقليدية وغير التقليدية.
فمع تزايد الطلب على المياه، لم يعد الاعتماد على السدود والتحلية والمياه الجوفية كافيا، ما دفع إلى إدماج إعادة استخدام المياه ضمن المقاربة الشاملة لتأمين التزويد. وتشير المعطيات إلى أن الجزائر تستهلك نحو 10 ملايين متر مكعب من المياه يوميا، أي ما يعادل قرابة 4 مليارات متر مكعب سنويا، يتحول جزء كبير منها إلى مياه مستعملة. غير أن حوالي 80 بالمائة من هذه الكميات يتم التخلص منها دون استغلال، رغم توفر نحو 230 محطة لمعالجة المياه عبر مختلف ولايات الوطن، ما يعكس وجود إمكانيات كبيرة غير مستغلة بشكل كامل. وفي المقابل، تُقدَّر كميات المياه المعالجة سنويا ما بين 500 و600 مليون متر مكعب، في حين لا تتجاوز الكميات المعاد استخدامها فعليا ما بين 60 و70 مليون متر مكعب، أي بنسبة تتراوح بين 15 و20 بالمائة. وتُستخدم هذه المياه بشكل أساسي في الري وبعض الأنشطة، ما يفتح المجال أمام توسيع استخدامها في قطاعات أخرى، خاصة في ظل الحاجة إلى ترشيد استهلاك الموارد التقليدية. ومع تزايد الوعي بأهمية الاقتصاد في المياه، تتجه الجزائر إلى تعزيز قدرات المعالجة وتوسيع نطاق إعادة الاستخدام، ضمن رؤية تهدف إلى تقليص الهدر وتحقيق أقصى استفادة من كل متر مكعب مستهلك. وبهذا، تمثل معالجة المياه المستعملة ركيزة واعدة في دعم الأمن المائي، من خلال تحويل مورد مهدر إلى عنصر فعال ضمن منظومة متكاملة تقوم على الاستدامة والنجاعة.
نحو أمن مائي مستدام.. استثمارات متواصلة ورؤية مستقبلية
ومع استعراض جميع مكونات المنظومة المائية الجزائرية، تتجه الأنظار نحو الرؤية المستقبلية للأمن المائي، التي تجمع بين الاستثمارات المستمرة والتخطيط الاستراتيجي لمواجهة تحديات المناخ وتلبية الاحتياجات المتزايدة.
فالجهود الحالية لا تقتصر على تنويع الموارد، بل تشمل تعزيز القدرة الإنتاجية للسدود، وتوسيع محطات تحلية مياه البحر، واستغلال المياه الجوفية بطريقة مستدامة. وتتضمن هذه الرؤية برامج لإنشاء سدود متوسطة وصغيرة الحجم، تهدف إلى رفع نسبة التخزين الكلي للسدود من مستوى 45 بالمائة الحالي إلى مستويات أعلى، إضافة إلى معالجة ظاهرة التوحل للحفاظ على القدرة التخزينية وتقليل الفاقد. كما يخطط للوصول إلى 25 محطة لتحلية مياه البحر بحلول 2030، بإنتاج يومي يقدر بـ5.6 مليون متر مكعب، لتغطية حوالي 60 بالمائة من الاحتياجات الساحلية. على صعيد المياه الجوفية، تعمل الجزائر على تطوير نحو 30 محطة لمعالجة المعادن في مناطق الجنوب، خصوصا في تقرت، لتوسيع نطاق الاستفادة من الاحتياطي الضخم البالغ 80 ألف مليار متر مكعب، مع التركيز على الاستخدام الأمثل للشرب والري والصناعة، مع مراقبة مستويات الملوحة بين 5 و6 غرامات لكل لتر. وفي إطار تعزيز الاستدامة وترشيد الموارد، تهدف الحكومة إلى دمج معالجة المياه العادمة وإعادة استخدامها بشكل أكبر، إذ تتراوح الكميات المعاد استخدامها اليوم بين 60 و70 مليون متر مكعب سنويا، أي نحو 15-20 بالمائة من الكمية الكلية، مع خطط لرفع هذه النسبة بما يسهم في تخفيف الضغط على المصادر التقليدية، ما يجعل الجزائر نموذجا للنهج المتكامل نحو الأمن المائي المستدام.
مصطفى. ع